رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 27 ريبع الأول-3 ربيع الآخر 1423هـ الموافق 8-14 يونيو 2002
العدد 1530

قصة

أمانة الأستاذ سفلان!!

 

حمد عبدالعزيز العيسى/ كاتب من السعودية

الحمقى وحدهم يحتقرون تجارب غيرهم”··· بسمارك

قال الراوي لكاتب هذه السطور: لقد بحت لك بهذه القصة من قبل، ولكن ذاكرتي التي كانت حديدية بدأت تخونني أخيراً، حيث أصبح نصفها الأيمن كالحاً والأيسر حالكاً، وذلك بفعل عوامل التعرية التي ينتجها أصحاب الجلود السميكة، أووه يا رفيقي·· ما أكثرهم! ما أكثرهم! ما أكثرهم! فعليك يار رفيقي الأزلي بتذكيري إن نسيت، وأرجوك وأتوسل إليك أن تمنعني من الاسترسال في الحديث عن المحظور بعد فتح خزان اللاشعور!

قال الراوي·· تتماهي التعاسة وتصبح أنقى من الألماس عندما ينسحب الأفق من مكانه تاركاً فراغاً مرعباً في انتظار “المجهول”، ويظل الجرح مفتوحاً إلى الأبد في “غربة”، ويصبح الشعور الوحيد الذي يسيطر عليك هو “عدم الشعور”، ويصير الإحساس بالزمان والمكان سيان، حيث يزول الفارق بين الصباح والمساء، والسبت والجمعة، والصيف والشتاء·· وأيضاً بين الدمام وروشستر (قال الكاتب: حيث مايو كلينك، ومن سمات “الحكماء” من أمثالك أن يحصلوا على فيزا لزيارة بلاد العم سام صالحة لعامين ولكن في أتعس يوم في تاريخ أمريكا أي تحديداً في 11 سبتمبر! عليك تحمل تبعات إلغائها لأن العم سام لا يستثني “الحكماء”، وانتظر صدور الفيزا الجديدة بعد تسعة أسابيع!)·

واصل الراوي·· وذات يوم خميس تعيس آخر، وبعد أن تناولت وجبتي غير الشهية المكونة من قرص إيميجران (قال الكاتب: 100 مجم) مع الماء محاولاً إيقاف الصداع النصفي المتواصل واللعين، وهو القرص الثالث والأخيرالمسموح به في يوم واحد (قال الكاتب: وبعد القرص الثالث تحدث أعراض تعيسة في الصدر!)، ذهبت إلى مكتبتي المنزلية، ثم وضعت شريطاً في جهاز الفيديو لمشاهدة فيلمي المفضل في مثل هذه الظروف وهو الفيلم الكوميدي (قابل الأبوين) من بطولة الرائع دائماً روبرت دينيرو وأيضاً المدهش بن ستيلر الذي يلعب بإتقان مذهل دوراً غبياً ولكن مضحكاً للغاية يزيد من طرافته اسم الأخير غير البريء في الفيلم وهو “ف و ك ر”· وبعد دقائق من عرض الفيلم، دخل ابني الأكبر البالغ الحادية عشرة من العمر وجلس بجانبي كعادته عندما أشاهد أي فيلم· وعندما وردت كلمة إنجليزية بذيئة في الحوار تبدأ بحرف الشين، قال ابني: أنا أعرف معنى هذه الكلمة يا أبي، إنه غير مهذب، إنه·· قاطعته: ليس كما تظن، إنهم يقصدون التعبير عن الغضب مثل “تبّا”· ابتسم ابني بخبث، وتابعنا مشاهدة الفيلم، وعندما قام دينيرو بنطق اسم ستيلر الأخير بسخرية قال ابني: وأيضاً أنا أعرف معنى كلمة ف·· قاطعته بعصبية: اصمت، إنهم يقصدون·· وبدأت أفكر في معنى شديد المواربة لهذه الكلمة البذيئة جداً·· وتماهيت في التفكير وسرحت قليلاً، ثم تجلت في الذاكرة صورة·· لم تلبث أن تحولت إلى صور كثيرة تبدو عتيقة ومشوشة··· وأخذت الصور تتشكل تدريجياً حتى صرت أراها بوضوح·

