رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 27 ريبع الأول-3 ربيع الآخر 1423هـ الموافق 8-14 يونيو 2002
العدد 1530

الدور الأمريكي في انهيار المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية (2-2)
كيف سلق كلينتون قمة كامب ديفيد وحاول فرض خطة باراك على عرفات؟

·        الكونغرس صادق على صفقة أسلحة لإسرائيل ولم يعترض على قتلها المدنيين

·        خطة كلينتون في ديسمبر 2000 لم تذكر غير السيادة الإسرائيلية ولم تقدم أي خرائط

·        الإسرائيليون كانوا في طابا أكثر سخاء من كلينتون لكنهم تراجعوا فجأة بلا سبب معلن

·        الحزبان الجمهوري والديمقراطي يريدان أن تقرر إسرائيل مصير الفلسطينيين

·        لماذا تحقق التقدم الكبير في غياب الوسيط الأمريكي ورعايته؟

·        واشنطن أرادت دوما إلغاء القرارات الدولية من جانب واحد

 

كان مفترضا أن تكون إدارة كلينتون راعيا نزيها لعملية السلام، وتحديدا في كامب ديفيد من عام ألفين· لكن الوسيط لم يكن وسيطا، إنما كان حسب ستيفن زونس، وهو محرر قضايا الشرق الأوسط في دورية Foreign Policy In Focus وأستاذ مشارك للسياسة ورئيس برنامج دراسات السلام والعدل في جامعة سان فرانسيسكو، كان الوسيط الأمريكي طبعا جزءا من الفريق الإسرائيلي المفاوض أو كان الوفدان الإسرائيلي والأمريكي وفدا واحدا بجنسيتين·

ويعتقد زونس في تقريره الخاص الذي تستكمل “الطليعة” نشر الجزء الثاني والأخير منه أن الدور الأمريكي في عملية السلام أيام إدارة كلينتون كان مدمرا لا بناء· ذلك أن كلينتون تعجل كثيرا بالدعوة الى قمة كامب ديفيد قبل أن تنضج ظروف التفاوض على قضايا الوضع النهائي· وأجبر كلينتون عرفات على حضورها رغماً عنه· ثم حاول كلينتون إجبار عرفات على قبول خطة باراك التي لا تعيد الى الفلسطينيين أكثر من 80 في المئة من الأراضي المحتلة منقوصا منها القدس الشرقية ووادي الأردن والسيادة البحرية والجوية، وبالقدر نفسه من الأهمية التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية الجديدة·

وعندما رفض عرفات قبول ما يقل بكثير عن الحد الأدنى المقبول من الفلسطينيين، اتهمه كلينتون بتضييع فرصة السلام· وإليكم التفاصيل:

 

إن الحجة القائلة إن انهيار محادثات كامب ديفيد عائد الى مسؤولية فلسطينية حصرية تستند الى افتراض مساو لها في عدم الدقة ومفاده أن انهيار المحادثات يعني نهاية مفاوضات جوهرية أو نهاية رغبة الفلسطينيين في تسوية تفاوضية· في الواقع، تواصلت المفاوضات في أكثر من 50 اجتماعا في القدس في أغسطس وسبتمبر، وتحقق فيها تقدم مهم·

باراك يحمي شارون في الأقصى!

وعندما علم عرفات أن ارييل شارون، الذي كان آنذاك زعيما للمعارضة اليمينية، يخطط لزيارة استفزازية مقصودة للحرم الشريف تمنى على باراك وقف خطط شارون· وعلى الرغم من كون الحرم الشريف في القدس الشرقية، التي هي أرض فلسطينية يحتلها الإسرائيليون، أصر باراك على أن الزيارة هي شأن إسرائيلي داخلي· ولدعم خطة شارون، أحضر باراك مئات الجنود الإسرائيليين لمرافقة الزعيم اليميني وأسفر عن تظاهرات عنيفة للفلسطينيين قمعتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بوحشية مستخدمة طائرات الهليكوبتر والأسلحة الثقيلة الأمريكية الصنع من دون أي اعتراض معلن من حكومة الولايات المتحدة· (وحتى هذا اليوم، وعلى الرغم من التحقيقات التالية التي تؤكد النقيض، يصر أعضاء بارزون في الكونغرس من كلا الحزبين على أن التظاهرات العفوية كانت مخططة مسبقا من جانب عرفات وزعماء فلسطيين آخرين للقضاء على عملية السلام· وهذا الاتهام مشكوك فيه لما كان المتظاهرون إسلاميين أساسا وشبانا، أي ينتمون الى فئتين هما الأكثر نفورا من قيادة عرفات والأقل إطاعة لأوامره·

