· محمود أمين العالم: ثورة يوليو امتداد لانتفاضات الأربعينيات السياسية والاجتماعية والثقافية
· ثروت عكاشة: ندمت على ترددي في قبول وزارة الثقافة
· محمد الجندي: ازدهر النشر في ظل "يوليو"
· بهاء طاهر: ماذا لو عينت الثورة طه حسين وزيرا للثقافة؟
كتب المحرر الثقافي:
استعرضت مجلة “أدب ونقد” في عددها الأخير (203 - شهر يوليو) آراء مجموعة من مثقفي مصر، بمناسبة مرور 50 عاما على ثورة يوليو، وتم اختيار تلك الأسماء الثقافية المهمة، ممن عايشوا الثورة في بداياتها عن قرب، أو شاركوا في بعض إنجازاتها في المجالات الثقافية، والتي كان يوليها رجال الثورة أهمية كبيرة، محاولين تحقيق أهداف حركة الثورة على المستوى الشعبي بربطها بالحركة الثقافية ورموزها في ذلك الوقت·
وكما جاء في العدد، فقد كلف الناقد رجاء النقاش باختيار فصل من كتاب “مذكراتي في السياسة والثقافة” للدكتور ثروت عكاشة كأهم رمز ثقافي، قامت علي يده أغلب المؤسسات والهيئات الثقافية في مصر، والتي ما زالت تواصل عملها الثقافي، ويكتب النقاش مقدمة لاختياره بعنوان “هذا الفصل وهذا الكتاب وهذا الرجل” مستعرضا دور عكاشة في تأسيس العمل الثقافي في مصر، حينما شغل أعلى سلطة ثقافية في عهد جمال عبدالناصر، كوزير للثقافة·
عكاشة وزيرا للثقافة
ويختار النقاش فصلا يروي فيه د· ثروت عكاشة ذكرياته عام 1958 حينما اختاره عبدالناصر وزيرا للثقافة، وتردده في قبول المنصب، خوفا من الدخول في متاهات السياسة العملية، التي كان ينفر من أجوائها الخانقة، ويختتم عكاشة حديثه بعد تردده ومناقشة عبدالناصر عن زهده في الوزارة: دخلت مكتبي راضيا بما قدر لي وقد انحسم الصراع الذي مزق نفسي أياما ثلاثة، وأخذت أوطد العزم على العمل رغم معرفتي بما قد يجابهني من عقبات، ورفعت سماعة التليفون لأبلغ الرئيس جمال أنني أحدثه من مكتبي بقصر عابدين، وأحسست بدفقة الحماسة في صوته وهو يطمئنني قائلا: تأكد أنني سأوليك كل الدعم والرعاية، فإني واثق أنك سوف تستطيع أن تشكل رباطا وثيقا بين حركة المثقفين وحركة الثورة لتخلق منهما وحدة فعالة فنحن في حاجة الى تعاون كل المفكرين المستنيرين في إحداث التنمية الاجتماعية المنشودة·
واستمهلت الرئيس شهرين أو ثلاثة أقوم خلالها بدراسة مبدئية لأوضاع الوزارة وتفرعاتها حتى أضع تصوري الخاص للانطلاق الثقافي وأحدد الخطة التي يمكن أن تحقق هذا الهدف لأعرضها عليه بعد اكتمالها· فقال لي مشجعا: تلك هي البداية السليمة· فخذ الوقت الكافي للدراسة والتأمل قبل أن تصبح تصوراتك قرارات توضع موضع التنفيذ· وبدأت أغرق نفسي في العمل ليل نهار، وكأنما مرت يد سحرية على ذاكرتي فمحت منها مخاوفي السابقة وترددي الذي صرت أندم على أنه حدث لي في فترة كانت تمثل نقطة تحول بين عملين كلاهما له مسؤولياته الكبرى·