تابع الراوي··· كان صباحاً جميلاً آخر في عام 1972، حيث كنت أبلغ الحادية عشرة من العمر، عندما أخذت أتأكد أن حقيبتي المدرسية “السامسونايت” - البلاستيكية وحديثة العهد في الأسواق آنذاك - جاهزة من حيث الكتب والدفاتر والمقلمة وعلبة الهندسة “وساندويتش” الجبن مع المربى، ولكن الأهم من كل شيء وجود علبة عصير طماطم “هنتز” مع المفك، حيث تصر والدتي أن أشربه يومياً للقضاء على فقر الدم المزمن ولكن هيهات (قال الكاتب مبتسماً: أفادني صديق عبر الإنترنت أن الدراسات العلمية أثبتت أن عصير الطماطم يساعد على التفوق في مادة الرياضيات)· أخذت مصروفي اليومي من والدتي والمكون من نصف ريال مكون أربع قطع معدنية، ثم خرجت بفرحة وبراءة من منزلنا الكائن في حي العدامة الأرستقراطي في الدمام (قال الكتاب بتهكم: عفواً! كان ذلك سابقاً يا عزيزي، وهو في أحسن الأحوال حالياً حي “كحيان” وفي رواية “كحيتي!)، والذي يغلب على ساكنيه النازحين من منطقة نجد من وسط الجزيرة، وتوجهت إلى مدرسة “سيف الله المسلول” الابتدائية التي تقع على بعد نحو خمسين متراً من منزلنا، وفي الطريق مررت بسمجد الحي الذي لا تكتفي والدتي بأن أصلي فيه، بل وتحضني دائماً على اصطحاب جارنا القصيمي الشيخ صالح إمام المسجد الضرير ومرافقته إلى المسجد ذهاباً وإياباً·

وصلت المدرسة، وبعد طابور الصباح والتمارين الرياضية والإذاعة المدرسية، دخلت فصلي: “خامس أ”· وبعد الحصة الأولى والثانية، حان وقت الحصة الثالثة، ودخل أستاذ سفلان وهو مدرس مادة·· (قال الكاتب مقاطعاً بسرعة وبتوتر: نقطة نظام! لابد من المواربة هنا حتى لاتدخل في المحظور!)، ويدرس أم المواد، وكان يلبس ثوياً أبيض و”شماغ” برتقالي اللون من دون عقال، وكان يحمل العصا في يد وظرفاً بني اللون في اليد الأخرى، ولأنني عريف الفصل قلت: قيام، وقال الأستاذ سفلان: جلوس، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أبنائي، اليوم لن أشرح درساً جديداً بل عليكم بالمراجعة الصامتة استعداداً للاختبار الشهري· جلس الأستاذ سفلان علي كرسيه الحديدي الصدئ، وأخرج من الظرف البني كتاباً مغلفاً بجلاد بني شاحب اللون وأخذ يقرأ فيه· بدأت بمراجعة الدرس الأول وما يحتويه من أركان خمسة أساسية، ولكن “سند” صديقي الوفي والجالس خلفي بدأ بالهمس والمشاغبة· وبعد خمس وأربعين دقيقة، قرع الجرس وحان وقت الفسحة، وقال أستاذ سفلان: أحسنتم يا أبنائي وجزاكم الله خيراً، ثم توجه أستاذ سفلان نحوي وكنت جالساً في الصف الأول ولكن في آخر مقعد على يسار الأستاذ سفلان، وقال بعد أن وضع الكتاب في الظرف: يا بني ضع هذا الظرف في حقيبتك ولكن إياك ثم إياك (قال الكاتب: لقد نسيت “إياك” الثلاثة!) أن تفتحه لأنه “أمانة” وسلمة لأستاذ عباس في الحصة الرابعة· لا أدري لماذا اختارني أستاذ سفلان لحظ هذه “الأمانة”، قد يكون لأنني الأول على الفصل (قال الكاتب: حقاً لقد أصبحت ذكراتك خردة! بل لأنك الأول على المدرسة ولقبك المؤدب)· فتحت الحقيقة ووضعت الظرف فيها وأخذت علبة عصير الطماطم و”ساندويتش” الجبن مع المربى ثم أقفلت الحقيبة وبدلاً من تركها في الفصل كالعادة، أخذتها معي إلى المقصف· وفي الطريق، ألقيت علبة عصير الطماطم و”ساندويتش” والدتي في الزبالة كالعادة، وتوجهت إلى مقصف الفراش “خليفة” واشتريت كولا بربع ريال وساندويتش فلافل بربع ريال مثل باقي الأولاد، وقبل أن أبدأ في الأكل، أمسك بيدي صديقي “سند” وقال بتهكم: أهلا أيها المؤدب! ثم أضاف بفضول شديد وهو يبتسم بخبث: ماذا أعطاك أستاذ سفلان؟ قلت: لا أعلم ولكنها “أمانة”· سحب سند الحقيقة مني بقوة وأخذها ثم قال: اتبعني إلى الفصل· سند مثلنا من منطقة نجد وهو جار وصديق عزيز وأيضاً مرعب· ولأنني بالإضافة إلى فقر الدم أتمتع بفقر سرمدي في العضلات، لا أستطيع أن أرد لسند طلباً لأنه بمثابة المنقذ لي وقت الأزمات (قال الكاتب: أي بودي غارد)· دخلنا الفصل الذي كان خالياً، وفتح سند الحقيقة وأخرج الظرف وسحب الكتاب وفتحه وإذا بالكتاب يحتوي على صور ملونة لرجال ومخلوقات أخرى (قال الكاتب بإحباط: عفواً المواربة مستحيلة هنا لأنها واضحة أي: نساء!)، وهم في أوضاع عجيبة كأنهم يلعبون الجمباز أو يتعاركون مثل برنامج المصارعة (قال الكاتب: تسمى “الحرة!”) الذي كان آباؤنا مدمنين على متابعته مدبلجاً بالعربية في تلفزيون أرامكوا الذي كان يبث من الظهران، وظننا أنا وسند أنهم فقراء لأنهم لا يملكون ملابس لكي يرتدوها (قال الكاتب: المواربة مطلوبة هنا! هم يملكون الأموال بكل تأكيد، ولكن الجو كان حاراً، وفي رواية ساخناً!!)· بدأنا ننظر إلى الصور باندهاش، ثم ننظر إلى بعضنا بانبهار، إنها أشياء جديدة، وأحسسنا أن دقات القلب زادت والتنفس أصبح سريعاً، وفجأة ضرب الجرس معلناً انتهاء الفسحة، فأدخلنا الكتاب الملون في الظرف ثم وضعناه في الحقيبة، وقبل أن أبدأ في أكل الساندويتش وشرب الكولا، قرع الجرس معلناً بداية الحصة الرابعة·

