رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 ربيع الآخر 3 جمادى الأول 1423هـ الموافق 6-12 يوليو 2002
العدد 1534

أسرار اختفاء بن لادن!!

 

أين ذهب أسامة بن لادن؟ كيف ترك الأمريكيون الرجل الذي بدأوا تدخلا عسكريا على بعد عشرة آلاف كيلومتر من حدودهم· بسببه يهرب أمامهم؟ لماذا تبقى شبكة “القاعدة” الإرهابية قادرة على الضرب كما أثبت الاعتداء على القنصلية الأمريكية في كراتشي؟ من أجل محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة، أجرت “لوفيغارو” تحقيقا في باكستان كما في المناطق القبلية الباشتونية التي تمتد على طول الحدود الأفغانية·

فيوما بعد يوم، يتضاءل أمل إدارة بوش في القبض على “الشيخ” حيا أو ميتا بعدما اختفى في فضاء فسيح معاد للأمريكيين· في نهاية نوفمبر حدد الأمريكيون موقع بن لادن في مرتفعات تورا بورا· لكن بفعل نقص التنسيق، ووعورة الأراضي والاعتماد على قوى أفغانية محلية قابلة للشراء والبيع، ترك الأمريكيون بن لادن يهرب·

في 16 سبتمبر من عام 2001، أي بعد خمسة أيام من الاعتداء الإرهابي الأشد دموية في تاريخ الغرب، أطلق الرئيس جورج بوش وعده للأمة الأمريكية بمطاردة أسامة بن لادن وأعوانه “وبإخراجهم من جحورهم مثل الفئران التي خنقها الدخان”·

هكذا بدأت الاستخبارات الأمريكية الخاصة عملية المطاردة فورا· وأسس مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف· بي· آي” مكتبا له في باكستان حيث فتح الرئيس برويز مشرف أمام الأمريكيين ملفات الاستخبارات العسكرية الباكستانية ومكتب الاستخبارات - التابع لوزارة الداخلية - وأرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أفضل عملائها الى المنطقة، الى باكستان، ثم أفغانستان، أما الاستخبارات الغربية الكبرى، الألمانية، البريطانية والفرنسية فقد منحت الأمريكيين أكبر مساعدة·

منذ أكتوبر، بدأت القوات الخاصة التابعة للجيش الأمريكي العمل على قدم وساق على أرض أفغانستان، حيث انضمت إليها في نوفمبر وحدات نظامية· وعلى مطار باغرام 40 كليومترا شمال شرق كابول أقام الأمريكيون، كما فعل السوفييت في الثمانينات، قاعدة عسكرية عظيمة· ولم يحدث قط في التاريخ أن اجتمع هذا القدر العظيم من الوسائل المدنية والعسكرية والاستخبارية، وحملات القصف الجوي وعمليات التمشيط البرية وهذا القدر من التكنولوجية لمطاردة رجل واحد·

لكن بعد تسعة أشهر، هذا الزعيم الإرهابي المطارد المطلوب رقم واحد في العالم ما زال يجري، و”قاعدته” التي ما زالت قادرة على الضرب، ضد السائحين الألمان في جربة التونسية كما ضد الخبراء الفرنسيين في كراتشي أو ضد القنصلية الأمريكية في أكبر مدينة باكستانية ساحلية على المحيط الهندي، تبدو وكأنها ليست في طريق التفكك·

واستنادا الى أجهزة التنصت واعترافات الأسرى في أفغانستان، صارت السلطات الأمريكية مقتنعة بأن “القاعدة” ما زالت تعمل بنشاط لشن “ضربة” جديدة ربما كانت أشد تدميرا من ضربة 11 سبتمبر·

في المقابل، لم تستطع السلطات الأمريكية تحديد مكان بن لادن، فقد قيل إنه تسلل الى إيران التي وضعها الرئيس بوش ضمن محور “الشر” مع العراق وكوريا الشمالية· وقد تصور البعض أنه لجأ الى اليمن آتيا على متن طراد سريع من الشاطئ الباكستاني على المحيط الهندي، وقد قيل إنه لجأ الى المناطق القبلية الباشتونية في باكستان الممتدة على طول الحدود الأفغانية وتحديدا في وزيرستان التي أرسل إليها الأمريكيون قوات خاصة حتى تدير عمليات التمشيط التي نفذها الجيش الباكستاني·