ما إن تصاعد العنف في ذلك الخريف حتى صادقت إدارة كلينتون على أكبر صفقة لبيع طائرات الهليكوبتر الحربية التي استعملت في بعض أسوأ الفظائع الإسرائيلية في الأسابيع التالية بما في ذلك الهجوم قبل يوم واحد فقط على مجمع سكني في غزة· وقد نقل بعضهم عن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية أن مبيعات الأسلحة لا تحتوي شرطا يحظر استعمالها ضد المدنيين وأن على الولايات المتحدة أن تحزر ما يريده ضابط إسرائيلي عندما يأمر بمثل هذه الهجمات· وقد انتقد تقرير صادر في 19 أكتوبر من عام 2000 الولايات المتحدة لتوفيرها مثل هذه الطوافات الحربية الجديدة· وفي الأسبوع التالي، وبعد سلسلة من التقارير القاسية بشأن حقوق الإنسان تنتقد الأعمال الإسرائيلية، صادق الكونغرس على قانون مساعدات أجنبية قيمتها 2.82 مليار دولار تكافئ إسرائيل على قمعها·

ولم يتضمن القانون أي تعديل يربط المساعدات بانتهاك حقوق الإنسان·

 

كلينتون يقدم خطة غامضة

على الرغم من ذلك، واصل المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون أعمالهم· وقدم الرئيس بيل كلينتون تسوية مقترحة في أواخر ديسمبر وإن كانت تفاصيلها أشد غموضا من أن تكون نافعة لا سيما أنها جاءت قبل فترة وجيزة من انتهاء ولاية كلينتون والانتخابات الإسرائيلية الوشيكة· لكن الخطوط العامة التي قدمها كلينتون كانت تحتوي بعض الجوانب التي أثارت خشية الفلسطينيين· فقد كررت خطته، التي جاءت في خطبة بارزة ألقاها قبل أسبوعين من مغادرة البيت الأبيض، دعوته لضم أجزاء غير محددة من القدس الشرقية المحتلة الى إسرائيل وكتل استيطانية كبيرة في أنحاء أخرى من الضفة الغربية· وإذا كان كلينتون أكد ثانية مطلب الفلسطينيين المركزي بشأن السيادة، فهو لم يقدم أي تفاصيل بشأن الأبعاد الحاسمة بالنسبة الى الأراضي أو الصلاحيات التي يمكن أن يسمح لمثل هذه الدولة الفلسطينية بأن تتمتع بها·

والجدير بالذكر هنا أن خطة كلينتون اقترحت سيادة إسرائيلية كاملة فوق الأراضي الفلسطينية المضمومة في الضفة الغربية في حين أنها تغافلت عن مسألة سيادة الدولة الفلسطينية في ما يخص المياه، الحدود، المجال الجوي وممرات العبور·

وفي اقتراحه، لم يأخذ كلينتون في الحساب القدس الشرقية الكبرى المحتلة أو المناطق الأمنية في وادي الأردن وغيره حين احتسب 94 في المئة من الضفة الغربية التي يزعم أن اقتراحه يقدمها الى الفلسطينيين·

