كتب محرر الشؤون العربية:
تصادف يوم الثلاثاء المقبل الذكرى الخمسون لثورة23 يوليو التي قادها الضباط الأحرار ليخلصوا الشعب المصري من براثن الاستعمار البريطاني وطغيان الملكية والمنتفعين منها· لذلك احتضن الشعب المصري الثورة ودافع عنها· ولم تقف آثار الثورة عند الحدود الجغرافية لمصر فقد امتدت لتشمل الشعب العربي من محيطه إلى الخليج بثت فيه روحاً جديدة وأملا في حياة أفضل· فتردد فيها شعار "ارفع رأسك أخي العربي فقد ولى عهد الاستعمار" في كل بيت ومنتدى ولقاء وأصبحت "صوت العرب من القاهرة" المحطة الإذاعية شبه الوحيدة التي تتردد فيها أصداء خطابات الزعيم جمال عبدالناصر وأغاني الثورة لأم كلثوم وعبدالحليم بشكل بدا وكأن الصوت متصل على امتداد الوطن· لقد أتت الثورة نتيجة لنضج الظروف الذاتية والموضوعية في المجتمع المصري بالإضافة إلى ما آلت إليه الأوضاع في الوطن العربي بعد تقسيم فلسطين وهزيمة النكبة العام 1948 التي كشفت كم كانت الأنظمة العربية آنذاك مرتبطة بقوى الاستعمار· فقد أرسلت الجيوش العربية لتقاتل جيشا من المرتزقة والإرهابيين اليهود الذين جمعوا من أطراف العالم ليبنوا لهم وطناً على أرض الآخرين، ومع ذلك هزمت الجيوش العربية بعد موافقتها على الهدنة بعد أن كانت على مشارف تل أبيب· الشارع العربي عاش حالة من الإحباط واليأس بعد النكبة فأتت ثورة يوليو لتنعش آماله بحياة كريمة مستقلة·
ضباط ثورة يوليو كانوا من عامة الشعب المصري ومن الطبقات المتوسطة والفقيرة لهذا كانوا أكثر قرباً إلى الناس· كما كان معظمهم من صغار السن نسبياً متشبعين بالأفكار الثورية والتحررية ومستفيدين من الانضباط العسكري مشفوعاً بالسرية والكتمان، الأمر الذي أدى إلى نجاح تنظيمهم على الرغم من تحرك الحكم لضرب التنظيم قبيل الثورة· تمكنت الثورة من إنجاز جملة من التغيرات الجذرية التي استمر نفعها حتى يومنا هذا، فقد باشرت قيادة ثورة يوليو بالإصلاح الزراعي والقضاء على الإقطاع وفتحت المدارس والجامعات مجاناً لعامة الشعب، وغيرها من الإنجازات الوطنية المهمة وصولاً إلى تأميم قناة السويس عام 1956·
هذا وكانت شعارات وأفكار الثورة وخطب زعيمها عبدالناصر قد تحولت إلى زاد يومي للشباب العربي الثائر في كل مكان لدرجة أقلقت كثيراً من الأنظمة غير الشعبية التي وجدت ولاء شعوبها للثورة وقائدها أكثر منه للحكام المحليين· كما أنعشت ثورة يوليو فكرة الوحدة العربية التي كانت مطلباً جماهيرياً عربياً يمثل غاية معظم الأحزاب والحركات الثورية في تلك المرحلة· كما استطاعت الثورة تأكيد الدور المصري المركزي في الساحة العربية وتحديداً في قضية العرب الأولى التي أصبحت قضية مصر وشعبها وثورتها، ولا تزال بعد كل التشويه المقصود ومحاولات جر الشعب المصري للانكفاء على ذاته، لا تزال القضية الفلسطينية تشكل الهم الأساسي للشعب المصري حتى يومنا هذا·
إلا أن الثورة بقدر ما جمعت من أنصار ومريدين بقدر ما أثارت حفيظة طبقات اجتماعية خسرت مواقعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في داخل مصر وأنظمة حكم وجدت في الثورة تهديداً كبيراً لبقائها وكذلك قوى كبرى رأت في الثورة عامل اضطراب إقليمي ودولي كبير· تكالبت هذه القوى الداخلية والخارجية على ثورة يوليو رامية إلى القضاء عليها بأي شكل وثمن كان أبرزها العدوان الثلاثي عام 1956·
