رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 26 ربيع الآخر 3 جمادى الأول 1423هـ الموافق 6-12 يوليو 2002
العدد 1534

كتابة

قل لهم··· ستعيشون الجحيم في كل زمان ومكان

محمد الأسعد

سيقولون لك ها هي القبور الجماعية تنفتح لك ولأبنائك، وها هي الخرائب تنسحب من الذاكرة، ويدوّم غبار الضجيج العربي ويهدأ كل شيء عائداً إلى صمته· وسيقولون لك ها أنت وحدك كما كنت دائماً، وستظل وحيداً في حياتك وموتك، في أحلامك وشقائك، تهرم طفلاً وتموت طفلاً ولا قيامة لأمواتك· سيقولون لك كن واقعياً وإنساناً، فشؤونك الإنسانية تنتظر، وآن لك أن تلعن الوطن وتصبح حراً·

سيقولون لك دعنا نسمّيك، وحين تسأل “من أنا؟” سنجيب في الوقت المناسب والمكان المناسب، فأنت لا تجيد سوى الموت الممل الذي أصاب خطاباتنا وقصائدنا بالضجر·

سيقولون لك، ها نحن نمنحك هيبة الطائر الخرافي فدعنا نسحب منك كل دلالة تقيدك إلى الأرض، أليس الوطن معنى،  والمعنى يتغير مع كل سياق؟ صحيح أنت الفدائي والشهيد ولكن ليبق هذا سراً بيننا، لأن الفداء والشهادة لا تبادلهما مصارفهم بالذهب· هل تريد لنا الاحتفاظ بأوراق نقدية لا رصيد لها؟ صحيح أنك الفلسطيني· ونعترف لك بنصف هذه الكلمة أو ربعها حسب الظروف، لكن أحلامك تتجاوز أعمارنا القصيرة وقصائدنا المترفة، ورذائلنا الصغيرة، وتجمل شاراتنا وألقابنا طرائف، وتمزق هدوءنا وبريق المهرجانات التي تنتظرنا· أحلامك كابوسنا على وجه الحقيقة·

سيقولون لك كن كابوساً في كندا وأستراليا ومدن الشمال الأوروبي، ولكن لا تقلق أوجارنا، ولا تشعل الحرائق في حدائقنا البيتية، ولا تزعج نساءنا الوطنيات حاملات أسهم الكازينو، ولا المخلصين حاملي هويات الشخصيات المهمة جداً· دعنا نأخذ بيدك أيها الضوء الضرير، ونهيئ لك المحميات الآمنة، ونعدك أن تكون حراً في طبخ أي حساء تريد، دعنا نسمعك تهويدة لا يجيدها سوى شعرائنا العالميين الذين ندق بهم أبواب جائزة نوبل، ونسوّقهم في كل مهرجان وحدث عظيم ينشروا فضائلك·

أيها الفلسطيني، أيها اللاجئ أيها الجحيم الذي يهدّد بقصف أعمارنا قبل أن يقصف أعمار سكان المستعمرات الصهيونية··· لماذا لا تذهب إلى الجحيم؟

****

سيقولون لك كل هذا، ولكن لا تخش الموت· لا يروعنك القبر الجماعي فوق الأرض أو تحتها· السماسرة وحدهم يخشون الموت وضباع الصهيونية المتشبثة بالساحل الفلسطيني وأطفال الأنابيب الأمريكية· ضع يافا· بين عينيك وحيفا بين يديك· فما زال الإخوة والأخوات يغنون للساحل الذي مسحوه عن الخريطة· وما زال الإخوة والأخوات يوقدون النار في عراء هذا العالم· وما زالت الأرض تهتز تحت أقدام الديناصور الاستعماري، وتنصب له الشراك في كل مكان·

خذ الخريطة، خريطتك البسيطة، ودع لهم خريطتهم الزائفة، وارحل في هذه الأبدية· لست وحدك مثلما يكتبون ويعلنون، وهل يكون وحيداً من احتواه الكل واحتوى الكل فيه؟ عزلة السماسرة القادمين من سهرات أوسلو قاسية، يدفئها مشهد مراعيهم الخاصة وصفقاتهم، وعزلة الضباع قاتلة لا تهدهدها سوى الخرافة، وأنت الواقع الأعمق من الصفقات والخرافات، لأنك الواقع والممكن، لك المعنى والدلالة، الوجود والأرض، ضع يافا بين عينيك وحيفا بين يديك وامتزج بالممكن والأبد·

****

إن لك ثلاث حكايات لا تتقدم إحداها على الأخرى، حكايتك مع ضباع الصهيونية التي مزقت لحم أبنائنا في أسواق حيفا، وأحرقت أمهاتنا في مغارة الدوايمة، وذبحت أطفالنا على أسرتهم في قرانا النائىة، وحكايتك مع السماسرة المضبوعين وهم بكامل أناقتهم· هؤلاء الذين شهدتهم يبيعونك للبريطانيين ثم للصهاينة، وها هم يقيمون ولائم صفقاتهم في رام الله وأريحا وجنين، وهم بكامل أناقتهم أيضاً·

