خرائط اجتياح العراق تُرسم مرة بعد أخرى· والتقارير الإخبارية عن ضربة عسكرية مرجَّحة يوجهها جورج بوش إلى صدام حسين تتوارد يومياً· والرأي العام الأمريكي يوافق بشبه إجماع مع الرئيس على أن يرى في النظام العراقي شراً· وفي الواقع يعتقد كثيرون أن خطر صدام حسين أعظم من خطر أسامة بن لادن·
لكن الجهود الرامية إلى إطاحة صدام حسين تواجه في الواقع عقبات مهمة لدى الرأي العام الأمريكي، ولدِى الحلفاء المحتملين وراء البحار، وحتى في بعض دوائر العسكريين الأمريكيين· وفي استطلاعات رأي أخيرة كان الرأي العام الأمريكي أكثر ميلاً إلى التحفظ، وأكثر ابتعاداً عن منطق طبول الحرب للرئيس بوش عند سؤاله عما إذا يجب استعمال القوة العسكرية لإطاحة صدام·
في الواقع، تثبت استطلاعات الرأي أن على إدارة بوش أن تقدم حُجَّةً اكثر قوة مما لديها الآن حتى تعبئ الرأي العام كله وراء اجتياح عسكري للعراق· وفوق ذلك، يجب على بوش أن يقدم مزيدا من البراهين عن التهديدات الماثلة في صلة العراق بأسلحة التدمير الشامل وبالإرهاب، وأن يستعمل مثل هذا الدليل لبناء تحالف عسكري دولي·
في الجوهر، يحتاج بوش إلى إرساء أرضية عمل سياسية ودبلوماسية لحملة عسكرية على العراق، على نحو فعل والده في الأشهر الستة الأولى التي سبقت خوض حرب الخليج (الثانية) في عام 1991، كما يقول بعض المحللين·
في هذا الشأن، قال جيمس ثوربر وهو أستاذ في الجامعة الأمريكية في واشنطن هو (بوش) يصدر بيانات تهديد لصدام حسين لكن بالنسبة إلى المجتمع الدولي، لا يتمتع بمساندة أو بمكان لشن الاجتياح· وهو لا يتمتع بدعم قوي من الرأي العام”·
غير أن تعبئة الرأي العام هي مهمة في متناول البيت الأبيض· فقد أظهر استطلاع رأي أجراه معهد “غالوب” في 21 يونيو أن 59 في المئة من المجيبين يفضلون إرسال القوات الأمريكية إلى الخليج لإسقاط صدام·
لكن مزيداً من الأسئلة التفصيلية الموجهة إلى المستطلعين أظهرت وجود تحفظات، فقد قال أكثر بقليل من نصف هؤلاء إنهم يوافقون على العمل العسكري ضد العراق إذا فازت الولايات المتحدة بالمساندة الدولية· وهذه النسبة تنكمش وتصبح أقلية عند سيناريو مفاده أن تخوض الولايات المتحدة الحرب وحدها، وهذا خيار لا تستبعده الإدارة الأمريكية·
وقال أندرو كوهون، مدير مركز “بيو” للأبحاث: “الناس يريدون أن نكون بصحبة أصدقائنا عند التعامل مع أعراف العالم ويشعرون براحة أكبر عندما نفعل ذلك مع حلفائنا”·
إن تقوية مثل هذا الدعم في صفوف الحلفاء الأوروبيين سيكون ملازماً للأدلة الواضحة عن التجاوزات العراقية· فعلى سبيل المثال، أظهرت استطلاعات رأي أجريت في الولايات المتحدة، وبريطانيا، كما في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا أن أعظم معيار في نظر غالبية الناس لتبرير استعمال القوة العسكرية هو التأكد مما إذا كان العراق يعمل فعلاً على تطوير الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية· ويتساوى بالقدر نفسه من الأهمية، بالنسبة إلى الأمريكيين أكثر من الأوروبيين، هو إثبات أن بغداد ساعدت الإرهابيين في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن إستناداً إلى استطلاع أجراه مركز “بيو”·
ويقول كينيث كاتسمان، وهو خبير في الشؤون العراقية لدى مصلحة الأبحاث في الكونغرس: إن الحكومة الأمريكية تحتاج إلى إثبات حُجَّتها ضد صدام حسين· ويضيف “إذا لم يكن هناك خطر واضح وحقيقي من العراق، أعتقد أن الدعم الشعبي سيكون أضعف من أن ينفع”·
بلغة الاستراتيجية العسكرية، يفكر بوش في حرب يلزمها تعبئة نحو 250 ألف جندي يشاركون في هجمات مُنَسقَّة جوية وبحرية وبرية· غير أن الرأي العام يبقى بارداً تجاه إرسال القوات البرية الأمريكية بسبعة أصوات من أصل عشرة تفضل الاكتفاء بالضربات الجوية حسب استطلاع أجري في مارس·
وفي الواقع، يتساءل بعض الأمريكيين وحتى بعض أفراد القوات المسلحة عما إذا كان لدى واشنطن فعلاً خطة مدروسة جيداً، بما في ذلك غايات واضحة بالنسبة إلى مستقبل العراق·
وقال العقيد ديفيد ترتيلر، وهو خبير استراتيجي لدى الكلية الحربية القومية· “أعتقد أن هناك ممانعة قوية في كثير من الدوائر حتى أعلى مستويات الجيش الأمريكي بشأن الانقضاض على العراق”· وهو يعبَّر عن خوفه من أن لا يتلقى الجيش الأمريكي حرية كافية وموارد مناسبة لإطاحة النظام فيدفع كلفة عظيمة·
يؤكد العقيد ترتيلر وآخرون في الجيش الأمريكي أن الرؤية السياسية بالنسبة إلى العراق هي عنصر ضروري لابد منه لشن الحرب· ويقول روجر كارستنز عضو مجلس قضايا الأمن القومي الناشئة : “الآن هو وقت إعلان النهاية المرغوب فيها للنظام السياسي في العراق، قبل أن نفكر في الطريقة الفضلى لصياغة ما هو أساساً نتيجة سياسية”·
كل هذه التحفظات ترجحّ أن يؤجل بوش ما يحتمل أن يكون حملة عسكرية فوضوية ضد العراق إلى ما بعد الانتخابات العامة الأمريكية في نوفمبر المقبل حسب ما يرى فريد غرنيشتاين، وهو خبير في القضايا الرئاسية لدى جامعة برنستون في نيوجيرسي·
غير أن الرفض العراقي في الأشهر المقبلة للسماح بدخول مفتشي الأسلحة الدولية، يمكن أن يعزز قيام تحالف دولي لإطاحة صدام·
وبدلاً من ذلك، يمكن أن يحاول بوش أن يستعمل في البداية العمل السرَّي الأقل إثارة للجدل· ويقال إنه فوّض عملاء الاستخبارات المركزية ونخبة القوات الأمريكية استعمال القوة القاتلة لإطاحة صدام·
كريستيان ساينس مونيتور