لم يقدم كلينتون أي خرائط تطابق اقتراحه، وهذا ما جعل الفلسطينيين يرتابون، لكنه (أي الاقتراح) كان يبدو متوازيا مع اقتراح إسرائيلي في الشهر السابق لا تبقى فيه تشعبات المستوطنات الإسرائيلية ومناطقها المحيطة سوء ظل خادع لتواصل الأراضي الفلسطينية· بل يجبر الفلسطينيين في غالبيتهم على العبور في مناطق صحراوية شرقية· وكان من شأن اقتراح كلينتون أن يقسم الدولة الفلسطينية الى ثلاثة كانتونات غير متواصلة تفصل بينها طرق مخصصة لليهود وحدهم ومتصلة في ما بينها بطرق مخصصة للعرب وحدهم· ولكان مصير القدس العربية أن تنقسم الى عدد من الجزر غير المتصلة المعزولة إحداها عن الأخرى وعن بقية الدولة الفلسطينية· ولم تقدم لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل خرائط للقدس أما الترتيبات المتصلة بالحرم الشريف فقد كانت أدنى بكثير من تحقيق السيادة الفلسطينية· ولو تحقق اقتراح كلينتون لوجد نحو 80 ألف فلسطيني قروي أنفسهم ملحقين بإسرائيل· ولم يكن واضحا أيضا سبب اقتطاع ستة في المئة على الأقل من الضفة الغربية خارج القدس وإلحاقها بإسرائيل في حين أن المستوطنات لا تحتل غير اثنين في المئة من الأراضي، وفي الواقع، كانت هناك أراض شاسعة غير مأهولة لا سيما قرب القدس وبيت لحم، مصيرها الإلحاق بإسرائيل (حسب خطة كلينتون)·

دولة الجزر الفلسطينية

وكان يكمن في أساس الخطة الأمريكية افتراض إدارة كلينتون القائل إن التواصل الإقليمي (البري) لإسرائيل - أي ضم هذه الكتل الاستيطانية غير الشرعية - كان مهما، لكن التواصل الإقليمي الفلسطيني لم يكن مهما· أما غياب التواصل الإقليمي في الجانب الفلسطيني فيهدد قدرة أي دولة فلسطينية على البقاء، وذلك بعزل المناطق الحضرية الفلسطينية إحداها عن الأخرى وجعل توسعها الطبيعي خاصة حول رام الله وبيت لحم والقدس - مستحيلا· لقد تخلى الفلسطينيون تحت ضغط أمريكي ثقيل عن حقهم المكفول من القانون الدولي برفض إعطاء أي من الأراضي المصادرة الى إسرائيل، لكنهم أصروا على تبادل للأراضي متكافئ مساحة ونوعية”· غير أن إدارة كلينتون رفضت هذا المبدأ· ويبدو أن الاقتراح الأمريكي يقضي بدلا من التبادل العادل بإجبار الفلسطينيين على التخلي عن أراض ذات قيمة في الضفة الغربية مقابل أراض شبه صحراوية لا تعادل غير نصف مساحتها تقريبا في جنوب إسرائيل تستعمل الآن باعتبارها مطارح للنفايات السامة·

لم يذكر اقتراح كلينتون شيئا عن القدس باعتبارها مدينة مفتوحة للجميع وفقا للمطلب الفلسطيني· (ذلك أن الفلسطينيين المسلمين والمسيحيين تمنع إسرائيل تكرارا دخولهم الى الأراضي المقدسة في وضع مماثل لما كان قائما أيام السيطرة الأردنية على المدينة القديمة بين عامي 1948 و1967 عندما كان الأردنيون يمنعون دخول اليهود تكرارا· وأصر كلينتون أيضا على أن لا إلزام قانونيا لإسرائيل حتى تعيد استقبال اللاجئين الفلسطينيين المطرودين من أراضي 1948·

