بعد الآمال التي أحياها مجلس القبائل التقليدي (لويا جيرغا) بإعادة انتخابه حميد قرضاي زعيما لأفغانستان، جاء مقتل “نائبه” حاجي عبدالقدير في وضح النهار في قلب كابول بمثابة ضربة مؤلمة· فقد كان هناك شعور عام بأن البلاد بدأت تتعود ببطء عادات مجتمع منظم متحضر· غير أن قتل عبدالقدير، حين كان يغادر مكتبه، وعلى الرغم من وجود عشرة حراس شخصيين على الأقل “أوقفوا فورا للاشتباه في تواطؤهم” كان تذكيرا مؤلما بأن الطريق التي ستقطعها أفغانستان طويلة·
والأسوأ، أن الاغتيال جاء بعد أقل من أسبوع على قتل سلاح الجو الأمريكي بطريق الخطأ نحو 46 مدنيا فأحدث رجفة في الحكومة الجديدة وأحيا المخاوف من أن الحلفاء قد يخسرون معركة القلوب والعقول في أفغانستان، ناهيك عن العالم الإسلامي عموما·
ما تزال هناك نظريات عدة تدور حول دوافع قتلة عبدالقدير· ففي اجتماع انعقد الإثنين، قررت الحكومة أن تطلب من قوة المساندة الأمنية الدولية “إيساف” أن تجري تحقيقا مستقلا· فقد كان عبدالقدير العضو الثاني في الحكومة “باعتباره وزير الأشغال أيضا” الذي يلقى حتفه قتلا· ففي الربيع الماضي، اغتيل وزير الطيران، عبدالرحمن، في مطار كابول، ولم تتضح تفاصيل هذا الاغتيال بعد·
هل كان قتل عبدالقدير هجوما غير مباشر على حكومة قرضاي الجديدة؟ ففي الأسابيع القليلة التي أعقبت إعادة انتخابه، تعرض قرضاي لانتقادات قوية من التكتلات القبلية المخاصمة ومن العلماء المسلمين المحافظين الذين شعروا أنه يتبنى الليبرالية بسرعة· ويعتقد كبار ضباط الشرطة أن هناك مؤامرة وراء اغتيال عبدالقدير لأن حراسه لم يفعلوا شيئا مهما لاعتراض الهجوم· ويعتقد ضباط كبار في قوة المساندة الأمنية الدولية، المحصور نشاطها في كابول، أن الاغتيال كان هجوما “فرديا” يرمي الى زعزعة الحكومة· غير أن قائمة الذين يحتمل أن يفعلوا ذلك، أو الحاقدين على عبدالقدير، طويلة·
بعضهم يرتاب في بقايا حركة “طالبان” وتنظيم “القاعدة” الإرهابي المسؤول عن الهجمات الإرهابية على نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر الماضي، على الرغم من أن دبلوماسيين غربيين يقللون من شأن هذه الفرضية· وقد اعتقلت حركة “طالبان” الحاج عبدالحق شقيق عبدالقدير وشنقته قبل بضعة أسابيع من هزيمة النظام الإسلامي المتطرف العام الماضي· وكان عبدالحق عاد من المنفى ليقاتل مع التحالف الشمالي والحلفاء الأمريكيين·
البعض الآخر يشتبه في زعيم المجاهدين سابقا قلب الدين حكمتيار الذي كان هدفا لمحاولة اغتيال فاشلة نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الآونة الأخيرة· والبعض الآخر أيضا يشتبه في أن عبدالقدير كان هدفا لصراع على السلطة داخل التحالف الشمالي· فولاية نانغرهار، التي كان يحكمها عبدالقدير في أواسط تسعينات القرن العشرين، هي واحدة من أكثر المناطق الأفغانية لزراعة الأفيون، وقد أجبر أحد خصومه في الصراع على السلطة هناك، حاجي زمان، على الفرار الى بيشاور في باكستان المجاورة قبل شهرين بعد هزيمته في الصراع على السلطة بأيدي حاجي عبدالقدير وحضرت علي القائد العسكري في نانغرهار·
بمعزل عن دوافع قتلة عبدالقدير، فإن قتله هو آخر ما يمكن أن يدفع مسيرة المصالحة الى الأمام في أفغانستان· فحكومة قرضاي كانت تحاول أصلا احتواء الغضب والاستياء الناتجين من غارة بالطائرات الحربية استمرت نحو ساعتين نفذتها القوات الأمريكية وقتلت 46 أفغانيا·
أما التقارير المتضاربة عن الحادثة فلم تساعد في تسوية المشكلة· ويقدر الأفغان أن عدد القتلى يراوح بين 40 و47 شخصا وعدد الجرحى بين مئة و130، لكن المصادر الأمريكية لم تؤكد نهائيا أن 46 شخصا لقوا حتفهم قبل أيام·
فقد قالوا في البداية إنهم لم يجدوا غير أربعة جرحى نقلوا الى مستشفى عسكري أمريكي قرب قندهار· ثم ناقض الأمريكيون روايتهم الأولى عن كيفية حصول الحادث واستبعدوا أي إمكانية لسقوط قنبلة طائشة·
