رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 18-23 جمادى الأولى 1423هـ الموافق 27 يوليو 2 أغسطس 2002
العدد 1537

اللاواقعية الأمريكية في الشرق الأوسط!

بقلم روبرت مالي*

لوموند

جاء القرار قاسيا ومختزلا في آن: الولايات المتحدة لن تتدخل لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني ما بقي العنف وما بقي في مكانه الفريق الفلسطيني القيادي· وعرفات، الضيف المميز في البيت الأبيض في زمان مضى صار شخصا غير مرغوب فيه· والأفق السياسي هو موجود حتما لمن يبحث عنه حقا، لكنه ضبابي وغير نهائي· فهل ينبغي أن يحبس العالم كله أنفاسه بانتظار حديث الرئيس بوش الذي يعدنا أيضا بأنه ينبغي علينا الانتظار؟

لنتناول بسرعة الأسباب الكثيرة التي تدفع الى التشكك في فعالية الخطة المرسومة ملامحها في واشنطن· فمن دون تشجيع سياسي، ومن دون حل ذي مصداقية للنزاع، لن ينكفئ الفلسطينيون عن العنف· أما مطلب إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية - وهو شرعي بحد ذاته فهو مجرد جعجعة سخيفة في سياق احتلال متكرر كثيف للضفة الغربية· فمن أين جاءت إذن فكرة أن مأساوية وقساوة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني - الذي يمتد منذ 50 عاما، وهو مثقل بآلاف الضحايا، يعودان الى طبيعة السلطة الفلسطينية؟

أما بالنسبة الى الإيعاز (الأمريكي) المتصل بإخراج ياسر عرفات، فهو في آن في غير محله ومؤذ، فهل يعتقدون أن الفلسطينيين، أيا كانت آراؤهم في زعيمهم، يذعنون لهذا الإيعاز؟ وهل يعتقد أحدهم أن الخليفة المحتمل لياسر عرفات سيكون أكثر طواعية بقدر يتيح له تسويق التسوية المطلوبة؟

إن السؤال الذي يطرح الآن هو معرفة كيفية العمل بهذا الخطاب “الذي ألقاه بوش” أو كيفية العمل على الرغم منه· والجواب الآتي من أوروبا والعالم العربي يبدو بسيطا جدا: ينبغي العمل مع الخطاب· والكل يتحدث عن البراغماتية الضرورية حتى يؤكد أن المقاربة الأمريكية لن تتغير، وأنه ينبغي البحث إذن لا عن التصدي لها إنما عن تعديلها في الجوانب الهامشية·

الرئيس الأمريكي يطالب بإصلاحات؟ ليكن ذلك، هكذا يقال في أوروبا وفي بعض العواصم العربية، لكن ينبغي لتحقيق ذلك أن تساهم إسرائيل في خلق السياق الضروري وهذا يفترض تخفيف الظروف القائمة في الأراضي المحتلة، والانتقال الحر للأشخاص والمنتجات الطبية وانسحابا إسرائيليا من الأراضي المعاد احتلالها في الآونة الأخيرة، ودفع العائدات المتأخرة (الجمركية) المستحقة للسلطة الفلسطينية وتجميد الاستيطان· وحالما تجري الانتخابات الفلسطينية، وبغض النظر عن نتائجها، ينبغي أن تقوم دولة فلسطينية موقتة وتبدأ المفاوضات حول الوضع النهائي·

هذا برنامج واسع النطاق وبارع من جوانب عدة لكنه يتجنب للأسف جوهر الموضوع· ففي هذه الأيام، ليست مهمة الدبلوماسية الأمريكية هي تغيير هيئة الأشياء إما أن تخلق الأشياء· والأهداف التي أعلنها الرئيس بوش تكوين دولة فلسطينية: وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي - هي جديرة بالثناء لكن تعوزها الإرادة السياسية لتحقيقها· وفي الحقيقة، ليست غاية الخطة التي تقترحها واشنطن هي حل النزاع - وهذا ما يتطلب المجازفة سياسيا - أي استعمال القوة مع الفلسطينيين والإسرائيليين، إنما الغاية هي تنظيم الوقت وكسبه·