وتسمح الخطة الأمريكية لإسرائيل بنشر قوات في فلسطين في حالات الطوارئ، وبوجود عسكري مستمر في وادي الأردن وفي الأطراف الجنوبية البعيدة للضفة الغربية، وبموقعين عسكريين في مناطق أكثر كثافة سكانية في الأراضي· وقد تساءل الفلسطينيون عن مغزى الحاجة الإسرائيلية الى الحق في نشر القوات والوجود العسكري المستمر خصوصا أنهم وافقوا على تمركز قوة مراقبة دولية· وكانت هناك مشكلة أخرى في خطة كلينتون وهي أنها أعطت الإسرائيليين ثلاث سنوات كاملة لتنفيذ التزام إخلاء المستوطنات المنعزلة وسحب القوات العسكرية مما يفترض أن يكون جزءا من دولة فلسطين المستقلة· وعلاوة على ذلك، أصر الفلسطينيون على أن يكون أي اتفاق على الوضع الدائم اتفاقا نهائيا حقا لا يكون عرضة لأي مفاوضات أخرى· ففي الاتفاقات السابقة، غالبا ما كانت المفاوضات اللاحقة فرصة للولايات المتحدة لإجبار الفلسطينيين على قبول المطالب الإسرائيلية، في حين كانت الولايات المتحدة ترفض التصدي للعناد الإسرائيلي·

 

الإسرائيليون كانوا أكثر سخاء!

رفض الفلسطينيون خطة كلينتون رسميا في مطلع يناير من عام 2001، أما الآمال في أن تعقد الولايات المتحدة قمة فلم تتحقق· وعند هذه النقطة أوقفت الولايات المتحدة تدخلها· غير أن الجانبين اعترفا بأنهما صارا أقرب الى الاتفاق مما كانا في كامب ديفيد، واستأنفا المحادثات في طابا، مصر، وفي مدينة إيلات الإسرائيلية المحاذية في يناير مع تقديم إسرائيل مقترحات جديدة رد عليها الفلسطينيون بطريقة مناسبة· وعلى الرغم من ادعاءات باراك بعد كامب ديفيد أنه لا يمكنه الذهاب أبعد، كانت هذه الاقتراحات الإسرائيلية بعد ستة أشهر (من كامب ديفيد) تحسنا بارزا·

فقد أحدث العرض الإسرائيلي الجديد تعديلا جوهريا في المطالب الأمنية الإسرائيلية المتصلة بالأراضي، وبالمطالب الخاصة بالمستوطنات، أي بفصل القضايا الأمنية الإسرائيلية عن قضايا الاستيطان· فعلى سبيل المثال، عرض الإسرائيليون تقليص مراكزهم الأمنية في وادي الأردن عددا ونوعا فلا يعودون في حاجة الى امتدادات في الأراضي الفلسطينية· وفي الواقع كان العرض الإسرائيلي أكثر “سخاء” من “التسوية” المفترضة التي اقترحها كلينتون في الشهر السابق·

وقدم الفلسطينيون أيضا تنازلات عدة بالموافقة على ضم كتل استيطانية كبيرة (الى إسرائيل) مقابل بعض الأراضي الإسرائيلية في صحراء النقب جنوب قطاع غزة· ووافق الفلسطينيون أكثر من ذلك على السيادة الإسرائيلية على إحدى عشرة مستوطنة إسرائيلية، داخل القدس الشرقية الكبرى وحولها تحيط مناطق مأهولة بالعرب تاريخيا بما في ذلك الحائط الغربي والحي اليهودي· وكانت المرة الأولى يقدم الفلسطينيون خرائط تقبل الضم الإسرائيلي لأراض في الضفة الغربية·

ووافق الفلسطينيون أيضا على حل لمشكلة اللاجئين لا يهدد الغالبية اليهودية في إسرائيل: أي أن تعترف إسرائيل بحق العودة للاجئين الفلسطينيين لكن أن تقدم حوافز مالية تغري معظم اللاجئين بالتوطين في الدولة الفلسطينية الجديدة·

