مجموعة من المقالات والدراسات الأدبية والتاريخية للراحل خالد سعود الزيد، جمعها الناقد الشاب عباس يوسف الحداد في كتاب صدر حديثا بعنوان “إطلالة على سيف كاظمة”، وفاء لأستاذه الزيد الذي عرف عنه حبه وحلمه وترحيبه الدائم بتلامذته ومريديه، لينهلوا من معارفه الرحبة وعلمه الواسع·
وقد قسم الكاتب الحداد محتويات كتابه الى ثلاثة فصول (تاريخ الكويت الأدبي ونهضتها الثقافية - أعلام من الكويت - رؤية في الموروث الشعبي) وأدرج تحت كل عنوان مجموعة من المقالات والدراسات التي كتبها الراحل الزيد، مشيرا الى أن هذا العمل التوثيقي قد نال موافقة الراحل الزيد قبيل وفاته، بعد أن اطلع على مسوداته الأولية، حيث وافق على بعض الاختيارات ونحى بعضها الآخر الذي لم يرغب في نشره·
جهد بحثي وتوثيقي واضح بذله الناقد الحداد، خدمة لأعمال الزيد الأدبية الخالدة، ووفاء للراحل الـ “خالد”· وهنا مقاطع من مقدمة الكتاب بقلم عباس يوسف الحداد:
“هذا كتاب جمعناه مما تناثر وتفرق من مقالات ودراسات للمؤرخ الأديب خالد سعود الزيد، نشرت في المجلات المحلية والعربية، وأخرى لم تنشر من قبل، أو نشرت على نحو غير الذي تنشر عليه اليوم·
ففي العام 2000 بدرت لي بادرة بأن أقوم بجمع كل المقالات والدراسات التي خطها الزيد ونشرها في الصحف والمجلات ولم يجمعها وينشرها في كتاب، فرحت أقلب أرشيفي الضخم الذي زودني به الزيد - رحمه الله - عبر علاقتي الشخصية به الممتدة من العام 1985 حتى العام 2001·
فلم يكن يضن علي بشيء مما كان يخطه أو يطبعه، فقد رأى أن تلامذته هم كتبة السيارة، وعبارته الحية الناطقة التي لا تتوقف بتوقف الوجود الجسدي له، “أصحابي كتبي” كما يقول الإمام أبو الحسن الشاذلي·
وصرت حريصا على هذه الأوراق وتلك الملفات التي أضحت أرشيفا ضخما يوما بعد يوم، فيها سيرة الزيد الفكرية والأدبية، عبر مخطوطاته التي خطها بيده، أو مطبوعاته التي رعاها بنظره، كما لا تخلو هذه المقالات وتلك الدراسات من التأريخ لفترة أدبية وفكرية مهمة في تاريخ الكويت الفكري والثقافي، إذ إنها جاءت بعد حصول الكويت على استقلالها في العام 1961، وكأنها إيذانا بترسيخ مفهوم الهوية، مفهوم الانتماء، والوجود الجغرافي والتاريخي عبر المفهوم الفكري للكويت وجودا وحدودا·
في صباح يوم قائظ من أيام الكويت في فصل الصيف للعام 1985 - وكنا قد أنهينا اختبارات نهاية الفصل الدراسي أنا وعلي عاشور - اصطحبني علي عاشور الى رابطة الأدباء في العديلية، وهناك التقيت بالزيد للمرة الأولى عن قرب، كان يجلس ممددا على مقعد، حاسر الرأس، مرتديا جلبابا أبيض اللون كلون قلبه، وقد راح يتحدث مع نفسه بصوت عال، فقد جاء لتوه من عيادة “مرضى السكر” وقد أخبره الطبيب المختص بارتفاع نسبة السكر في الدم عن المعدل الطبيعي ارتفاعا خطيرا، وكان يفكر كيف لو جاءه الموت الآن وما زال أبناؤه صغارا، وما زال أصغر أبنائه (جاسم) لم يتجاوز سنواته السبع بعد، إنه كان يفكر فيهم مليا، ويسأل الله أن يتم عليهم نعمته وأن يأخذ بأيديهم الى طريق الحق والى طريق الخير·
من هنا، بدأت علاقتي بالزيد تتوطد يوما بعد يوم، وقضيت صيف هذا العام أذهب صباح كل يوم الى الرابطة، أجلس معه، لأنهل من علمه، وأغرف من حلمه بقدر ما يتاح لي، ولا أذكر أنني منذ عرفته - رحمه الله - قد جلست إليه صباحا أو مساء دون أن أخرج بمعلومة لغوية أو نحوية أو صرفية أو أدبية أو نادرة تراثية أو خبر ذي دلالات أو غير ذلك، وقد كان هذا ديدنه مع كل أحبابه وجل أصحابه الذين كانوا يختلفون إليه في مكتبته الخاصة التي شيدها في العام 1986 بعد حصوله على التقاعد من العمل·
وفي العام 1989 عزم الزيد على إقامة معرض للمخطوطات والمطبوعات العربية والكويتية، فقد كان يملك مكتبة من المخطوطات متميزة، فعرض علي أن أشاركه إعداد كتاب وصفي لكل محتويات معرضه من مخطوطات ومطبوعات كويتية نادرة، فغمرتني السعادة وشعرت بحجم ما سأستفيده من علم ومعرفة من ذلك الرجل العالم·
وعكفنا سويا على وصف المخطوطات والمطبوعات من كتب ومجلات، من صور ومسودات، كنا نعمل حتى أوقات متأخرة من الليل غير شاعرين بوهن أو تعب، كان الزيد ينقب عن المعلومة، ويربط المعلومة بالمعلومة حتى تصبح موضوعا، تعلمت منه تحقيق المادة العلمية وعدم تصديق كل ما يكتب إلا بعد فحصه وتدقيقه، حذرا في التعامل مع المكتوب إذا وجد دليلا ينفي مثبتا أو يثبت منفيا، وقد تواصل عملنا حتى خرج في كتاب عنوانه “فهرس المخطوطات والمطبوعات الكويتية النادرة في مكتبة خالد سعود الزيد” في العام 1990·
وأقيم معرض المخطوطات والمطبوعات العربية والكويتية النادرة في 13 فبراير 1990 وكان الأول من نوعه يقام في الكويت، وقد نهب الغزو العراقي المعرض كاملا في 2 أغسطس 1990 ولم يبق منه شيء·
وظلت علاقتي بالزيد تزداد قربا وتزدان حبا يوما بعد يوم، أزوره في مكتبته الكائنة في منزله بضاحية عبدالله السالم كل صباح تقريبا· ثم أكرر هذه الزيارة في المساء، أجلس مستمعا لأحاديثه في الأدب ومغترفا من علمه ومعرفته، أناقشه فيما كنت أقرأ، وفيما كان يقول، وهو يجيب عما أسأل دون ضجر وبرحابة صدر، لا يمل الحديث في العلم والمعرفة، كنت أنصت الى قوله بأذن واعية، تسجل من الأحاديث ما تستطيع، وبيد تدون من العلم ما لا تستطيع أن تحفظه الذاكرة·
وفي العام 2001 قمت بجمع مقالاته ودراساته وقصائده وتعليقاته ومقدماته النثرية والشعرية، وتقدمت إليه بها طالبا منه أن يسمح لي بنشرها، فوافق على ما صنعت، وأيد نشرها بعد أن نحى جانبا ما لا يراه مهما·
وقد خولني الزيد بطبع هذه المقالات والدراسات والتصرف بها على النحو الذي أراه، وذلك عبر شهادة مطبوعة وموقعة بخط يده، ألحقتها في نهاية هذا الكتاب·
وفي مساء الخميس الموافق 11 أكتوبر 2001 كنت على موعد مسبق معه - رحمه الله - في منزله، وفي تمام الساعة السابعة كنت عنده في المنزل وكان جالسا ينتظرني في غرفة الطعام التي كنا نجلس فيها سويا أحيانا·
كنت أحمل إليه (البروفة) الأخيرة من كتابنا والصديق الدكتور علي عاشور “خالد سعود الزيد سيرة ومنهجا” نظر الى الكتاب وأثنى على جهدنا، وبعدها حدثني عن أهمية قراءة القرآن والمواظبة على قراءته بتفكر وتدبر باعتبار أنه يحمل أخبار من قبلنا وأنباء من بعدنا ولسان حاضرنا·
وبعد أن مضى وقت ونحن جالسون معا، هممت بالذهاب، فأمسك بي ودعاني لتناول العشاء معه، وبعد أن تناولنا العشاء كانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة مساء، فاستأذنته وودعته على أن نلتقي غدا الجمعة في مكتبته التي اعتدنا أن نجتمع فيها كل جمعة بحضور شاعرنا الكبير علي السبتي، ولم يكن يدر في خلدي في حينها أن ما تناولته معه كان العشاء الأخير، وأن جلستنا هذه كانت اللقاء الأخير الذي يجمعنا”·