إن ما يساوي ذلك في الأهمية هو الاستفادة من الدينامية الأمريكية الداخلية ومن الصراع الذي يضع وزارة الخارجية في مواجهة كل من وزارة الدفاع ونائب الرئيس ديك تشيني، أي الصراع بين من يرون ضرورة الأخذ بالاعتبار الرأي العام الدولي، وبين من يرون إمكانية تخطيه· وقد كان من شأن ردة الفعل اللطيفة على خطاب الرئيس بوش، أيا كانت دوافعها، أن عززت موقف أنصار العمل الوحيد الجانب، وإبطال الحجة القائلة بأنه حتى القوة العظمى الوحيدة ينبغي أن تحترم وجهات نظر حلفائها·

إن الغائب الأكبر في الرؤية الأمريكية هو التالي: أنه بعد تقديم اتفاق سلام نهائي واضح ومفصل بشأن النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وخلق مجموعة اتصال دولية مكلفة أن تنفذه، وتفاصيل هذا الاتفاق لم تكن في أي يوم أوضح مما هي الآن وأوسع انتشارا مما هي الآن، ولم يكن المجتمع الدولي أقرب الى قبوله مما هو الآن، وحتى البلدان العربية نفسها تبدو مستعدة لتقديم تنازلات تتصل بحق العودة “للاجئين” أو بشأن وضعية القدس التي كانت تبدو من قبل غير قابلة للمناقشة· وبالنسبة للذين يشككون، يكفي قراءة تقرير مجموعة الأزمات الدولية International Crisis Group المنشور هذا الأسبوع (الماضي) والذي يقترح خطة لتسوية النزاع ذات تفاصيل وخرائط· وقد ذكر وزير الخارجية الفرنسي سابقا أوبير فيدرين في هذا الصدد بضرورة الحل “المفروض”، لكن ليست هناك حاجة للذهاب حتى ذلك، ويكفي أن تقدم الولايات المتحدة خطة سلام مدعومة بطريقة ملموسة من الاتحاد الأوروبي والبلدان العربية ومجلس الأمن الدولي، وأن يبدي هؤلاء الأطراف حماسة لإقناع الرأي العام في إسرائيل ولدى الفلسطينيين· وحتى لو ظهر أن ردة فعل هذا الطرف أو ذاك سلبية، فإن دينامية جديدة تظهر، فتعطي دفعة للإصلاحات الفلسطينية وتسهل وقف العنف· إن التعبئة الداخلية والإقليمية والدولية لمصلحة هذه الخطة تضعف أي اعتراض يأتي من هذا الطرف أو ذاك أو تفتح الطريق لتغيير الطاقمين القياديين الموجودين حاليا·

واليوم، يتحتم على الاتحاد الأوروبي، وغالبا على اللجنة الثلاثية العربية “المؤلفة من المملكة العربية السعودية ومصر والأردن” أن تقدم معا وبصوت واحد أن تقدم رؤية مختلفة، وأن تكلف نفسها بإقناع واشنطن· ولهذه الغاية، ينبغي أن تعبر بصراحة عن الشكوك التي تراودها سرا بالنسبة الى المقاربة الأمريكية وأن تعمل بدءا من اليوم على وضع خطة سلام وأن تجعلها قابلة للتنفيذ أي الحصول على دعم الرأي العام العربي والأوروبي، بما في ذلك قبول التسويات الأصعب، ووعد أوروبي بالمساهمة في قوة سلام عسكرية تقودها الولايات المتحدة والتطبيع الكامل للعلاقات بين العالم العربي وإسرائيل·

يبدو العرب والأوروبيون كمن يردد بصوت واحد “لنكن براغماتيين” لأنهم يبدون مقتنعين بأن الاشتراك في اللعبة يقتضي اتباع قواعدها· ويظهر أنهم مخطئون كثيرا في سوء تقدير نفوذهم فمن أجل تحقيق أهدافها في الأمن “لإسرائيل” والإصلاح تحتاج الولايات المتحدة الى حلفائها بقدر ما تهدم الإدارة الأمريكية كل يوم الجسور بينها وبين السلطة الفلسطينية·

ثم إن مرحلة المحكمة الجنائية الدولية تظهر أن هذه الإدارة الأمريكية ليست في مأمن من الضغوط والإقناع·

ونحن نردد دائما: البراغماتية لكن أي براغماتية في مساندة سياسة يقتنع الجميع في العمق بأنها غير واقعية على الإطلاق!·

·        المستشار الخاص للرئيس بيل كلينتون في الشؤون العربية - الإسرائيلية· حاليا، مدير برنامج الشرق الأوسط لدى مجموعة الأزمات الدولية·

طباعة  

جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي
 
اجتياح العراق: كيف ومتى؟