حميد غول: لم يغادر أفغانستان

قد لا يكون مستحيلا أن يكون بن لادن موجودا في أفغانستان نفسها· وعن ذلك، قال الرئيس السابق للاستخبارات الباكستانية الجنرال حميد غول: “لماذا تريدون أن يكون بن لادن غادر أفغانسان حيث يعتمد على أصدقاء مخلصين من سكانها، حيث توجد المخابئ التي لا تحصى، وحيث لا تحكم الحكومة المركزية الحليفة للأمريكيين غير كابول؟” لقد وجدت “الفيغارو” هذا الجنرال القوي ذا الصلات القوية بالأوساط الإسلامية في إحدى ضواحي روالبندي حيث يعيش في واحد من الأجنحة المتواضعة داخل مدينة عسكرية مخصصة للجنرالات المكرمين· وفي الصالون حيث استقبلنا، تحت مراقبة صارمة من حارس شخصي يرتدي اللباس البنجابي، رأينا قطعة أصيلة من جدار برلين أهدتها إليه الاستخبارات الألمانية·

عندما كان يترأس الاستخبارات العسكرية الباكستانية، كان الجنرال حميد غول يشرف على توزيع المساعدات الأمريكية بالمال والسلاح على المجاهدين الأفغان الذين حاربوا الجيش الأحمر، وهو يخص بالامتيازات القادة الإسلاميين (زعيم الحزب الإسلامي) الشهير قلب الدين حكمتيار الذي دمر كابول بالمدافع عندما تنازعها مع القائد الطاجيكي أحمد شاه مسعود هذا الجنرال الذي أقيل من منصبه الحساس غداة انتهاء الغزو السوفييتي التقى بن لادن شخصيا لأن هذا الأخير دعاه مرتين الى السودان بعد طرده من المملكة العربية السعودية·

وفي التاسع عشر من أغسطس من عام 2001، أي قبل أقل من شهر واحد على الهجوم على مركز التجارة العالمي، حضر حميد غول في كابول آخر عرض عسكري لنظام طالبان، لكنه يؤكد أنه لم ير بن لادن منذ فترة السودان·

حميد مير يؤكد أيضا

“إن كان يجب أن أراهن، أقول إن بن لادن موجود حتى الآن في أفغانستان”· هذا ما قاله في دارته الخاصة في إحدى ضواحي إسلام أباد الغنية الصحافي الباكستاني حميد مير الذي يضعه زملاؤه وربما بدافع الحسد بأنه مقرب جدا من الاستخبارات العسكرية الباكستانية· كان هذا الصحافي ذو الشوارب والوجه البشوش، واللغة الإنجليزية الطليقة آخر أجنبي غريب عن “القاعدة” يرى بن لادن زعيمها المؤسس·

اللقاء الأول: جلال أباد

لقد استطاع حميد مير، بعد توصية إيجابية من “أمير المؤمنين” الملا محمد عمر الزعيم غير المنازع لطالبان، أن يقابل أسامة بن لادن للمرة الأولى في مارس من عام 1997· وقد كان اللقاء في معسكر لا يبعد كثيرا عن جلال أباد بعد نهاية رحلة من ساعتين بسيارة دفع رباعي كان الصحافي الباكستاني فيها معصوب العينين· ومنذ دخوله، وضع بن لادن قواعد لعبة هذه العلاقة التي بدأت· فقد أوضح للصحافي أنه استقبله لأنه أثبت دائما في مقالاته استقلاليته عن جميع الحكومات، بما فيها الحكومتان الأمريكية والباكستانية· لكن بن لادن أخرج أيضا ملفا شخصيا عن حميد مير، تضمن حتى أدق عاداته اليومية وتفاصيل عن عائلته· وهكذا أفهم هذا المليونير المنزوعة عنه جنسيته السعودية محدثه ما يمكن أن يتعرض له إذا خان الثقة الممنوحة إليه·

تعشى حميد غول، الذي عومل بطريقة لائقة، مع بن لادن ثم أفطر معه في اليوم التالي مع المساعد المصري لزعيم القاعدة محمد عاطف· وخلال الحوار، الذي ترجمه الى الإنجليزية أسد، ابن الشيخ المصري الضرير عمر عبدالرحمن، الذي يقضي عقوبة سجن من 215 سنة في الولايات المتحدة لإدانته بتدبير الانفجار الأول لمركز التجارة العالمي في عام 1993، لم يعترف بن لادن إلا بالمسؤولية عن قتل 18 جنديا أمريكيا خلال غارة فاشلة على مقر الزعيم الصومالي محمد فارح عيديد· وعندئذ، أكد الزعيم الإسلامي، الذي تأسف بشدة على النزاع بين السنة والشيعة، ضرورة التحالف مع إيران من أجل محاربة الوجود العسكري الأمريكي في أرض الإسلام·

اللقاء الثاني: قندهار

ثم شاهد حميد مير أسامة بن لادن ثانية في مايو من عام 1998، وهذه المرة في مجمع عسكري قريب من مطار قندهار، وعندئذ سأل الصحافي الباكستاني بن لادن كيف يمكنه “أن يبرر دينيا” فتواه التي تدعو المسلمين الى “قتل الأمريكيين مدنيين أو عسكريين حيث وجدوا”· وعندما واصل حميد مير هذا النقاش قائلا “لكن هناك أمريكيين مسلمين! فكيف تدعو المسلمين الى قتل مسلمين آخرين؟” عندئذ أجاب بن لادن: “يبدو أنك تنصب لي فخا: أريد استشارة أصدقائي وأعطيك الجواب صباح غد”·

كان الطبيب المصري أيمن الظواهري، أقرب معاوني بن لادن والرأس المخطط لشبكة القاعدة، هو الذي حمل في اليوم التالي الحجة المضادة لحجة الصحافي الباكستاني: “الإسلام يقول إنه عندما تندلع حرب ضد الكفار ينبغي على كل المسلمين المخلصين الموجودين على أرض العدو أن يغادروا”· وخلال إقامته هذه المرة قرر حميد مير أن يكتب سيرة ذاتية عن بن لادن·

نشاط نووي

في وقت متأخر من مساء 11 سبتمبر، استقبل حميد مير في مكتبه موفدا عرفه مباشرة، لكنه لم يعرف غير اسمه الأول محمد· هذا العربي التقاه حميد مير خلال إقامته لدى بن لادن· وقد كشف محمد، وهو عربي ذكي يتحدث لغات عدة بينها الروسية، للصحافي أنه قدم الى بن لادن مهندسا نوويا آتيا من أوكرانيا، وفي هذا المساء، لم يكن لدى محمد غير رسالة واحدة جاء يبلغها بتكليف من بن لادن: “أنا لا أقف وراء هذا الاعتداء، لكنني آسف على أرواح من نفذوه، قل للعالم كله إن عمليات 11 سبتمبر أخرى ستأتي”·

تعال الى مكان ما

فجر السادس من نوفمبر، حين كان التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان قد بدأ أسبوعه الخامس، تلقى حميد مير مكالمة هاتفية من محمد يطلب منه أن يحضر فورا الى قنصلية طالبان في بيشاور ومن هناك الى جلال أباد· وقد أحضرت مجموعة من المقاتلين العرب الصحافي الى كابول حيث أجبروا على أن يسمم خمس مرات وقال: “رجال القاعدة لا يريدون تحمل أي مجازفة ولو صغيرة· كان يجب غسل جلدي من أي مادة مشعة محتملة”· وفي النهاية نقلوه ليلا وهو معصوب العينين وملفوف داخل غطاء سرير باتجاه منطقة أشد برودة من كابول· وهناك قضى ليلة داخل زريبة·