قال الراوي·· انتهت القصة، أنزلوا الستائر، وأطفئوا الأنوار (قال الكتاب: كلا! فعلاً، لقد أصبحت ذاكرتك خشبية! هناك أشياء لم تقل بعد وثمة بقية!!)· ابتسم الراوي وقال: أحسنت يا رفيقي، لقد تذكرت!

تابع الراوي·· دخل أستاذ عباس مدرس مادة الحساب مرتدياص قميصاً أبيض “وبنطلون” كحلياً ومعه العصا، ونلقبه بالغثيث (قال الكاتب: أي ثقيل الدم)، وقلت وأنا أشعر بالجوع: قيام، وقال أستاذ عباس: جلوس، لم يلق التحية، ولكنه قال: اليوم لن أشرح درساً جديداً بل عليكم بالمراجعة الصامتة استعداداً للاختبار الشهري· توجه أستاذ عباس نحوي وقال: أين “الأمانة”؟ أعطيته الظرف البني وأنا أرتجف، لم يقل شكراً، ثم جلس أستاذ عباس على كرسيه الحديدي الصدىء، وأخرج من الظرف الكتاب الملون وأخذ يقلب الصفحات·ولكن في هذه المرة أخذت أنا وسند ننظرإليه باستمرار، ثم ننظر إلى بعضنا بدهشة، ولاحظنا أنه كان يبتسم على غير عادته منذ عرفناه في صف “ثالث أ”، حتى قرع الجرس، وحان وقت الحصة الخامسة· وضع أستاذ عباس الكتاب في الظرف ثم خرج ولم يلق التحية·

قال الراوي·· انتهت القصة، أنزلوا الستائر، وأطفئوا الأنوار (قال الكاتب: مهلاً! ماذا دهاك؟ ثمة بقية!!)· ابتسم الراوي وقال: فعلاً، لقد تذكرت!

واصل الراوي·· وفي اليوم التالي، تأخرت أنا وسند بعد نهاية الفسحة في العودة للفصل، وذهبنا إلى الساحة حيث توجد الدراجة الهوائية السوداء الخاصة بأستاذ سفلان، وقمنا بخرق العجلات الأمامية والخلفية بمسمار، وأيضاً وضعنا علكة شديدة اللزوجة على المقعد (قال الكاتب: على فكرة، أدركتم معاني “الأشياء” في 24 ساعة فقط!!)·

