وكان المطر يختلق القصص
محمد الأسعد
منذ الكلمة الأولى في مجموعته الشعرية (مجاراة الصوت) لا يقترح نوري الجراح ناقداً محدداً ولا جمهوراً منظوراً لشعره· ولو كان لنا أن نظن أنه قد فعل هذا لجاء بشيء مختلف· بشيء جاهز ينسجم مع ما هو جاهز في انهماكات النقاد والجمهور، إلا أنه اختار أن يكون في وضع جانبي، ربما ليقترح ناقده وقارئه معاً، كما هو شأن الشاعر حين يحتفل بجوهر الشعر نفسه لابما يروجه أو يساهم في ترويجه·
ويغريني اعتقاد بأن ما بدأت أقرأه، موضوعاً ومقصداً، يند عما هو مألوف في ما يسمى ساحة الشعر· الشاعر لا يستعير قضية ليتكئ عليها ولا ذائقة يطمح إلى أسرها أو مملكة يحلم بالاستيلاء على عرشها، فالمسكون ليس غايته· إنه مقتنع بهذه الأقاصيص التي يرتجلها المطر وراء زجاج النوافذ، وهذه الخطوات الليلية والسلالم التي تفضي إلى الداخل مهما صعدت أو نزلت· إنه شاعر مفتوح العينين والحواس على نموذج يدب في إهابه، هو بطله الذي يتحرك على مسرح الأشياء والكائنات من حوله·
ولانظن أن الشاعر مقطوع الجذور، فله أسلافه في هذا التراث القليل ولكن الذهبي في النهاية، ذلك الذي بدأه شعراء نادرون يحتفظون رغم الضجيج بعلامة حقيقية تعلو على انعطافات الأزمنة والأحداث· ولعل أصعب الشعر وأشده نقاء ذلك الذي تنزلق عنه لافتات عصر ما أو فترة تاريخية، فكأنه لغة قبل الحدث وبعده·
ونحتاج إلى جهد كبير لنخلص أنفسنا من سطوة الموضوع الرائج في وطن الشعر وإلى مجهود أكبر ليكون باستطاعتنا التفتح على التعدد والغنى الذي يحمله الشعر وإطراح الأنساق المألوفة لأننا أسرى رغم كل شيء للشائع والمبذول، فما يحدد الشعرية هنا ليس الموضوع ولا المناسبة ولا الارتباط الذي يزعمه بعض النقاد بين الشاعر والهموم العامة، بل هو نسق الدلالة الذي لا يتعلق بأي من هذه العناوين الرئيسية·
أيكون للشاعر أن يقترح ناقداً ويضيف إلى تواضعه الموحش هذا الطلب المغالى فيه، أن يقترح قارئاً؟ ربما نوفق أكثر إذا أهملنا هذا الصخب كما يهمله الشاعر في الحالات النادرة: أعني صخب الحديث عن النقد، وإمكانية أن يكون هنالك قارئ جاهز مثلما هنالك ناقد جاهز، إن تركيبنا الذهني يذهب بنا إلى القياس دائماً فنتهيأ بما لدينا من ذاكرة ونتلقى الشعر· إن ما يُسلم نفسه للجاهز فينا هو شيء لا يعنينا· هكذا أميز بين شعر وشعر، بين ما يمكن تصنيفه فوراً وما لا يمكن إيجاد صنف ينتمي إليه· بين ما يمكن القبض عليه وإدراجه في قائمة النسيان وبين ما يظل بّرياً عصياً على التدجين·
فمن أنا حتى لو امتلكت معرفة بكل حرف كُتب في كل اللغات لكي أتطاول على لحظة شاعر وأسميها؟
يتيه النقد ويفقد مهمته أو ينسى ما جاء من أجله حين يقع في شراك الشعر، فيتحول الصياد إلى طريدة والمقرر إلى احتمالات· لقد زودنا تاريخ الشعر بكل الأدوات اللازمة للتسمية، ولكن من قال إن الشاعر يتيم يبحث عمن يسميه؟ ومن قال إن الواقع الشعري رهين بين ناقد وقارئ؟ أليس النقد الذي نعرفه هو بيانات امتلاك يصدرها أناس فرحون بما اكتشفوا وما انتهوا إليه؟ وهل يمكن امتلاك تفاحة في لوحة لسيزان أو تدجين الوحشة في عيون تمثال بابلي؟