فجر الثامن من نوفمبر، وصل بن لادن وهو يحمل رشاش كلاشنيكوف مصحوبا بالظواهري· وعانق “الشيخ” الصحافي· وكان يحوطه 12 مسلحا، وقد لاحظ حميد مير أنهم كانوا جميعا عربا، في حين أن المسلمين كانوا حين التقاه قرب قندهار أندونسيين وباكستانيين وشيشانيين·

وكان المطلوب رقم واحد في العالم يبدو بصحة ممتازة وواثقا جدا من نفسه، وقد قال للصحافي إنه نقيضا لجميع الشائعات عنه، لم يعرف بن لادن المرض· وأضاف بن لادن: “ما قد يحصل لي في أي لحظة هو أن أموت وأنت معي”· ثم انفجر ضاحكا وقال: “لكني أمتاز عنك بشيء: فأنا لا أخاف الموت”·

تحضير لحرب العصابات

قدموا الشاي، ثم بدأت المحادثة الجدية· وقد عرض الشيخ خطته: “نحن سنخلي كابول وجميع المدن الكبرى، ومن قبيل الوهم أن نخوض حرب عصابات في المدن: فالأمريكيون يقصفوننا· حرب العصابات سنخوضها في الجبال، لا تتأخر في أفغانستان، فليس لديك من الوقت غير ما يكفي لأن تعود الى بيتك عبر جلال أباد”· بعد ثلاثة أيام بدأ بن لادن تنفيذ خطة الإخلاء·

تعال الى خوست!

كان ينبغي انتظار مارس حتى يتلقى حميد مير إشارة جديدة عن بقاء بن لادن حيا· فقد وصلته رسالة بالفاكس مرورا ببيشاور وقعها الملا سيف الله منصور القائد العسكري الشاب من طالبان المقرب جدا من بن لادن، ومن دون أي تفسير محدد، هذه الرسالة دعت الصحافي الى المجيء بأسرع ما يمكن الى منطقة خوست· فهذه المنطقة الجبلية المحاذية لباكستان تعج بمقاتلي “القاعدة” وفي السابع من مارس خسر الأمريكيون هناك ثمانية جنود في معركة·

خوفا على حياته في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الأفغانية الجديدة، تراجع الصحافي الباكستاني عن الرحلة· لكنه مقتنع بأن بن لادن كان موجودا في منطقة خوست في مارس· وقال: “بعد ذلك، ربما غادر المنطقة، فأنتم تعرفون، تتمتع جماعة الطالبان بشعبية قوية في المناطق الباشتونية، وأعتقد أن بن لادن ما زال يتحرك وبطريقة شبه علنية”·

عودة الى الوراء·· ماذا فعل بن لادن في الأيام التي أعقبت لقاءه مع حميد مير؟ المعروف أنه ألقى في العاشر من نوفمبر خطبة في مركز الدراسات الإسلامية في جلال أباد أمام مئات الزعماء القبليين الباشتون الذين هللوا له طويلا· وقال فيها: الأمريكيون ينفذون خطة غزو، لنبق موحدين ولنتكل على الله وسنعطيهم درسا مثلما أعطينا الروس درسا”· وقد وزع رجاله المال بعد ذلك على المشاركين وأعدوا قافلة باتجاه المجمع العسكري في تورا بورا· وكما حدث عشية ذلك في كابول، أخليت جلال أباد من قوات طالبان بترتيب جيد في 13 نوفمبر بعد الظهر·

في 16 نوفمبر، بدأ الطيران الأمريكي غاراته اليومية على تورا بورا· وفي 27 نوفمبر كانت بداية الهجوم البري الذي أسنده الأمريكيون الى حلفائهم الأفغان· وبعد يومين، أكد نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني أمام كاميرا محطة “آي· بي· بي” أن بن لادن موجود في تورا بورا وأنه لن يفلت· فكيف تركت أكبر آلة عسكرية في التاريخ هذا الزعيم الإرهابي يفلت بعدما خاضت من أجله تدخلا عسكريا يبعد عشرة آلاف كيلومتر من بلادها؟

لوفيغارو

طباعة  

جذور الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.. * نشر من قبل منظمة"يهود من أجل العدالة في الشرق الأوسط"