بقلم عبد الهادي خلف *
في الثاني من يوليو، تسلم أمير قطر الشيخ، حمد بن خليفة آل ثاني، من لجنة تأسيسية شكلها بنفسه لوضع مشروع دستور دائم للإمارة، وثيقة المشروع·
هذه الوثيقة تقترح إصلاحات مثل إقامة مجلس تشريعي مؤلف من 45 عضواً منهم 30 منتخبون والبقية يعينهم الأمير، وإعطاء النساء حق التصويت والترشيح للمناصب العامة·
هذه الوثيقة التي تقع في 150 صفحة لم تنشر بعد، غير أن المعلومات المتوافرة تشير إلى أنها تتمتع بمظهرين شائعين في الدساتير العربية· الأول هو ضمان الحريات العامة، بما في ذلك الحق في التجمع وتأسيس الجمعيات وحرية التعبير والرأي والصحافة والنشر والحرية الدينية وغير ذلك، والثاني هو أن المشروع يترك للقانون طريقة ضبط ممارسة هذه الحريات، وهذا اشتراط يؤدي إلى الحرمان المنظم للحقوق الدستورية للمواطنين بوساطة الأنظمة غير الديمقراطية·
وقبل تحويل قطر إلى “إمارة دستورية”، ينبغي أن يصادق الأمير على الوثيقة وينشرها· وحتى الآن لم يتحدد أي موعد معين لهذا الحدث التاريخي الذي يُوْذِنُ بطور جديد من الإصلاح السياسي الذي بدأه الشيخ حمد في نوفمبر من عام 1998 عندما وعد بتحديث مؤسسات الدولة وتوفير دستور دائم وبرلمان منتخب لدولة قطر·
وقد بدا لبعض الوقت أن ذلك، يمشي على سكة صحيحة، ففي مارس من عام 1999، أجرت قطر أول انتخابات بلدية فكانت الدولة الأولى في مجلس التعاون الخليجي الذي يضم المملكة العربية السعودية والكويت وعمان والبحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تسمح للنساء بحق التصويت والترشيح للمناصب العامة· ولم تنتخب أي امرأة، لكن الخطوة كانت ضربة علاقات عامة· تلقى بفضلها الأمير تهنئة من مجلس النواب الأمريكي لـ “التزامه الانتخابات والديمقراطية”·
إذا كان تحرر النساء القطريات مقصورا على الانتخابات البلدية، فإنه كان حدثاً تاريخياً بالنسبة إلى محنة أخواتهن في المملكة العربية السعودية وبالنسبة إلى تحطيم البرلمان الكويتي المقتصر على الرجال اقتراحاً حكومياً بتوسيع الحقوق السياسية حتى تنالها النساء·
لماذا اختار الشيخ حمد الطريق الدستوري؟ الشيخ حمد لايواجه أي تحدٍّ خطير لسلطته، فقد كان الحكام القطريون المتعاقبون أكثر نجاحاً من نظرائهم في دول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع الاستياء الشعبي واستياء النخبة والمطالب الدورية لزعماء القبائل·
بعض المراقبين يعتقد أن الشيخ حمد اتبع هذه الإصلاحات حتى يُزعج حكام الخليج الآخرين خاصة في المملكة العربية السعودية والبحرين· لكنه ربما يكون مدفوعاً باهتمام حقيقي بالحكم الصالح، وبحكم القانون والمتطلبات الأخرى للدولة الحديثة·
ويشير آخرون إلى الدور الجديد لقطر باعتبارها قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية في المنطقة، ويؤكد هؤلاء أن الديمقراطية المحليّة المنشأ تفيد في استباق أي ضغوط شديدة لاتخاذ مثل هذه الإجراءات من واشنطن التي يمكن أن تتعرض بدورها للانتقادات لتراخيها مع الأنظمة التقليدية في مجلس التعاون الخليجي، وهذا يصبح عاملاً مهماً مع ارتفاع عدد الجنود الأمريكيين الذكور والإناث العاملين في قطر إلى ثلاثة آلاف إما نتيجة إعادة نشر قوات كانت موجودة في المملكة العربية السعودية، أو بسبب الاستعداد لشن حملة عسكرية على العراق· أما تقديري الشخصي، فهو أن للشيخ حمد سبباً إضافيا واحداً على الأقل للجوء إلى الإصلاحات السياسية، أن ذلك استراتيجية استباقية ناشطة ترمي إلى المحافظة على نظامه وضمان استقراره، فإدراكاً منه لتاريخ عائلته المعروف بانقلابات القصور ينبغي على الشيخ حمد أن يبقى يقظاً لما يدور في فنائه الخلفي، والتهديدات الجدية لنظامه لا تأتي من العراق، إيران، أو حتى من البحرين خصم قطر التقليدي إنما من داخل قصور الأسرة في الدوحة، إن إصلاحات الأمير تؤدي الدور المزدوج في تثبيط عزيمة الانقلابيين المحتملين وتسفيههم·