وأخيراً حكايتك مع الأنظمة العربية البلهاء التي تتظاهر بالموت من خشية الحياة· وتهرب بأعجازها الخاوية خوفاً من قسوة الربيع، وتجثم آمنة في شرانقها·

ثلاث حكايات لا تتقدم إحداها على الأخرى، بل تحدث في آن واحد معاً، لا تنخدع بالتأخير والتقديم، لا تنخدع بمقولة إما هذا أو ذاك· تقسيم الأرض خديعة، ولغو مفاوضات سماسرة أوسلو فجور، وخريطتهم السرية لهم وحدهم· وأنت المنبوذ في حفلة السماسرة والضباع·

ارحل إلى موتك، فكل حي مصيره الموت· أنت حي وأنت تموت، وميت حين تستسلم، وتسلم لهم أجيالك كلها· حتى الإفريقي البسيط اكتشف منذ أقدم الأزمنة أن قتل الأم الولود من أفظع الجرائم لأنه يعني قتل أجيال من الأطفال الذين كانت ستلدهم، فكيف هي جريمة قتل وطن؟!

لا أقول لك لا تساوم على دماء الشهداء، فدم الشهداء ليس عرضة للبيع، إنه ملك الأبدي، ولكن لا تساوم على الحياة فيك، لك ولأجيالك القادمة، لا تساوم على حق الحياة لك ولكل إنسان ولكل حي في هذا الكون·

لا يخدعنك من يستعدون لذبح وطنك· ودلالة الوطن، في سبيل قهوة صباحية مع الضباع، ولا يخدعنك من ينكرون وجود شاطئ حيفا وسماء يافا وبساتين مرج ابن عامر وإطلالة الكرمل، لا يخدعنك هذا السمسار الضاحك الذي وضعوا صورته مكان صورة الفدائي على جدار بيتك المهدم، فالجمال ليس أكذوبة، وندى سريس مرج ابن عامر ليس خرافة، والفدائي ليس جملة عابرة في سياق، كتبها ورسمها السابقون لنا، وسنكتبها ونرسمها لمن يأتي بعدنا هل يخضع حقنا في وطننا للسياق؟ هل هو لفظة يتغير معناها بتغير السياق؟ أم أنه حقيقة أبدية، وجود تقع الأشياء في سياقه وتتغير؟ ما هو حق يظل حقاً· ما كان كذلك قبل آلاف الأعوام يظل كذلك بعد آلاف الأعوام: حق الكائن الإنساني في بيته وكرامته وحياته·

لا يخدعنك السماسرة وهم يتحدثون عن الحق الفلسطيني في الوطن وكأنه لفظة عابرة يتغير معناها بتغير السياقات· فما يريدونه هو الخلط والفوضى، ليتساوى القاتل بالضحية، واللص بصاحب الدار، والسمسار بالفدائي، وتمضي خيولهم إلى مراعيها آمنة مطمئنة·

****

لا تساوم· فليس لك ما تساوم عليه، أنت صاحب الأرض واللغة والأغنية والنشيد في هذه البقعة من العالم· والأرض لا تتجزأ وكذلك اللغة والأغنية والنشيد· أنت صاحب المعنى والدلالة· ولا يساوم على معناه ودلالته طائر ولا حيوان ولا شجر··· فما بالك بالإنسان؟ الفلسطيني بلا فلسطين معنى ولكن لا دلالة·

لا تساوم، فأنت لست وحيداً كما يزعم الندابون والمطربون والمهرجون· أنت من هذا الكل الذي يعصف في كل الأرجاء من قارة إلى قارة· أنت من هذا الغضب الذي يحاصر ديناصور الرأسمالية البشعة، قاتل الأطفال والأشجار وعدو الحياة، وناشر الفزع والبشاعة وسيول الأباطيل· التمع بهذا الفعل المقاوم، الشاهد والشهيد على مشارف الأبدية· فأنت من دون فلسطين قضية فارغة·· وأكذوبة·· واسم بلا مسمى·

يقول سماسرة أوسلو إنهم أعدوا لك الرحلة والذاكرة، فقل لهم شكراً، لي رحلتي وذاكرتي·

يقول الغزاة الصهاينة إنهم عاشوا الجحيم في جنين، فقل لهم إنهم سيعيشون الجحيم في كل زمان ومكان، إلى أن يبتلعهم الجحيم·

طباعة  

مشاركة كويتية في حوار الثقافات في باريس
 
الجرار المكسورة!
 
إصدارات
 
وتد
 
المرصد الثقافي