الثورة والتغيير الجذري في بنية المجتمع
ويشارك المفكر محمود أمين العالم في مقال “ثورة يوليو·· ثقافيا” ليبين في أكثر من موضع علاقة الثقافة بثورة يوليو ورجالها، مؤكدا على أنها كانت نتيجة طبيعية لانتفاضات سبقتها في الأربعينيات: “في تقديري أن ما حدث من تغيير في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية للمجتمع المصري بين 23 يوليو 1952 و28 سبتمبر 1970، لم يكن مجرد انقلاب عسكري لجهاز من أجهزة الدولة المصرية آنذاك دعما لهذه الدولة لما كانت تعانيه من أزمة حكم، بل كان تغييرا جذريا في بنية هذا المجتمع عن المرحلة السابقة على هذا التاريخ، ولهذا كانت الثقافة بعدا أساسيا من أبعاد هذا التغيير وليست مجرد جهاز من أجهزة السلطة الجديدة··· على أن ثورة يوليو كانت في تقديري امتدادا مباشرا كذلك لانتفاضات الأربعينات السياسية والاجتماعية والثقافية في القرن الماضي· لقد كانت هذه الانتفاضات بصداماتها مع الاحتلال البريطاني ومناوءتها للسلطة الملكية، وتفجراتها الشعبية ضد كبار ملاك الأراضي، مؤهلة لتولي السلطة السياسية· إلا أن قياداتها الوطنية واليسارية والدينية عجزت عن أن تحقق مدنيا وسياسيا جبهة موحدة فيما بينها··· إن الطابع العسكري لثورة يوليو لم يكن يقلل من القيمة الثورية الموضوعية لما تم، إلا أنه - مع ذلك - كان عاملا من عوامل الالتباس والتناقض والاختلاف والصدام بين قيادة الثورة والكثير من القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية في مراحل مختلفة من تاريخ الثورة·
وبعد تأكيد محمود أمين العالم على إنجازات الثورة، يتوقف عند نقاط ثلاث، يرى أنها كانت تحتاج للتقييم الدقيق والمراجعة: “استطاعت ثورة يوليو أن تسهم في تحقيق تغيير جذري في البنية الاجتماعية والتوجه الاقتصادي والتفتح العقلاني والتوجه القومي العربي والتحالف بين قوى البلاد النامية أو العالم الثالث· إلا أن هذه المنجزات كانت في أمس الحاجة الى المواصلة والتعميق والحسم وبخاصة في مجالات ثلاثة:
أولا: مجال التعجيل بالتنمية الذاتية الشاملة على أساس من التخطيط العلمي الدقيق وعدم التراخي عنها·
وثانيا: مجال تعميق المشاركة الشعبية الديمقراطية وإطلاق حرية الفكر والنقد والتعبير فضلا عن حرية تكوين المنظمات والأحزاب والهيئات المدنية والسياسية·
وثالثا: مجال الوحدة القومية العربية على أساس من احترام الخصائص الذاتية لكل بلد عربي·
وعن تحول مسار الثورة بعد غياب عبدالناصر وبالتالي التأثير على الرؤية الثقافية يقول: ولعل اندلاع حرب الاستنزاف بعد أشهر قليلة من الهزيمة، كان تعبيرا ساطعا عن إمكانية تجاوز الهزيمة والانتقال بالثورة الى مرحلة أكثر عمقا وتفتحا واستفادة من خبرة الهزيمة نفسها· ولكن يموت القائد وتنتقل القيادة الى رؤية ثقافية نقيضة تسهم في استكمال الهزيمة!
