تواصل “سلسلة عالم المعرفة” رسالتها التثقيفية·· مؤكدة خصوصية علاقتها وتميزها لدى القراء على مستوى العالم العربي· فقد صدر العدد الجديد (279) منها بعنوان: “الإبهام في شعر الحداثة” للدكتور/ عبدالرحمن محمد القعود· أستاذ الأدب والنقد في كلية الملك عبدالعزيز الحربية في المملكة العربية السعودية·
هذا الكتاب·· بمثابة جولة في أفق شعر الحداثة العربية المعاصرة، يحاول المؤلف من خلالها، دراسة العوامل المختلفة ورصد مظاهرها، وتحليل آليات التأويل - ومن ثم كشف أبعاد “الأبهام” على مستوى تلك الظاهرة الشعرية الحداثية المعاصرة· مع تسليمه بأن الشعر في كل زمان ومكان معرض للغموض بسبب منبعه الشعوري المعقد الغامض، وبسبب الطريقة الخاصة التي تكتب وتركب بها لغته·
ويشير الكتاب إلى أن الشعر - في ظل الحداثة الشعرية العربية المعاصرة - انتقل من مستوى الغموض·· إلى مستوى “الإبهام” الذي تجسد في كثير من حالاته، والذي يعد شيئا “قاراً” أي كامناً وكائناً في هذا اللون الشعري·
ويوضح المؤلف في هذا الكتاب أن ثمة عوامل وراء هذا الإبهام، تتمثل فيما يسميه “بالأبعاد الثقافية والمعرفية” التي يحددها في أربعة أبعاد هي: البعد الفكري والفلسفي والبعد الميتافيزيقي والبعد الصوفي ثم البعد الأسطوري، ويشير إلى أننا لا نستطيع الفصل بين الفكر والشعر فصلاً قاطعاً بتجريد الشعر من البعد الفكري، فالشاعر يفكر لكنه تفكير شعري يحيل الأفكار، برؤيا خاصة وتقنية معينة، إلى شعر·
وعلى سبيل المثال فأدونيس نفسه يرى ضرورة الربط اليوم بين الشعر والفكر أو الفلسفة، ذلك أن الفصل بينها يناقض - بحق - معنى التجربة الشعرية· كما أنه ليس غريباً أن يرتبط الشعر لدى بعض مبدعيه بالتجربة الصوفية، لأن الشاعر في لحظات إبداعه يكون في حالة “فناء في ما هو فيه” أو في حالة خروجه من عالمه الطبيعي (العادي) إلى عالم آخر يكاد لا يحس فيه إلا ذاته·
ويستعرض الكتاب تأثير الثقافة الغربية ومذاهبها الأدبية في الظاهرة الشعرية الحداثية، من خلال مفاهيم: الحداثة وما بعد الحداثة والرومانسية والرمزية والسريالية، ويشير في هذا العدد إلى أن شعراء الحداثة هم من مرحلة تفرض عليهم التواصل مع الآخر، وإن كان هذا التواصل لا يعني التبعية أو التقليد·
ولذلك يرى المؤلف أن تعريف خصائص أو سمات الحداثة هو مما يفيدنا كثيراً في كشف هذا الابهام في الشعر الحداثي اليوم· ولعل التناقض والغموض هما أبرز سمتين للحداثة ابتداء من مفهومهما وانتهاء بأبعاد هذا المفهوم ومحولاته ومعطياته وخصوصاً المعطيات الفنية والأدبية·
ومن منطلق فكرة الصيرورة والتحول لم تكتف الحداثة بمقولة تجاوز الماضي، وإنما ذهبت - في بعض اتجاهاتها المتطرفة إلى القول إن “الماضي خانق” ولابد أن يقذف به من فوق باخرة الحداثة!
وفيما يتعلق بـ “تحولات مفهوم الشعور وبنيته” في زمن الحداثة يشير المؤلف إلى أن أكثر الباحثين يتفقون على أن حركة الشعر الحر· أو شعر التفعيلة، هي إرهاص للحداثة الشعرية العربية، أو مفتاح لها·
وينتهي الكتاب من هذا الرصد إلى أن الرأي الأكثر إنصافاً وموضوعية هو القول إن حداثة الشعر العربي المعاصر ذات مربعيات ثلاث هي: واقع المجتمع العربي نفسه بما فيه من تحولات وتغيرات ومستجدات في حقول الاجتماع والسياسة والثقافة معا· فهذا الواقع أوجد عند الشاعر العربي تساؤلات وتطلعات نحو تغيير جذري في بنية القصيدة، يجعلها قادرة على استيعاب هذh الواقع وعلى التعبير عن مضامينه·
في الباب الثاني (مظاهر الإبهام) في شعر الحداثة يؤكد الكتاب على جملة مظاهر كانت سبباً مباشراً في ذلك الإبهام، وهي: الغياب الدلالي (الذي يتمثل في: الموضوع - موضوع القصيدة الحداثية ذاتها) والتجريد، وما يسميه بالشعر الصامت، وكذلك ظاهرة التشتت الدلالي، فعلى عكس القصيدة العمودية التي تتسم بتماسكها ووحدتها العفوية، نجد القصيدة الحداثية تتشظى بنيتها ودلالتها مع انفجار الحداثة الشعرية، إلى جانب بروز سمات الإنشائية والإغراق في “التعريب” الذي يصيب القارئ أو المتلقي بمزيد الدهشة والحيرة في “تجلي” النص الحداثي، أو محاولة فهمه والوصول إلى معانيه ودلالاته المتخفية·