باراك تراجع فجأة

غير أن باراك سحب فريقه المفاوض فجأة ولسبب مجهول مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وتلاشت الآمال في عقد قمة متابعة في استوكهولم الى الأبد· وهكذا صار السلام قريبا بعد عمل مضن، لا في قمة كامب ديفيد في يوليو بوساطة الحضور الأمريكي القوي، إنما نحو خمسة أشهر تقريبا من بدء الانتفاضة الفلسطينية· في الواقع، يبدو أن أحدا من المسؤولين الأمريكيين الكبار شاهد قطر خرائط طابا التي جعلت الطرفين - على الرغم من بعض العوائق الباقية، قريبين جدا من اتفاق سلام نهائي·

وعلى الرغم من أن المشاركة الفلسطينية في المفاوضات تضمنت بعض التنازلات الكبيرة من جانب الفلسطينيين (في حين امتنعت إسرائيل عن أن تحذو حذوهم)·

أصدر الكونغرس الأمريكي سلسلة قرارات يساندها الجمهوريون والديمقراطيون تقول من دون وجه حق أن الفلسطينيين غير مبالين ببلوغ تسوية بالتفاوض· وحتى هذا اليوم، يصر أعضاء بارزون في الكونغرس أن الفلسطينيين كانوا مصممين على مواصلة مطالبهم من خلال العنف بل سعيهم الى تدمير الدولة اليهودية كلها·

إنه من قبيل السخرية أن تنتقد الإدارة الأمريكية عرفات لرفضه توقيع اقتراح السلام في يوليو من عام 2000 عندما كان الطرفان أبعد ما يكونان أحدهما عن الآخر في حين أنها لم تنتقد إسرائيل قط لتراجعها عن اتفاق سلام في يناير عندما كان الطرفان قريبين جدا منه·

منذ ذلك الوقت، تصاعد العنف بطريقة مأساوية بفعل سلسلة من الهجمات الإرهابية نفذها متطرفون فلسطينيون داخل إسرائيل وبفعل هجمات كبرى نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على المدن والمخيمات الفلسطينية· وقد وثقت منظمة العفو الدولية ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” ومنظمات محترمة أخرى الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي بما في ذلك عمليات التوقيف الجماعي بلا محاكمة وحوادث الاختفاء وعمليات الاغتيال بلا محاكمة والعقاب الجماعي والحرمان من الحصول على الخدمات الطبية الطارئة والتدمير المقصود للمنازل والبنى التحتية المدنية·

وعلى الرغم من كل ذلك، دافع الرئيس الأمريكي جورج بوش عن الأعمال الإسرائيلية مثل غالبية أعضاء الكونغرس من كلا الحزبين· وقد رفض الكونغرس والرئيس رفضا قاطعا دعوات جماعات حقوق الإنسان الى تعليق المساعدات العسكرية لإسرائيل حتى توقف القمع، ودعا الكونغرس والرئيس بدلا من ذلك الى زيادة المساعدات العسكرية للحكومة اليمينية في إسرائيل·

 

نحن نحتل الفلسطينيين

وهم ضحايا

لكن الإسرائيليين لا يجمعون على سياسات ارييل شارون ومؤيديه الأمريكيين· فقد كتب المعلق الإسرائيلي يوري أفنيري: “نحن موجودون في أراضيهم، وليسوا هم الموجودين في أراضينا·· نحن القوة المحتلة وهم الضحايا· نحن نستوطن أرضهم وهم لا يستوطنون أرضنا· هذا هو الوضع الموضوعي ولا يمكن أي وزير دعاية أن يغير ذلك·” غير أن إدارتي كلينتون وبوش والغالبية الواسعة في الكونغرس من كلا الحزبين ووسائل الإعلام الرئيسية كلها فعلت ما في وسعها لإقناع الشعب الأمريكي بنقيض ذلك· فالقضية المحورية ذات الصلة بجوهر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي هي الحق في تقرير المصير·

إن إجماع الحزبين في الولايات المتحدة يقول إن مصير الفلسطينيين هو قضية يحسمها محتلوهم الإسرائيليون·

