رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 ربيع الآخر 3 جمادى الأول 1423هـ الموافق 6-12 يوليو 2002
العدد 1534

وتد

حبات متناثرة على بلاط دمشقي

نشمي مهنا

ترمي بنفسك بين السيارات المتزاحمة، عيناك في عينيّ السائق كأنك تستأذنه، تعبر أمام هذا المتردد محاذرا الآخر المتهور، القادم من بعيد، تقفز على الرصيف المتهالك كأنك خارج من مغامرة·· فتتدفق عليك وجوه صامتة، أو منشغلة بحوارات داخلية تناقش همومها الصغيرة، أو غايات مشاويرها، تتسلى برصد عالم لا تعرفه وأنت العابر، لا تكترث - في أثناء مشيك - بما تحمله قسمات هذه الوجوه، سوى ما تلحظه من عنوان عام، حفر حزنا عميقا على تلك الملامح السمراء·· وزع عليها بالعدل، تلتفت كأنك رأيت صاحبك “نوري” بين زحام القامات·· “لا” تستبعد وهمك·· وتكمل المشي·

وجهتك كانت سوق “الحميدية”·· تقترب، ثم فجأة تغير برنامجك الذي تحسن نسفه كل ساعة، متحررا من كل خطة، أو برنامج، أو حتى نية، لك ما تريد·· ما دمت وحدك في عاصمة تمرر عقاربها ببطء·

تجد نفسك بعد ساعات من المشي في مقهى شعبي·· تفرش جريدتك على الطاولة، تحاول القراءة·· فتستعصي!

كأنك تسمع نداء مكان آخر، لا تعرفه، إنما يلح عليك، تشير للنادل مرة·· مرتين، ثلاثا، يسحب خطواته الثقيلة، يقف مسطولا فوق رأسك، تنقده ثمن الرشفتين من الشاي، و”البقشيش”، وتغادر·· (الى أين؟)·

تتأمل “الفاترينات” أمام المحلات، دون رغبة في الشراء، موجات بشرية أخرى، متتالية، تتدافع، أرجل مستعجلة، وأخرى متمهلة، جينزات زرقاء، ألوان، تنورات، وسيقان ناعمة·· لا وقت لديها لتدليل أنوثتها!

لماذا كل هذا الحزن على وجوه المارة في دمشق؟!

لا يهم·· لن أراقب تلك الغمامات على وجوه الدمشقيين (تقول في سرّك)· قرار أصدرته في اليوم الخامس، ولم تلتزم به في مساء اليوم ذاته، حينما احتدم النقاش “الودي” بين صديقين في مقهى، في الطاولة المجاورة، شرارات متطايرة وغضب غير طبيعي بلا خلاف جدي، (هل كان تنفيسا عن احتقان؟) عدت من جديد للمراقبة··

القرار الوحيد الذي صممت على تنفيذه ووفيت أن لا تزور “الحميدية”، والجامع الأموي، وجبل قاسيون!

كل هذه الإغراءات السياحية بما تحمله من عبق التاريخ، وعشق أزلي للدخول لأزمانها، لم تسحب خطواتك إليها··

لماذا ضحيت بكل هذا الجمال، والمتعة·· لا تدري!

تعود الى المقهى نفسه من جديد، زاهدا بقراءة صحيفتك، لحظات وتلوح لك أعداد من “حبة السوداء”، ملء الكف، تتخيلها متناثرة على الطاولة، ويرن بذاكرتك وجه ذاك العجوز، الذي اكتشف وسيلته المبدعة في قتل عقارب الزمن بين قضبان سجنه المنفرد·· تتذكر وحشة رياض الترك حينما··

تتطاير حمامات دمشقية في الباحة القريبة، تنتفض أسرابا من وراء الزجاج، تعيدك الى صمت المقهى، ورواده الذين يرتشفون مراراتهم بحزن··

كم تحب دمشق، ويؤلمك حزن الدمشقيين، فهل كان حزنها تكفيرا عن ذنب تاريخي، اقترفته يداها ذات عصر، ومحوا لدماء سالت على بلاط حواريها القديمة؟

إذن كنت محقا حينما لم تزر التاريخ!!

nashmi@taleea.com 

 

طباعة  

كتابة
 
مشاركة كويتية في حوار الثقافات في باريس
 
الجرار المكسورة!
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي