رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 11-17 جمادى الأولى 1423هــ الموافق 20-26 يوليو 2002
العدد 1536

كتابة

الهجرة الثانية لكتاب الاختلاف

محمد الأسعد

 لم تتصدر صورهم الصحف، أولئك الذين يحتفلون الآن بالمكان احتفالهم بنكهة تميز وجودهم ومعناهم، أولئك الشعراء الذين ينمون ذاكرة خاصة بهم على قدر كبير من النزاهة والاحساس بقيمة التجربة، ينتقل معهم الخيال لإنتاج ما هو بدائي وخالد، وإطراح المكرر الدائم وما هو غير ضروري·

يقول الشاعر: “نوري الجراح·” في تبرير هذا الانتباه اليقظ للأمكنة:

إنها الهجرة الثانية في ظل انهيار يلف أمكنة الطفولة، شأنها في ذلك شأن الهجرة إلى أرضٍ جديدة بحاجة إلى تعرف وإلى ذاتٍ بحاجة إلى إعادة نظر·

كانت الهجرة الأولى: تحتفظ بذاكرة الخيال الأول، بتلك الذات المتضخمة إلى درجة العمى··· فيعود بائع الأمشاط والفساتين العربي بعد جولة مرهقة في قرى البرازيل والأرجنتين، والبيرو إلى حجرته الرطبة، وما أن يستقر حتى يهدأ في نفسه ضجيج الأجناس، وتنوع الأمكنة وغرابة اللغات·· ويعود شيئا فشيئا إلى قوقعة اللغة ليكتب نشيدا في حب وطن خيالي، وضراعة لحبيبة مستلة من بضعة دواوين شعرية اصفرت أوراقها· كان هذا المتجول في نهاره هو مثال الشاعر العربي في "الهجرة" الشاعر بكل شيء إلا بمكانه الذي لا يملك غيره·

أكان المكان الأول ساحقاً إلى هذه الدرجة؟ لقد تكرّرت التجربة حتى مع الأجيال التي ظهرت فيما بعد ولم تهاجر إلى أي مكان، مما يشير إلى أن الهجرة أساسا لم تكن حقيقة مادية بقدر ما هي انتقال ميكانيكي لجسم يحافظ على خواصه حتى الأقصى، وسواء ظل الشاعر في مكان الطفولة أم لا، فإن هجرته لم تكن بقدر ما هي هجرة إلى الموروث الذهني الذي ظل هو الزمان والمكان·

المكان بهذا المعنى هو مجموعة المعارف الذهنية المكتسبة وليس وساطة الانفتاح على عتبة الوجود· إنه تنويع على اللغة المكتسبة، ولهذا تتكرر صورة بائع الأمشاط ذلك الذي أنتج لنا (إيليا أبو ماضي) و (جبران)·· في صورة الكاتب العربي أو الصحافي المقيم الآن في عواصم الغرب· ويتعين تذكر موروث القصيدة الذهنية الذي رسخه شعراء الأسطورة وشطحات التصوف منذ ثلاث عقود، وتحديداً في الستينات، لفهم هذه المحفوظات التي يكررها شعراء تنوعت أمكنتهم ولم تتنوع قصائدهم·· هاجروا وكأنهم لم يهاجروا·· رأوا وكأنهم لم يروا··

يطرح أحد مؤرخي الفنون "الان باونز" تفسيرا جميلاً لمعنى أن تكون حديثاً: إنه يتحدث عن تلك اللحظة المهمة في تاريخ الفن، اللحظة التي تنبعث فيها فجأة نكهة زماننا في الفن· فنشعر أننا لم نعد ننظر إلى شيء ذي علاقة بعصر آخر أو حضارة أخرى· هذا في الفنون البصرية· ولكن من الممكن قول الشيء نفسه عن فنون الكتابة· فكم هو عدد النصوص التي نشعر حين قراءتها أو سماعها أننا أمام عصرنا وزماننا؟