أما بيانات إدارتي كلينتون وبوش والقرارات الصادرة عن الكونغرس بغالبيتين حزبيتين ساحقتين فقد أكدت صراحة أن واشنطن تخضع الاستقلال الفلسطيني للشروط الإسرائيلية· ونظرا الى أن حكومة إسرائيل يتولى زعامتها الآن اليميني ارييل شارون، الذي عارض طويلا حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بأنفسهم، فإن الولايات المتحدة تساند الاحتلال الإسرائيلي المستمر وردود الفعل الفلسطينية العنيفة والردود الإسرائيلية القمعية التي تعقبها حتما· وبعد83 عاما من دور الرئيس وودرو ولسون في إرساء الحق في تقرير المصير للشعوب باعتباره حجر زاوية للقانون الدولي والسياسة الخارجية الأمريكية، وبعد عشرة أعوام من إعلان الرئيس جورج بوش (الأب) نشوء نظام عالمي جديد يقوم على مثل هذه المبادئ، يبدو أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري تخليا الآن عن هذه المثل لمصلحة الحق في الاستيلاء على الأراضي·

 

الأراضي المحتلة أراض متنازعة!

هذا التحول كان أشد وضوحا في زمن إدارة كلينتون عندما بدأت وزارة الخارجية تتحدث عن الأراضي المحتلة باعتبارها “أراضي متنازعة”· وشجعت بنشاط وبنجاح وسائل الإعلام على أن تحذو حذوها· وهذا اختلاف خطير لأن عبارة الأراضي المتنازعة تنطوي على أن للطرفين حقوقا مشروعة فيها، في حين أن عبارة الأراضي المحتلة تفيد أن أراضي تابعة لدولة معينة صارت منتزعة بالقوة العسكرية· وهذا ينطبق على الضفة الغربية وقطاع غزة· وهذا التمييز مهم أيضا لأن الأشخاص الخاضعين للاحتلال العسكري يحميهم ميثاق جنيف الرابع وأن قوة الاحتلال تكون بناء على ذلك ملتزمة بعض معايير حقوق الإنسان (كانت هناك أراض متنازعة في تاريخ هذا النزاع، العربي الإسرائيلي، لكنها كانت مساحات صغيرة مثل شريط طابا بين إسرائيل ومصر - الذي حلت قضيته لمصلحة مصر عام 1989 - ومزارع شبعا بين لبنان والأراضي السورية المحتلة التي تشكل مسرحا لاشتباكات متواصلة بين قوات الاحتلال الإسرائيلي وميليشيا حزب الله)·

وإذا كان منظورا الى هذا النزاع باعتباره قضية تتصل بأراض متنازعة - على نحو ما تفضل الحكومة الأمريكية أن ترى - يبدو عندئذ فعلا أن إسرائيل قدمت معظم التنازلات وأن على الفلسطينيين أن يتعلموا فن إبرام التسوية· غير أن بقية العالم كله تقريبا تقر بأن الضفة الغربية وقطاع غزة هما أراض محتلة فلا يكون الاحتلال الإسرائيلي أكثر شرعية من الغزو العراقي لدولة الكويت أو احتلال أندونيسيا لتيمور الشرقية، 24 عاما·

 

التجاهل الأمريكي للشرعية الدولية

مشكلة الموقف الأمريكي هي أن سلسلة من قرارات مجلس الأمن الدولي، التي ساندتها كل إدارة أمريكية بين احتلالات عام 1967 وتنصيب كلينتون، تعترف بأن الضفة الغربية وقطاع غزة هما أراض محتلة· وقد قررت إدارة كلينتون من جانب واحد أن تعلن أن مثل هذه القرارات غير ذات صلة لما كانت اتفاقات أوسلو أعقبتها·

لكن أي عضو في مجلس الأمن الدولي لا يملك سلطة إلغاء أي من هذه القرارات، فأي إلغاء ينبغي أن يقرره غالبية الأعضاء من دون أن يستعمل حق النقض أي من الأعضاء الدائمين· في الواقع، سجل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان رقما قياسياً في التأكيد أن هذه القرارات مازالت سارية المفعول ولم يفكر أي عضو آخر في مجلس الأمن بتغيير موقفه· وفي أي حال، لا يستطيع أي اتفاق ثنائي أن يغلب على قرار لمجلس الأمن الدولي وخصوصاً إذا تمسك واحد من الطرفين، وهو الطرف الفلسطيني في هذه الحالة، أن هذه القرارات مازالت صالحة·