سأقول إذن إنني لم أمتلك هذه المجموعة الطافحة بالشعر، وأبعدت منذ السطر الأول فكرة الامتلاك، لسبب بسيط هو أنني أدركت أنني في حضرة الشعر وحده حيث من العبث استهلاك هذا الحضور، فهو ليس مما يُستهلك أو يؤخذ· إنه يظل بعيداً ككائن غامض أو سراب· ولا ينقص الشعر شيئاً حين يكون سراباً أو حين يحولنا إلى سراب منقطع عن طريقه في قول الرؤية وقاطع في هذا لتجنب البدهي لكل ما من شأنه أن ينسخ الجاهز أو يحتفل به·
لابد من طريق آخر للروح، حتى ولو كان عن طريق هذه الهمجية التي تميز كتابة لا تحتقل بالتقاليد، ففي آخر القصائد تأتي هذه الأسماء: دمشق·· بيروت·· قبرص·· لندن، ويضع الشاعر فصلاً أو موسماً للكتابة، كأن يكون الشتاء أو الخريف، ونادراً ما يأتي على ذكر الربيع· أهذه إشارة إلى ما يشيعه الفصل من إيقاع وما يبعثه من تأويلات في النفس والقصيدة؟ بحيث تغدو الحالات النفسية، تردداً وذبذبة لهذه الفصول نفسها؟
إن قراءة في تضاريس المدن أو مواسمها تسعفنا في تعليل هذه الكآبة والوحدة والروح الثقيل وهو يراقب أشياء العالم نافذاً إلى ما يشبه المداخل الخلفية التي لا نتوقعها· ومع ذلك فإن (خارجية) هذه المدن وهؤلاء الناس وهذه الأحداث المتواضعة، أي يومياتها في تقاويم الصحافة والإذاعة والدول، ليست هي ما يعنينا هنا·· ما يعنينا قبل كل شيء علاقة خاصة بوجهها الآخر الذي لا يعرض نفسه للضوء:
كل هذا الليل
مليء وعميق
من مضجعي إلى مياهك
حيث تلعب الأسماك
وتتمايل أعشاب حياتك القصيرة
في هبوب الجسد
يقول التفسير الذي يود امتلاك هذا الشعور لو لم يمازج الشاعر بين مدينة وامرأة وبحر، ولو لم يجعل لصفاتنا الإنسانية هذا التعلق بحركة الأسماك وتمايل الأعشاب وهبوب الرياح لكان فيه من الوضوح ما يكفي·· ولكن أليس في هذا التمازج الذي يشبه الاستعارة كل المغزى؟
إن الجسد رياح تهب، وما الحياة إلا عشب بحياة قصيرة، وهذا الخلود العميق لليل والماء وعبث الأسماك هو الجواب عن أسئلة الإنسان·
وما الذي يفيدني به هذا التفسير؟
إنني أضع نفسي في موضع من يريد أن يفهم، أي في الموضع الخطأ في وقت ليس فيه أمامي إلا إحساس عميق بهذا الزوال ينتقل إليّ في تتابع الليل وامتلائه وعمله بين مضجع الشاعر ومياه ماتلعب فيها الأسماك وتتمايل أعشاب الحياة القصيرة تحت وطأة هبوب الجسد· ولولا هذا الضمير (هي) لما كان كل هذا إلا وصفاً عابراً، ولكن هذه التي تحولت إلى أشياء من الطبيعة نفسها تعمق صورتها في الوقت الذي تعمق فيه صورة الطبيعة· ليس هناك دعوة للفهم ولكن فكرة شعرية غير قابلة لا للربح ولا للخسارة·
إن أفكار الشعرتقع في دائرة أخرى، عصية على أن تفيد أحداً أو تثري الساحة المعتادة· إنها اشتقاف طريق آخر للروح لا يبدو من هذا العالم القائم في هذه اللحظة:
أسلمت للهواء عطركِ
وألوان صوتكِ للنباتات المتهامسة المسافرة
وللفراشات أن تنسرب بين أصابع الهواء
للفراشات أن تهب من ثياب النهار
وتصعد لتحترق
أن تطوي بأجنحتها الراجفة
الصوت
والمنزل
والقلب
إنه الصيف، والشاعر ينبهنا إلى هذا في آخر القصيدة (صيف نيقوسيا)·
ما الذي يبقى هنا من ذلك المقطع؟ كل هذا الليل؟ ما يبقى منه وما يرتبط به هو الزوال والتلاشي، هذا الشائع في كل شيء يتحرك بحريته الكاملة: النبات والفراشات والنهار والأجنحة·· والهواء والمنزل والقلب· لا تفسير لهذا كما لذاك المقطع بل رغبة·
أيمكن الحديث عن الشعر بلهجة الرغبة؟ رغبة الشاعر أن يجد في هذا التركيب شيئاً باقياً يعثر عليه؟
إن ما يبقى هو الأنا في هذه التموجات المخلوقة من أشياء وكائنات: رغبة خلق كل هذا وإطلاقه وكأنما بمجانية كاملة· لم يعد الشاعر يسأل عن قضايا عابرة ولا عاد يحترف كتابة العرائض على ناصية الثورات والمنظمات·· فله من مشاغله ما يملأ هذه الحياة القصيرة، إنه خارج دائرة الأرباح والخسائر·
الصوت·· والمنزل·· والقلب·· ليتوقف كل شيء إذن عن الادعاء، وليوفق الشاعر نفسه هذه الانهماكات التي تفصله عن مهمته الأساسية، فالوحشة والوحدة··· وانسراب الزمن أعمق من أن تطالها جبال التقاليد الشعرية، أو تصل إليها سفن المهرجانات الباذخة· سيكون للشاعر مهرجانه المتواضع والكوني في الوقت نفسه حيث يمارس طاقة الإبداع حتى في تكوين حجر مهمل، أو جلسة رجل عجوز في الترام، أو قدوم فتيات إلى غرفة، أو ثرثرة زوار كثر، أو انتهاء نهار··· وانسراب ليل بيننا وبين الماضي·
الشاعر ليس صوت قبيلته، فما فيه من القبائل المحتشدة يكفيه ليكون شاعراً بهذا المعنى··· إن قبائله هي هذه الفصول والرياح والمواسم والشوارع والناس الذين يقفون جانباً في الصمت أو أولئك الذين يتساقطون من شرفة أيامه·· ولماذا لايكون الشاعر ضرورة بهذا المعنى؟
لكي يكون شاعراً لم يعد بحاجة إلا لتذكر طفولته، ولكي يكون قادراً لم يعد بحاجة إلا لتركيز نفسه وتثقيلها إلى درجة كوكبية تنتسب إلى تلك الكواكب التي تسمى أحياناً بالثقوب السوداء· إنه مخيف بهذا المعنى، والاقتراب منه محفوف بالخطر· إنه ليس احتفالاً عاماً بل هو ذلك الاحتفال الخاص الذي يقام في العزلة· وحين يشق طريقه إلينا ذات نهار غير مرتقب ويفاجئنا بلغة المكان الذي جاء منه، إما أن نشعر بحاجتنا إلى هذا الهمجي أونشعر بحاجتنا إلى حماتنا·
وكقارئ لا أشعر برغبة في اللجوء إلى الحماة ولا إلى الهياكل·· بل برغبة في أن أفهم ما يقوله هذا الهمجي وما يشير إليه· إنه لم يعد قادراً أو هو غير مؤهل لاستخدام لغتنا وعلينا أن نقبل إذن إيماءاته وصرخاته وأن نحدق في أشيائه الغربية التي جمعها من حيث لم نكن، ولم نعلم أين تكون· إننا بهذا نعطيه حقه في أن يكون فرداً وليس موظفاً لنزواتنا·