فوق ذلك، لا تتفق النسخة الأمريكية الأخيرة لكيفية حصول الحادث مع الروايات الميدانية· فقد قال الأمريكيون إن دوريات أرضية حددت القرى المهاجمة باعتبارها مواقع لبطاريات مدفعية مضادة للطائرات، ونادوا الطائرات الأمريكية لتدميرها· وأضاف أن طائرة أمريكية تعرضت لنيران مضادة من القرى ويشتبه البعض في أن الطيارين ربما اختلطت عليهم أصوات نيران الرشاشات في عرس· غير أن الطيارين يقولون إن النيران التي رأوا تتطابق من حيث غزارتها المتصلة مع نيران المدافع المضادة لا مع النيران المتقطعة في عرس· وفوق ذلك، هاجمت الطائرات ستة مواقع منفصلة يعتقد الطيارون أن النيران المضادة انطلقت منها· وولاية أوروزغان حيث وقع الحادث، هي منطقة زعيم طالبان الهارب الملا محمد عمر، وكثير من مؤيديه ما زالوا فيها· وهي أيضا منطقة حميد قرضاي·
بمعزل عن حقيقة ما حصل، أشار معظم السياسيين الكبار في أفغانستان الى أنهم لم يعودوا مستعدين لقبول مزيد من حوادث “النيران الصديقة” ويوم الجمعة قبل الماضي اتصل الرئيس جورج بوش هاتفيا بقرضاي حتى يقدم التعزية مثل المسؤولين الأمريكيين الآخرين، لكنه لم يقدم اعتذارا· واستدعى قرضاي القائد العسكري الأمريكي في أفغانستان الجنرال دان ماكنيل الى مكتبه حتى يطلب منه تفسيرا للحادث، وأصر الرئيس الأفغاني على أن يدقق الأمريكيون جيدا في التقارير الاستخبارية قبل العمل· وقد لقي الحادث انتقادا شديدا أيضا من وزير الخارجية عبدالله عبدالله·
وقد اعترى القادة المحليين غضب شديد لأنهم قاتلوا مع قرضاي، باعتبارهم حلفاء للأمريكيين، في الحرب لاقتلاع نظام طالبان في الخريف الماضي، وعرضوا أنفسهم لخطر شديد· وقد وعد المسؤولون العسكريون في أفغانستان بإجراء تحقيق شامل·
هذه الحوادث العنيفة جاءت في وقت حساس بالنسبة الى قرضاي الذي ترأس أولا حكومة موقتة في كابول بعد اتفاق بوش للسلام في ديسمبر الماضي· وفيها تولى ثلاثة أقوياء من منطقة بانشير ثلاثة مناصب رئيسية لأنهم كانوا أصحاب اليد العليا في التحالف الشمالي· وهذا أغضب أعضاء الغالبية الباشتونية التي جاءت منها حركة طالبان وقرضاي نفسه· وبعد إعادة انتخابه، كان على قرضاي أن يجري إعادة توازن حساسة وصعبة في اختيار حكومة ذات قبول عرقي ويمكنها أن تدفع أفغانستان عبر المهمة الخطرة لإعادة بناء إدارة فاعلة وتشغيل الاقتصاد وحماية البلاد من التفكك قبل 18 شهرا من الانتخابات·
لقد بدا في بعض الأيام أن قرضاي أخفق· فأحد الشخصيات الطاجيكية البارزة، وزير الداخلية السابق يونس قانوني، وهو زعيم سابق أيضا في التحالف الشمالي، هدد برفض قبول منصب جديد هو مستشار الرئيس للشؤون الأمنية بعدما احتل القائد الأفغاني “محمد تاج وارداك حاكم ولاية باكتيا سابقا” مكانه في وزارة الداخلية· فقد شعر قانوني الذي يقال إنه كان يطمح الى أن يكون رئيس الوزراء، بأنه مهمش· غير أنه وافق في النهاية على قبول المنصب·
وتعرض قرضاي أيضا لانتقادات حادة من المسلمين المحافظين بسبب وزارة شؤون المرأة·
فقد تولتها سيمي سمار التي أغضبت الأصوليين بتعليقاتها البليغة على حقوق النساء ورفضها لارتداء البرقع التقليدي· وعندما صدرت قائمة أسماء الوزراء لم يكن اسمها موجودا، ودارت شائعات أنها مختبئة أو أنها تسعى الى اللجوء أو مخطوفة أو مقتولة· غير أن سمار حية وبصحة جيدة وقالت إن قرضاي عرض عليها البقاء في منصبها السابق لكنها فضلت أن ترأس لجنة لحقوق المرأة· وقال قرضاي إنه سيعرض المنصب على محبوبة حقوق مال التي ساعدت في التحضير لانتخابات مجلس اللويا جيرغا· وبالمحافظة على وزارة شؤون المرأة، وضع قرضاي حدا نهائيا للتكهنات القائلة إنه قد يلغيه من أجل تهدئة الأصوليين الإسلاميين·
ربما يبين اغتيال عبدالقدير مقدار السذاجة في توقع التغيير في أفغانستان بين ليلة وضحاها من مجرد معسكر تدريب إرهابي كبير الى نسخة آسيوية لسويسرا· وإحدى النتائج الإيجابية لهذا الحادث أن سيناتورين أمريكيين قررا أن أفغانستان تحتاج الى مزيد من المشاركة الأمريكية في المحافظة على السلم الأهلي، بقدر المشاركة في الأعمال الحربية· وأحد الجمهوريين وهو شاك هاغل ذهب الى أبعد من ذلك الى حد الدعوة الى توسيع عمل القوة الدولية الى خارج كابول وهذا شيء اعتبره قادة القوة طويلا أنه غير ضروري· وفي النهاية يصعب تصور ديمقراطية مستقرة طالما بقيت لزعماء الحرب القدرة على قتل السياسيين متى شاؤوا·
“الايكونوميست”