واستناداً إلى كون أرضهم محتلة باسثتناء بقع تطوقها القوات الإسرائيلية، وفي غياب أي جيش فاعل، ومع تأدية القوة العظمى الوحيدة في العالم دور الوسيط ودور المساند الأساسي لقوة الاحتلال، يتمثل أقوى رصيد للفلسطينيين في القانون الدولي الذي تتمثل قوته في قرارات مجلس الأمن· وفي الواقع تصدت قرارات مجلس الأمن لكثير من القضايا البارزة في المفاوضات بما في ذلك المستوطنات غير الشرعية والضم الإسرائيلي الوحيد الجانب للقدس الشرقية والقضايا الأخرى· لقد استعملت الإدارات الأمريكية السابقة قوة الفيتو (النقض) حتى توقف قرارات مجلس الأمن الدولي أو تمنع تنفيذها· وقد خطت إدارة كلينتون وإدارة بوش خطوة إلى الأمام بالدعوة لمراجعة القرارات نفسها في محاولة لإلغاء أي خيار دبلوماسي أمام الفلسطينيين باستثناء الاستسلام· ونظراً إلى هذا السياق، فليس من المفاجئ أن ييأس كثير من الفلسطينيين من عملية السلام وأن يلجؤوا إلى العنف في سعيهم إلى تقرير المصير بأنفسهم·

أما كبرياء واشنطن بالنسبة إلى قرارات مجلس الأمن فلا يقتصر على فلسطين فلنأخذ قضية جنوب لبنان الذي دام احتلاله (جزئياً) 22 عاماً· وفي هذه السنوات، منعت الولايات المتحدة تطبيق القرار 425 وتسعة قرارات تالية تدعو إلى انسحاب إسرائيلي فوري وغير مشروط· وفي الواقع، وعلى رغم أن استطلاعات الرأي كانت تظهر أن غالبية كبيرة من الإسرائيليين تساند مثل هذا الانسحاب، فإن السفير الأمريكي (سابقاً) لدى إسرائيل مارتن انديك دعا إسرائيل علانية إلى مواصلة الاحتلال·

ووفقا لجدول أعمالها الخاص، لم تتابع الولايات المتحدة بجدية المسار اللبناني في عملية السلام· وفي النهاية انسحب الإسرائيليون في مايو من عام ألفين حين أدت هجمات حزب الله الى إصابات غير محتملة في صفوف الجنود الإسرائيليين·

كان الدرس المستخلص من ذلك بالنسبة الى كثير من الفلسطينيين أنك لا تستطيع الوثوق في القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن أو عملية السلام التي تديرها الولايات المتحدة، وأن الطريقة الوحيدة لإخراج إسرائيل من الأراضي المحتلة هي النضال المسلح بقيادة المتطرفين الإسلاميين· وهذا درس زائف لاعتبارات عدة، نظرا الى أن الإسرائيليين ينظرون بطريقة مختلفة الى الوضع في جنوب لبنان مقابل الوضع في الضفة الغربية· لكن ليس هناك غير قلة من الفلسطينيين التي لا تعتبر لبنان نموذجا·

وعلى الرغم من أن إرهاب الفلسطينيين لا يمكن تسويغه، مثل أي إرهاب، فقد كان يمكن الحؤول دونه لو أن الولايات المتحدة كانت وسيطا أكثر مسؤولية· وهكذا يكون النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني الحالي برهانا آخر على ما أدت إليه طريقة الولايات المتحدة في التعامل مع مبادئ القانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة من عنف وحمام دم·

طباعة  

لرفضها الاعتراف بحقائق التاريخ
مؤسسة الحكم في إسرائيل تكشف عن إفلاس سياسي مريع