··· أبي أبي أبي، أين سرحت؟ قال الراوي: هكذا قال ابني· قلت: نعم، ماذا كنا نقول؟ قال: أنا كنت أقول لك إنني أعرف معنى كلمة ف·· قاطعته بحدة: أصمت ولا كلمة، ولكن قل لي من أين تعلمت معناها يا حبيبي؟ قال: من المدرسة· قلت: ليست كما تظن! أنهم يقصدون بها التصرف بغباء أي “لقد أخطأت” وأضفت وأنا أحك رأسي: ماذا؟ تعلمتها من المدرسة؟! يا إلهي! أنت “أيضاً” في صف “خامس أ”، أليس كذلك؟! قال: نعم ولكن ماذا تعني بقولك “أيضاً”؟ قلت: لا تهتم، ولكن ذكرني يا حبيبي ما ترتيبك؟ قال: الرابع؟ قلت: الحمد لله، وهل عندكم أي مدرس اسمه سفلان أو عباس·· وإلا بلاش·· لا لا لا·· هذا غير معقول، لابد أنهم تقاعدوا أو رمبا·· حسناً·· ولكن·· نعم كل شيء جائز·· أرجوك يا ابني هل عندكم أي مدرس اسم والده سفلان أو عباس؟ قال: لا أعلم، ولكن لماذا تكذب يا أبي؟ إن معنى هذه الكلمةهو في منتهى قلة الأدب، إنها تعني··· قاطعته وأنا أبتلع قرص إيميجران الرابع بسرعة ومن دون ماء: إخرس، ولن نتابع الفيلم، واذهب وقل لوالدتك وباقي القبيلة إننا سنخرج بعد نصف ساعة إلى الكورنيش للنزهة· قال: كورنيش الدمام؟ قلت: كلا بالطبع! ألم تسمع أن كورنيش الدمام أصبح لونه رمادي أخيراً؟ سنذهب إلى كورنيش الخبر بكل تأكيد لأن لونه وردي، ولأنه أيضاً كورنيش مستقبلنا الذي لن يتحقق لسببين: أحدهما صعب والآخر مستحيل!!

قال الراوي: الآن انتهت القصة، أنزلوا التسائر ولكن أتركوا الأنوار مضيئةحتى نضع نقاطاً “فوق” الحروف (قال الكاتب: وفي رواية “تحت” الحروف!)·

نقاط وحروف!!

يؤكد كاتب هذه السطور أن الراوي صديق وثقة ويعرفه منذ الأزل، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد (قال الراوي: وسيظن بعض الأذكياءأنني حبل الوريد!!)، ولذلك يقسم الكاتب على أن قصة الأستاذين سفلان عباس حقيقة (أضاف الراوي: بما في ذلك مداخلات ابني وحادثة عصير الطماطم الشهيرة!) ولكن الأسماء طبعاً مستعارة، ويضيف الكاتب أنها يمكن أن تقاس - مع الفارق - على قصة روبرت ستيفنسون “دكتور جيكل ومستر هايد” الكلاسيكية (أضاف الراوي: وهي أيضاً متوافرة منذ 1996 كفيلم بديع - لكنه لم ينجح - بعنوان “ماري ريلي” من بطولة جوليا روبرتس وجون مالكوفيتش)· ويوضح الكاتب أنه قال للراوي: ما كان أغناك عن هذا البوح وفي هذا الزمان بالذات! ولماذا تلقي بنفسك في المحيط العميق وأنت لا تتقن السباحة كما أعرف؟ قال الراوي: هذه قصة واقعية ومن المحتمل أن تحدث في كل زمان ومكان بل وبوصورة أبشع كثيراً، ولكن من دون تعميم بخصوص اسم أو مهنة أوهوية لأن التعميم في مثل هذه الأمور الإنسانية هو عدو للموضوعية وبالتالي ينافي المنطق السليم، والدافع لسردها هو إرضاء ضميري - ولو متأخراً - بالحديث عن أخطر الأمراض السوسيولوجية التي تعاني منها وهو “الازدواجية”، وأجزم أن القارئ الذي تيغلب عقله على عاطفته وهو بالضرورة مطلع ومتفهم لطبائع البشر سيجد في هذه القصة عبرة، وأما القارئ الذي تتغلب عاطفته على عقله والمتربص دائماً فيسقفز “متطهراً” ومهاجماً ونافياً، ويود الراوي أن يقول للقارئ الأول: شكراً، وللثاني: أقترح أن تفكر بعقلك أكثر، حتى لا تختل أحكامك في كل أمورك، لأن إنكار الشيء لا يعني عدم وجوده كما يقول الحكماء!! وأيضاً لأن أسوأ العيوب هو تجاهلها!!

قال الراوي وهو يبتلع قرص إيميجران الخامس بسرعة ويضع يده على صدره: الآن·· هنا·· أرجوكم أطفئوا الأنوار قبل أن يتسرب من ثقوب اللاشعور المزيد من التابو (لقطة)·

طباعة  

وفاء لأستاذه الراحل خالد سعود الزيد
عباس الحداد يدعونا إلى “إطلالة على سيف كاظمة”

 
وتد
 
شعر