إنها قليلة بالطبع··· ذلك لأن موروث النص، سواء كان بعيدا أم قريبا، يبتلعه بشكل ملحوظ· فأنت ما أن تبدأ بالكتابة حتى تكون قد بدأت حقيقة بتكرار الصيغة إن لديك جملة نحوية ونظاما لنسق الأفكار، وللمعقول واللامعقول وللمفهوم وغير المفهوم·· لديك علاقات جاهزة·· لديك بنية حضارة، هي التي تبرر ما تقول وتكتب وتجعله "معقولا"· هذه هي حال الكاتب مقيما ومهاجرا قبل تلك اللحظة؛ لحظة انبعاث نكهة الزمن، نقتطف من (باونز) أن هذه اللحظة هي إطلاق موجة استقلالية الفنان الذي يغدو موضوع فنه، حيث يصبح كل شيء ممكناً في نظره، إنه يتحرر من المطالب الخارجية، قادر على الاندفاع في طرقه الخاصة، وواثق من أن تقرير الجمهور هو ما سيأتي فيما بعد·

إننا نتحدث هنا عن ثورة في (الموضوعات) ثورة تجعل المكان أساساً جوهرياً في التعبير عن الأصالة· وإذا كان الأمر في الفن البصري قد تشعب إلى درجة الثراء المذهل في تعدد وجهات الالتقاط، واتجاهات النظر، فإنه في الكتابة مازال غامضاً غموضاً مريبا، إنه أمر ملتبس، حيث تختلط الحكاية الرمزية  بالتأملات اللفظية بالكاريكاتير السياسي العابر، وتختلط الدوافع بين ارتكاز على الجاهز في بنية الثقافة وارتكاز على مالم يولد بعد·

تقدير الجمهور هو ما يأتي فيما بعد: تلك هي مغامرة العدد القليل الذي يحتفى باستقلالية فريدة، ليس عن مطالب الجمهور، والتي هي مطالب موروث وتركيبة نفسية، أو حالة قائمة فقط، بل وعن حاجات للكسب السريع والخادع·

نضيف إلى هذا تطوراً في الحساسية الثقافية في مفهوم الكتابة بالذات، في مفهوم فعالية وسلطة الكتابة· فإلى وقت قريب وحتى الآن، لم تتطور الكتابة، العربية إلى درجة الاستقلال عن رغبات المستهلكين·· والقيم التي تحكم تفضيلاتهم إنها لا تتجاوز مدار الجاذبية هذا على صعيد المقال والقصيدة والرواية وإبداء الرأي إلا في القليل النادر· وكأني بالكاد إنسان يبذل عمره في استكشاف أهواء السوق لتظل بضاعته رائجة، وليظل ملك السوق والأذواق؛ إنه غير معني بالمغامرة ولا باكتشاف أصقاع جديدة وراء حدود الجاذبية·

لا أهمية للمكان·· فإن تكتب قصيدة في “هاواي”، أو تكتبها في قرية “بيروفية” أو على طرق الصحراء العربية، لا يبدو أمراً ذا أهمية استثنائية أن تتميز في كل حالة· والسبب هو انعدام الشخصية· فحين يمحى المكان، لا يمكن انتظار ······· مناخ؛ كل المناخات واحدة في ظل غياب الجغرافيا البشرية والأرضية، إنه مناخ اللغة تكتب ضمن شروطها، ولكن اللغة لا تمنح امتيازا مجانيا، إنها مجرد علامات ورموز، هي لا تكون بذاتها، وإنما بشيء آخر تجسده أو تحاول التقاطه·

يعتقد البعض أن المكان مجرد أسماء لأمكنة، أو وصف لمشاهد، ويقيم هذا البعض أهمية لما يرمز إليه مكان محدد، مثل الأطلال، أو القبو، أو العلية في البيت، أو الخزائن·· وما إلى ذلك· ولكن جمالية المكان تنبع من قدرتنا على تمثله كتاريخ أيضا، على احتوائه وتسميته· هكذا نحتفل بالأشياء التي لم يطلق عليها اسم بعد أو الأشياء التي أعطيت أسماء في الماضي ولكنها تغيرت وظهرت المفارقة بين الاسم والمسمى·