ويوضح المؤلف أيضاً أن من مظاهر ذلك الإبهام في شعر الحداثة، إبهام العلاقات اللغوية، ولعل فكرة “تفجير اللغة” تعد أبرز سبب يقف خلف هذا الغموض في لغة الشعر الحداثي، على نحو ما يرى المؤلف· وهو ما تجده بوضوح مقولة: “عجز اللغة أو قصورها عن التعبير وخصوصا عند البحث عن مستجدات مضمونية لم تألفها تلك اللغة الشعرية من قبل· إضافة إلى ذلك هذا التنافر بين المفردات أو الجمل، والتضاد أو التناقض الذي يعد سمة بارزة في الحداثة نفسها، بل يعتبر قانوناً من قوانينها· وكما يقول أحد شعراء الحداثة في ذلك: “بتلاقي الأضداد تكتسب القصيدة التوتر والزخم وترتفع عن مساق (مستوى) الكلام العادي”·
ومن هنا ينقلنا المؤلف - عبر صفحات كتابه هذا المهم والمثير في الوقت نفسه - للباب الثالث والأخير فيه، للحديث عن آليات التأويل، فيوضح مفهوم التأويل ووظيفته (أو دوره) في استجلاء النص الشعري الحداثي، وحدود هذا التأويل أو (ضوابطه) أيضاً·
أما بالنسبة لآليات التأويل فيحددها المؤلف في أشياء هي إنتاج الدلالة، وكفاءة المؤول (من خلال أفق القارئ) ذاته، ومكونات هذا الأفق بالنسبة له·
وخلاصة القول إن المؤلف يؤكد في دراسته التحليلية للإبهام في شعر الحداثة - وهي دراسة جادة ومثيرة للكثير من ردود الفعل والاختلاف والتأييد حول نتائجها بين القبول والرفض، وربما إثارة الكثير من التساؤلات بصددها على مستوى القارئ (المتلقي) العادي والباحث المتخصص في الوقت نفسه نقول: يؤكد الكتاب إن شعر الحداثة (المعاصرة) يمارس لغة تبدو أكثر غموضاً وإبهاماً اتفاقا مع طبيعته· ومن ثم فلسفة الشعر الحداثي ليست لغة شفافة تبين المعنى، وإنما هي إيمائية، إشارية، تومئ إلى المعنى ولا تصرح به· ولهذا فإن الرغبة في إيجاد لغة جديدة تكمن وراءها فكرة تفجير اللغة في الشعر الحداثي، بهدف إزالة سمات اللغة الشعرية التقليدية، التي تتمثل في التقرير والوصفية والتحديدية·· إلخ·
فالحداثة نفسها - كما يقول المؤلف - تعد رؤيا قبل أن تكون شكلاً فنياً، وبهذه الرؤيا تجسد القصيدة الحداثية رحلتها من الذاكرة (الماضي) إلى المستقبل، بل إلى ما وراء الحاضر والماضي نفسه· وهذه (الرؤيا) عنصر مكون من عناصر القصيدة الحداثية المعاصرة·
وفي سياق التجاوز والرفض (الذي هو سمة شعراء الحداثة) من أجل التجديد في الغالب، يتحدث الكتاب عن فكرة أخرى هي فكرة “التجريب” التي تعد انعكاساً أو رد فعل لما حدث في المجتمع العربي من تحولات وتغيرات اجتماعية وسياسية وفكرية· كما أنها تطبيق لنظريات أو هواجس “الثورة” على القديم بتجاوزه ورفضه أحياناً·
ويكشف المؤلف - في إطار تأثر شعراء الحداثة العربية بالغرب وثقافته - عن تأثر شعراء عرب كثيرين بشعراء غربيين أمثال: بيتس وبودلير وفاليري ورامبو ولوركا وإيدث سيتول، وإليوت، وإدجار آلان بو· فهؤلاء تأثر بهم كل من نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب وعبدالوهاب البياتي، وصلاح عبدالصبور وأحمد حجازي، وإن كان صلاح عبدالصبور أبرز الشعراء العرب تأثرا بإليوت·
ويقدم الكتاب قراءة تأويلية لفهم شعر الحداثة بهدف فك رموزه وشفراته، ويرى المؤلف أن ذلك عملية ضرورية، بل تعد منهجاً أو (استراتيجية) لتلقي هذا المنتج الشعري الحداثي وفهمه، أو بالأحرى فك غموضه وإبهامه· لأن هذا اللون من الشعر العربي المعاصر صعب ومشتت دلاليا، ونصه يبدو متشظياً مليئاً بالشروخ والفراغات والمساحات البيضاء أيقصد المعاني والكلمات الغريبة والمستعصية على فهم المتلقي·
ولهذا يرى المؤلف أن تأويل النص الشعري الحداثي يجب أن يكون منفتحاً على سائر القراءات والمناهج النقدية الحديثة، بحيث يتفاعل معها ويستفيد منها، وهو ما يجعل حركة الشعر الحداثي أكثر شمولاً وعمقاً· والهدف من هذه القراءة - كما يقول المؤلف - “ليس فهم النص كما فهمه المؤلف، وإنما أحسن مما فهمه مؤلفه” حيث يبدو الفهم - في معنى من المعاني - أكثر من مجرد معرفة معنى الكلمات!