واستمر صراع الثورة مع خصومها في الداخل والخارج واستمرت في مشروع التغيير والتحضير لمعركة مقبلة مع العدو الصهيوني لتحرير فلسطين واستعادة الأرض العربية والكرامة التي انتهكت في هزيمة 1948 ولم تمض الأمور كما تمنى قائد الثورة ومعه الشعب العربي الذي افتتن بشعارات الثورة وأغانيها ليفاجأ الجميع بعد أيام من بداية حرب حزيران يونيو1967 أن قيادة الجيش المصري كانت غارقة في الملذات وأن ما بنته من جيش لم يتمكن من الصمود ساعات قليلة أمام الجيش الصهيوني· وهنا صعق الشعب العربي بأكمله فقد توقع من ثورة يوليو وجيشها أن تغسل عار النكبة وإذا به يضيف عاراً آخر ونكسة غاصت في أعماق الإنسان العربي لم يتخلص من بقاياها من عاشوا تلك الفترة وأيام المعركة التي خسرت قبل أن تبدأ·
آثار النكسة، كما آثار الثورة، لم تقف عن حدود مصر بل انعكست بما يشبه انهيار أحجار الدومينو واحدة بعد الأخرى على الثورة الفلسطينية وحركة القوميين العرب اللتين عانتا الكثير من الانشقاقات والتشرذم بل وأدت إلى انكفاء قطاع كبير من الشعب العربي على نفسه بعيداً عن السياسة خالقة أرضاً خصبة لتيارات التخلف الديني التي انتعشت وترعرعت على ضرب الثورة وأفكارها·
وهكذا قدم زعيم الأمة عبدالناصر استقالته متحملا المسؤولية أمام الشعب العربي الذي خرج إلى الشوارع مطالباً عبدالناصر بالعدول عن استقالته وتصحيح أخطاء الثورة وإعادة بناء الجيش المصري من أجل المواجهة التالية مع العدو الصهيوني· هنا بدأت ثورة أخرى داخل ثورة يوليو بعد أن أفاقت قيادتها على كثير من سلبياتها التي كانت مختفية وراء بعض الرموز الفاسدين وبعض ذوي النوايا الطيبة ممن كانت المسؤولية أكبر من قدراتهم ونواياهم· أعيد بناء الجيش المصري على قواعد جديدة وقيادات جديدة وروح جديدة كما أعيد بناء المؤسسة السياسية المصرية بشكل مختلف· لكن الزمن لم يمهل عبدالناصر ليرى نتائج ما أعاد بناءه فقد توقف قلبه في العام1970 وتوقف معه زخم الثورة واتجاهها·
ماحدث بعد وفاة عبدالناصر ثورة أخرى على ثورة يوليو ومن داخلها وبأيدي بعض أبنائها· فقد قامت القيادة الجديدة بتصفية كل ما كان يمت إلى الثورة بصلة من قيادات سياسية وعسكرية ومن توجه اقتصادي وصولاً إلى حرب أكتوبر1973 التي تميز فيها أداء الجيش المصري الذي أعاد بناءه عبدالناصر واستعاد الجزء الأكبر من سيناء وقناة السويس وعبر خط بارليف الذي كان بمثابة أسطورة عسكرية· ثم أخذت القيادة المصرية منحى مختلفا تمثل في توقيع اتفاقيات كامب ديفد ومشوار "السلام" مع العدو الصهيوني·
بعض المحللين يرى أن الثورة انتهت بوفاة عبدالناصر وآخرون يرون آثار الثورة ماثلة بشكل أو بآخر حتى الآن· كما كتب في الثورة وعنها الكثير من ذلك الحين ولن تتوقف كتابات المحللين بين مؤيدين لا يرون فيها أخطاء ومؤيدين يرون ضرورة نقد الثورة لمعرفة مواطن الخلل والأخطاء، وناقدين لا يرون فيها إلا السلب وتراكم الأخطاء· بل إن هناك من يكتب هذه الأيام ممجداً أيام الملكية بوصفها "ليبرالية" أكثر من الثورة وما تلاها· وكثير من هؤلاء يقرؤون التاريخ على طريقة "ولا تقربوا الصلاة"·
إن الناقد الحريص على إعطاء الثورة حقها مع تبيان مواطن القصور والخلل فيها، إنما يعبر عن إخلاصه لأفكارها الجميلة وربما عن إحباطه في ما آل إليه مصير ثورة يوليو اليوم· فهل كان تأجيل الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وبناء مؤسسات المجتمع المدني الحر قراراً صائباً تحت مبرر "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"؟ وهل كان ممكنا لأي دولة أو شعب أن ينتصر في حرب عسكرية دون أن يسند تلك المعركة اقتصاد قوي ومؤسسات سياسية واجتماعية معبرة عن آراء الناس وتطلعاتها وانتقاداتها للمسيرة السياسية؟ المرء يتساءل وبشكل افتراضي، بعد أن أصبح الأمر تاريخاً، ماذا لو أن الثورة لم تهمل الديمقراطية والحريات، هل كنا سنحتفل بمرور خمسين عاماً على تاريخها فقط؟