“إني أشم رائحة مريم” للشيخ يعقوب
رائحة مريم بين أسياف الحورة والجبيل
خليل زينل - كاتب بحريني
لم أقرأ بشغف ولهفة من الغلاف الى الغلاف في ليلة صيفية طويلة كما قرأت الكتاب الجديد “إني أشم رائحة مريم” للكاتب والصديق السعودي إسحاق الشيخ يعقوب·
الرواية تدون السيرة الذاتية لكاتبها وهي من أوراق شجرته الذاتية في جزئه الأول من ثلاثيته العاكسة لمجمل نشاطاته وإبداعاته في الحقول المعرفية المتعددة ومعاركه السياسية والفكرية ذات البعد الحضاري الإنساني ولخير الإنسان·
يأخذنا الكاتب في رحلة الطفولة ببراءاتها المعهودة وبراياتها البيضاء بين تفاصيل التاريخ الحديث لنشأة الجبيل - كميناء ومنطقة بحرية مطلة على الخليج والبحرين - بأزقتها المتربة وأسيافها الزرقاء الممزوجة برائحة الملح واليود والصخور المرجانية وأسماكها المتعددة الأشكال والأنواع بزفورتها وبلوحها·· تقترب ذكريات الزمن الشخصي وتكاد تلامس أسياف الحورة - البحرين شرقا ودواعيس العوضية غربا في تداخل جغرافي / ثقافي جميل وآسر بين الشعبين والتجربتين·· تداخل يبحر بنا بين ضفتي الخليج حد الامتزاج الشعبي وإلغاء القطرية المريضة وانغلاق الذات·
رائحة مريم هي رائحة كل الأمهات الطيبات اللاتي يرخص “الجون” الروح والجسد في الطبيعة البشرية وفي الذاكرة الجمعية للأوطان والمجتمعات ذات الهوى البحري·· فبين عامود الخيمة وحيث ولاداتها المتعددة والمتعسرة أحيانا وأجواء اللقاء الأخير في بيروت هناك رائحة البحر واليامال··
فالبحر ملاذها الإكلينيكي في الرزق والعافية وما تجود به من خيرات وفيرة وما تأخذه حين تزمجر الطبيعة البحرية وترسل نذر الشؤم كالجير والجراجير، العواصف والأمواج العاتية - توب توب يا بحر·· خاف من الله يا بحر - حسب الموروثات الغنائية الشعبية في البحرين والخليج - كذلك ينقلنا الكاتب الى صورة أخرى من صور التماثل بين الجبيل والحورة والعوضية في شكل البيوت الطينية والخشبية حينما تهب عواصف الشتاء وتساعد على اشتعال المزيد من الحرائق العادية والمفتعلة لكي تعري بلهيبها و”عجبرتها” عجز قوانين المجتمع برغم همة الرجال وتفانيهم·· وتبدأ مرة أخرى لغة الحرمان والنوم في العراء في حالة الحورة وكانت تسمى لبنان عكسا لاسمها·· ومن الجانب الآخر وفي اليوم التالي تنشد هذه الأحياء البناء الخشبي ثانية متحدية قسوة الحياة ولهيب النار، برغم التفسيرات المتعددة وتداخلها بالخرافة والسحر والشعوذة عن العقاب الإلهي وتشبيهاته التراثية كشبح “أبو درياه” و”كلبة القايلة” و”أم حمار” و”أم الخضر والليف”·
في الجهة الشمالية من الحورة تقع مدرسة الحورة الثانوية للبنين وخلفها المعهد الديني سابقا، والأخير من دون أسوار وحماماته ملاصقة لسيف البحر حيث الأحجار البحرية الكبيرة بصبانه والذي يستعمل للبناء “فروش” حيث الحمار بعربته ينقل الرمل البحري بفقاعاته وشراييبه وفي “جفيره” بعض من حصاد الرزق اليومي من “الحضرة” بأسماكه المتعددة وبحرياته المتنوعة·
بين طفولة الكاتب الجموحة والمتمردة ومعارف والده الشرعية والفقهية نتيجة لدراسته في بخارى واسطنبول ومحاولاته المستعذبة في وضع الطفل على سكة التطوع والتروحن كانت نسائم الروح الوجدانية تفرض نفسها في بيت الشيخ يعقوب تارة بين أضلاع الشيخ المتعددة الأنوثة بدءا من نورة مرورا بحليمة انتهاء بمريم البحرينية، وتارة أخرى من خلال آخر العنقود - إسحاق - بارتعاشاته وزلاته الوجدانية حينما تلمظ - للمرة الأولى في حياته - طعم فاكهة الحياة من خلال بخنق نجلاء “نيلة” والمطرزة “بالزري والبريسم” لدى المطوعة عائشة - أخته - أو خلف درفة الباب في يوم عيد ماطر··
بدايات التعليم الرسمي بدأت في الجبيل مع أوار الحرب العالمية الثانية وما استتبعها من حرب الإذاعات بين “ىونس بحري” من دول المحور وإذاعتي موسكو والشرق الأدنى·· والحرب تدق طبول الموت والدمار حيث المجاعة والأوبئة صحيا والفتنة والكراهية اجتماعيا وتوزيع المواد التموينية بالبطاقة اقتصاديا رغم اختفاء وندرة المواد الأولية·