المثقفون والثورة··
تأييد وتحفظ
وبمقال تحت عنوان “المثقفون وثورة يوليو 1952 من التأييد المطلق إلى التحفظ النسبي” يعود الكاتب السيد يس الى بدايات إرهاصات الثورة، وخلو الساحة السياسية في مصر في تلك الفترة من إيجاد بديل للنظام المتهاوي، ويذكر السيد يس نقاطا مهمة يقيم بها مسيرة الثورة: لعل أول نقطة ينبغي إثارتها هي أن فكرة الثورة على النظام القديم بالنسبة لجيل المثقفين من أمثالي كانت معلقة في الهواء تقريبا من عام 1946 حتى عام 1952، كان قد ظهر واضحا فشل الأحزاب السياسية المختلفة في حل المشكلة الوطنية وأعني بذلك إجلاء المحتل الإنجليزي من البلاد من خلال المفاوضات·
تصاعدت موجات النقد الاجتماعي العنيف ضد النظام القديم وظهر ذلك واضحا في صحف المعارضة·
جاءت الثورة والتفت حولها جموع الشعب وتحفظ على مسيرتها الإخوان المسلمون من ناحية والشيوعيون من ناحية أخرى، بالإضافة الى الوفديين وأنصار أحزاب الأقلية الأخرى·
مع زيادة شعبية جمال عبدالناصر تبلور عقد اجتماعي غير مكتوب بينه وبين الشعب مفاده أن الثورة ستحقق للناس العدالة الاجتماعية من خلال برامجها الشاملة في التنمية بشرط ألا يعمل الناس بالسياسة بمفهومها الذي كان سائدا قبل 1952، كانت الأحزاب السياسية قد ألغيت عام 1953، وأنشأت الثورة تنظيماتها الخاصة التي بدأت بهيئة التحرير ثم الاتحاد التقدمي وأخيرا الاتحاد الاشتراكي· والتي لم تكن في الواقع سوى تعبئة للجماهير بغير أفق سياسي واضح·
مع مرور الوقت تبين لعدد كبير من المثقفين المصريين خطورة التسليم بنظرية الديمقراطية الاجتماعية والتنازل عن الحريات السياسية· وتناثرت في المجتمع قصص التعذيب التي دارت في السجون والمعتقلات للإخوان المسلمين وللشيوعيين وبدأت تظهر بوضوح الآثار السلبية لقمع الحريات، حرية التعبير وحرية التفكير وحرية التنظيم وحرية الصحافة·
في بداية الستينيات ظهرت بوادر طغيان “المؤسسة العسكرية” برئاسة المشير عبدالحكيم عامر، وسيطرتها على القيادة السياسية برئاسة جمال عبدالناصر، ويعد عام 1964 حاسما بعد انقلاب المؤسسة العسكرية على القيادة السياسية وسيطرتها الكاملة·
في هذه السنوات العجاف تبلورت ملامح “دولة بوليسية” في مصر، حيث سيطرت أجهزة المخابرات والمباحث على مقاليد الأمور، وضاقت الدائرة على المثقفين حتى بالنسبة لأنصار الثورة المخلصين وتعددت حالات الاعتقالات التعسفية، وساد جو من الإرهاب·
أحس فريق من المثقفين المصريين ببوادر انهيار تجربة الثورة على الصعيد الاجتماعي وعلى الصعيد السياسي على السواء·
ولكن يمكن القول إن عام 1967 بالمعنى التاريخي للكلمة هو الذي يحدد نهاية المشروع الناصري، الذي شهد كثيرا من النجاحات في ميادين متعددة غير أنه أيضا شهد الخطير من الإخفاقات، وأخطرها على الإطلاق هزيمة يونيو 1967، والتي أثبتت أن المعادلة السياسية ذاتها التي قامت على أساسها الثورة كانت معيبة حقا·
ولعل جيل المثقفين المصريين الذين عاصر النظام القديم وعايش عصر النظام الثوري يدرك تماما الخطأ الجسيم الذي وقع فيه حين قايض العدالة الاجتماعية بالحرية السياسية·
ازدهار النشر
ويشير الكاتب محمد الجندي في مقال بعنوان “ازدهر النشر في ظل يوليو” الى تنامي حركة النشر بعد الثورة: شجعت حكومة الثورة في أغلب فتراتها النشاط الثقافي واهتمت بالمثقفين الذين ساندوا التوجه الوطني وثورة يوليو خصوصا بعد تأميم قناة السويس والغزو الثلاثي ومواجهة المؤامرات الاستعمارية التي تزعمتها أمريكا·
وقد شهدت ثورة يوليو عددا من المثقفين الكبار مثل عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح جاهين وحسن فؤاد وصلاح حافظ وغيرهم الذين برزوا في ظل ثورة يوليو·
لست عدوا
ولا نصيرا أعمى
أما الروائي بهاء طاهر فيثير تساؤلات ثقافية عدة، مستذكرا تلك الأجواء التي استبعد فيها أهم مثقفي مصر، وبروز آخرين مزورين للحركة الثقافية، بالغت أقلامهم في تخوين المخالفين لهم في الرأي، في سبيل كسب ود السلطة العسكرية، ورجال الثورة بادئا بافتراض توزير طه حسين: أنا أتخيل أحيانا ما كان يمكن أن يحدث لمصر لو أن الثورة عينت طه حسين وزيرا للتعليم في سنة 1952 ليتمكن من تنفيذ البرنامج الذي وضعه في كتاب “مستقبل الثقافة” لخرجنا بخير أكيد وعميم طالما أن طه حسين في أثناء فترة وزارته القصيرة العهد كوزير للمعارف في وزارة الوفد الأخيرة عام 1950 تمكن من أن يعمم مجانية التعليم قبل الجامعي وبفضله أتيح لمعظم أبناء جيلي أن يكملوا تعليمهم حتى التخرج في الجامعة·
على أن الثورة كما نعلم لم تؤذ طه حسين في شخصه ولم تقصف قلمه· على العكس، لقد بالغت في تكريمه· كان على ما أذكر رئيسا (شرفيا) للمجلس الأعلى للآداب والفنون، ورئيس تحرير (شرفيا) للمجلس والذي كان يخطط وينفذ فهو واحد من الضباط، وكان هناك ضابط نظير له في الصحيفة اليومية!