وحتى بمعايير مجلس التعاون الخليجي، ليست قطر سوى تكوين سياسي تشكل في الآونة الأخيرة، فقد أسس آل ثاني، حكمهم فيها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإذا كانوا أخضعوا بسرعة للوصاية العثمانية والحماية البريطانية، فإن حكمهم غالباً ما واجه تحديات من زعماء القبائل الذين يشجعهم الزعماء القبليون المنافسون في نجد والبحرين، لكن في حين صارت المناوشات والنزاعات المسلحة مع جيران قطر أحياناً حوادث دولية قليلة الأهمية، فقد كانت النزاعات الداخلية هي السبب الرئيسي والأكثر خطورة لتزعزع النظام،
فقد انتزع الشيخ حمد نفسه السلطة من أبيه في انقلاب قصر عام 1995، ثم حاول الوالد المخلوع مراراً أن ينظم انقلاباً مضاداً· وقد أدت أكبر المحاولات وهي وقعت عام 1996، إلى توقيف عشرات المتآمرين والمتعاطفين في داخل القوات المسلحة والعائلة الحاكمة، ويقال الآن إن الأمير السابق استسلم أخيراً·
لم يكن انقلاب عام 1995حادثاً غريباً، فقد انتزع كل حاكم لقطر منذ عام 1949، بمن في ذلك والد الشيخ حمد، السلطة بعد التنازل القسري لسلفه، وتقول السجلات التاريخية إن كل “انتقال للسلطة” “حدث بموافقة ودعم من الأسرة الحاكمة” و”الشعب القطري والقوات المسلحة”، وأياً تكن دوافع الشيخ حمد، لاتستطيع الإصلاحات المحدودة أن تدفع البلاد إلى الأمام بعيداً أو أن تحمي التاريخ الطويل للحكم السياسي المضطرب والإدارة السيّئة للموارد، ومثل نظيره البحريني، يعتبر الشيخ حمد عملية الإصلاح السياسي، امتيازاً أميرياً تتم ممارساته من خلال المكرمات أو الهبات الأميرية·
وقد تفادى كلا الحاكمين أن يعطي انطباعاً بأن إصلاحاته هي استجابة لمطالب شعبية أو نتيجة مشاورات مع ممثلي الشعب· بل إن الإصلاحات تؤكد أن الأمير هو وحده الذي يملك سلطة رسم هذا المسار وأطره ونطاق الليبرلة·
وبمعزل عن وجوب الخوف من محاولة انقلابية مقبلة، يتمتع الشيخ حمد بالأُبَّهَة المعروفة للزعماء التقليديين، ذلك أن سلطته التنفيذية والتشريعية غير محدودة، وإذا كان الشيخ حمد يتشاور أحياناً مع الشخصيات البارزة في العائلة الحاكمة، وأحياناً مع وجوه القبائل والتجار، فهو يمارس الحكم مباشرة من خلال حكومة معيّنة، وباعتباره حاكماً، يعين الشيخ حمد الحكومة وجهاز القضاء بمن في ذلك علماء الدين الكبار وجميع الموظفين المدنيين الكبار·
ويسيطر الشيخ حمد سيطرة تامة وشخصية على الدولة وجميع عائداتها، وهذه السيطرة التامة تمكن الحكام من أن يكونوا القنوات الرئيسية لتوزيع الثروة، وهكذا يحددون الدور السياسي، وكذلك الوضع الاجتماعي والاقتصادي لكل من أتباعهم، سواء كان زعيماً قبلياً أو تاجراً أو غير محدد الجنسية·
لكن عقوداً من سوء الحكم وسوء الإدارة والإخفاقات تركت ظلالاً قاتمة على دول الخليج، وينبغي على الزعماء المصلحين المفترضين أن يبدؤوا الإصلاح بالتصدي لأعظم إخفاقات أسلافهم، أي عجزهم عن بناء مؤسسات وطنية قادرة على البقاء، وغياب هذه المؤسسات هي في آن سبب ونتيجة لغياب نشر الديمقراطية، وللانتهاكات المزمنة لحقوق الإنسان للمواطنين وللمقيمين الأجانب على حد سواء، وللفساد المستشري، أما المؤسسات القائمة، مثل جهاز القضاء ووسائل الإعلام، والقوات المسلحة أو البنوك المركزية فقد تقلص دورها إلى مجرد أدوات في أيدي العائلات الحاكمة·
وبدلاً من تشجيع تطور الأنظمة الدستورية، فإن التغييرات السياسية المرتقبة في قطر، مثل ما يجري في البحرين، يمكن أن تنتهي في خاتمة المطاف إلى مجرد تحديث النظم الوراثية السائدة، مع المحافظة على الدولة وإدارتها ومواردها وقواتها العسكرية باعتبارها أدوات شخصية لرئيس الدولة وسلالته·
وللحصول على المصداقية والقدرة على البقاء، يحتاج الإصلاح السياسي الجاري في الخليج إلى التصدي لدور وامتيازات الأسر الحاكمة من خلال نظام ديمقراطي يكون أساسه الجوهري المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الأصل القبلي والعرقي أو الجنس أو الاعتقاد·
عبد الهادي خلف: أكاديمي بحريني يحاضر في علم اجتماع التنمية في جامعة لوند، السويد· وقد كتب هذا التعليق بالإنجليزية لصحيفة “دايلي ستار”·