ولم يكن ركوب البحر مغريا بعد أن تفتحت أبواب العمل المأجور في معامل النفط في رأس تنورة ومصباتها لدى أرامكو لتبدأ آلة الإنتاج الرأسمالية في طحن أبناء الصحراء والبحر معا ولتغير مجموعة العلاقات المجتمعية برمتها ولترمي “أم الحنايا” وتدفنها بين عجلاتها ومصباتها قرب السيف·
ذاكرة الكاتب أمينة على مخزون أطياف الماضي خصوصا إذا نبشتها صدف المناسبات وذكريات الطفولة والصبا التي ولت من غير رجعة بعد أن دخلت مرحلة أخرى بعد أن قذفته الحياة الى سوق العمل باكرا، حيث انتهت مرحلة اللهو بالفخ والسنارة والكرة والأناشيد الوطنية والتمثيل المسرحي وكتبه، وبدأ العمل لدى شركة الزيت العربية الأمريكية “أرامكو” بشروطه وظروفه اللاإنسانية وحيث الاستغلال الطبقي الفظيع المؤدي الى تشكيل الطبقات ورموزه وأدواته مع بدء العمال العراقيين إضرابهم المشهور في رأس تنورة ثم يلحقه العام التالي “وبعد تهجير العمال العراقيين” إخوتهم في النضال الطبقي العمال السعوديون في الظهران وحيث المطالب والرموز العمالية تنتهي في قاع سجن العبيد الرهيب نتيجة لعفوية تلك الحركات الاحتجاجية وقلة خبرتها··
تدور الأيام لاحقا بين الزبير والبصرة وبغداد مرورا بالكويت بعد العمل المضني في راس مشعاب لدى شركة التابلاين مرورا بحفر الباطن وعرعر حتى الزهراني في طرابلس بلبنان·· وتدور ذكريات نوري الهواز في الزبير وجعفر الجزائري في البصرة وبين إيقاع الدرنبكة وصوت زهور حسين يصطخب الفكر بالوعي من خلال نشرة “القاعدة” وبذرة الجزائري الفكرية ومقولته الأثيرة: الأممية تتشرب بالكتاب والثقافة، ومع دخول مفردات جديدة مثل: التعايش السلمي والصراع الطبقي، الإمبريالية والاشتراكية، الكلخزة والسفخزة تبدأ المحطة الرئيسية والفاصلة في حياة الكاتب السياسية، بين إضراب عمال النفط ولجنته القيادية وتوقف إنتاج النفط وشل أرامكو الخمسينات ومطارحاته الفكرية وتأثير وجاذبية كلمات “بحر العلوم” حينما يصدح بقصيدته: أين حقي، حين يستفسر من عقله وهل يدرك عقله محنة الكون؟ الإصلاح أم التحرر من يسبق من؟ متنوعات الحياة تفرز متباينات الحركة حيث مراجعة النقل بالعقل·· وهم يحرثون تضاريس الوطن يغرسون السنديانة الحمراء وسنبلة القمح الذهبية برئة السرية وبكلمات نجيب سرور: نحن حبات البذار·· نحن إذ نحيا فمن أجل الربيع وإذا متنا فمن أجل الربيع ويروونه بماء الشفافية والعدل والمساواة في خيرات الوطن··
حينما شارف زيت سراج الشيخ يعقوب على الأفول بخيره وبركاته كان أبناؤه أحمد ويوسف في الطريق الى السجن العثماني سجن العبيد وكذلك الرهينة عبدالله مقابل كاتبنا اسحاق - الابن الرابع والأخير للشيخ - وبقيت مسألة العلاقة بين العلنية والسرية معلقة على إرادة الإنسان لحفظ حياة الإنسان وهنا تكمن قوة الإنسان·· وكانت بحرين نهاية الخمسينيات هي المحطة الأقرب والأسلم للعبور بسلام “الدبيكل” حتى التماهي··
حينما اقتحمت مريم منزل - وكيل إمارة المنطقة الشرقية - “العطيشان” وهي تصرخ “متحسبة” على الظلمة والظالمين، تذكرت والدتي سنة 72 وأنا في الصف الأول الإعدادي حينما أتت الى مدرستي “أبو بكر الصديق” الإعدادية لتأخذني كمرافق الى سجن القلعة لتستميت في الدفاع عن ابنها البكر المعتقل “أحمد” ولكي يتحول الحديث الى تحقيق عن اختفاء ابنها الثاني “يوسف” وسفره المفاجئ وهل ابنها الرابع والأخير - المرافق - سيكون من شاكلة إخوانه حسب ما وصلني من المترجم آنذاك؟ حينها همت والدتي بالنهوض ممسكة بيدي تقربني من جسدها وهي تصرخ “كمحتبسة” مريم على الظلمة والظالمين “حسبي الله ونعم الوكيل”··
الكتاب: إني أشم رائحة مريم
المؤلف: إسحاق الشيخ يعقوب
الناشر: دار قرطاس للنشر - الكويت 2002