ثم كان مصير طه حسين العظيم نمطا كررته الثورة بعد ذلك في تعاملها مع المثقفين كان المطلوب من المثقف أن يظل “شرفيا” أي أن يترك ضباط الثورة في حالهم فيتركوه في حاله·· المهم هو أن يبقى داخل الدور المرسوم له·
كان مسموحا له أن يثرثر بقلمه في أمور لا تضر ولا تنفع، بل وأن يتجاسر في بعض الأحيان فينقد بعض العيوب الاجتماعية أو أن يقول على استحياء: إن السلطان يجب أن يرجع الى الرعية، وإنما كمبدأ عام دون أن يحدد هوية السلطان أو مكان الرعية، فإما إن تجاوز العموميات الى الجوهر لكي يقول مثلا: إن هناك خللا في بناء الدولة المصرية أو لكي ينتقد أسس سياسة هذه الدولة أو يقترح بديلا لها فهنا تظهر العصا بدلا من الجزرة بل وفي معظم الأحيان هناك العصا دون الجزرة!
ثم يقول بهاء طاهر في تقييمه لعلاقة الثورة الناصرية بالحركة الثقافية: أنا أولا لست من أعداء الثورة الناصرية ولكني أيضا لست نصيرا أعمى لهذه الثورة لقد عشتها بكل تفاصيلها·· وعندي أن الثورة استطاعت في بدايتها أن تحقق الكثير من الأحلام أي الاستقلال الوطني، وبعضا من العدالة الاجتماعية ولا سيما في الريف الذي لم يكن أحد ليعنى به من قبل، ومجانية التعليم الجامعي، وزيادة معدلات الرعاية الصحية والتعليم العام للفقراء وكل ذلك حسن· ولكن تعامل الثورة مع الثقافة ومع المثقفين·· هو في رأيي الذي أدى الى انتكاس كل تلك المكتسبات التي حققتها في البداية·
ويضيف: لم أسمع أن الحكام أخذوا بأي رأي جاد تقدم به المثقفون، بل ظل المثقف المثالي في عهد الثورة هو المثقف الموظف لا المثقف المفكر·
ثم ينتقل الى عصر السادات وعلاقته بالمثقفين: وازداد الأمر سوءا خلال فترة حكم السادات الذي جعل من معاداة الثقافة الحقيقية سياسة ثابتة له فقد كان منذ بداية حكمه يكن للمثقفين الضغينة ويرميهم بجملة من الأوصاف الرقيقة تبدأ بأنهم “مجموعة من الأفندية الحاقدين” وتنتهي بأنهم “شيوعيون وملحدون”· وبدأ حكمه بأن أغلق كل المجلات الثقافية والمسارح الجادة وردا على رسالة بعث بها إليه مجموعة من المثقفين تطالبه بتحديد أسلوب واضح لإزالة آثار العدوان الإسرائيلي قام بجرة قلم بفصلهم جميعا من وظائفهم في الدور الصحفية وكان من جملة المفصولين توفيق الحكيم ونجيب محفوظ!