ستظل للكلام وظيفة دائمة، ليس بوصفه ما قيل، بل وما يمكن قوله، إن الأمكنة الأرضية لا تستنفد إمكاناتها في أي لغة من اللغات، أو أي ثقافة من الثقافات، بل هي حاضرة دائما للظهور مجدداً·

هل الحداثة إذن إحساس بالمكان؟ بما يمكن أن نطلق عليه نكهة الزمن؟ لقد استهلكت حركة الشعر العربي المعاصر أنواعا من الموضوعات الخارجية، بدءاً من القضايا العامة ووصولاً إلى استعارات المتصوفة والقصص الرمزي، ولكنها في كل هذه الحالات كانت تستهلك لغة، ولا تجرب وضعية·

والتنبيه إلى هذا المسار نادر وسط الوهم الكبير الذي سيطر؛ وهم الوصول إلى العالمية بمعاناة (القضايا الكبرى)· وكأن كبر قضية، أو صغرها هو ما يحدد قيمة الأعمال الكتابية، بينما الأمر عكس ذلك تماما، وفي ظلال هذا الوهم أنتجت أهم الأعمال الراهنة التي اتكأت على الأساطير أو البنى الصوفية· وأمحى فيها صوت الشاعر وزمنه·

إذا توقفنا قليلا عند هذا الوهم، نجد ملحوظة سريعة ومبكرة كتبها “يوسف الخال” يصف فيها جذر (المصايب) التي ألمت بالشعر العربي فيقول “إن الشاعر العربي حتى هذا التاريخ ورغم نشوء نهضة تدعو إلى المفهوم الحديث للشعر لا يزال يهبط من فوق، من الكلي والشامل، وهذا من شأن العقل الفلسفي والعلمي، إلى الجزئي الخاص، وهما من شأن المخيلة الفنية والشعرية، فلا عجب أن يكون شعرنا العربي تعبيرا مباشرا عن الخواطر والآراء والأفكار”·

هذا الجزئي والخاص، هو ما تفتقر إليه اللغة·· بالطبع، وهو بالإضافة الممكنة حتى تتخذ اللغة·· طوابع خاصة بنا· ويمكن تلخيص هذه العلاقة بين العام والكلي وبين الخاص والجزئي، كما هي في المتداول من مفاهيم شعرية، في أنها علاقة معكوسة، حيث لا ينطلق الشاعر من الجزئي والخاص، مكانا وزمانا، نحو جلاء صور الجود، بل يتخذ من هذه منطلقا، فهو كذلك الفنان التشكيلي الغارق في وهمه· الذي يتداول أفكارا وقيماً ويود أن يجد لها معادلاً تشكيليا· فهناك لوحة تمثل “الصدق” وهنا لوحة تمثل “الأمل” وأخرى تمثل “العذاب”·· وهكذا·· إنه يتعامل مع أفكار جاهزة بحاجة فقط إلى معادلات من صور·· وقد يجد مثل هذه الصور وقد لا يجدها، ولكنها لشدة شحوبها لا تستطيع أن تقيم حوارا معنا، ولا تكتشف عن أعماقنا· إنها شيء خارجي أن نقنيه·· ولكنه لا يعنينا إلى درجة أن يبدل حياتنا·

تحتفى الآن قلة من الشعراء بالأمكنة·· بجزئيات·· وبملحوظات كان يمكن أن تبدو قبل سنين غريبة عن عالم الشعر، فهم موجودون في اللحظة وفي المكان·· لا كاستعارة لفظية، بل كتجربة وجود، وإمكانية معاً، ومثل هؤلاء الذين يشكلون مفاهيم جديدة للمكان المألوف وللشعر معا، يمكن القول إنهم يقلبون بطانة الثوب نفسه، ثوب التجربة·

طباعة  

وتد
 
شعر
 
“الإبهام في شعر الحداثة” للدكتور عبدالرحمن القعود
الحداثة رؤيا شعرية جديدة تبحث عن لغتها الخاصة

 
المرصد الثقافي