بقلم: الجنرال مايكل روز القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلسي في البلقان
الهزيمة التي لحقت بقوات حركة “طالبان” وتنظيم “القاعدة” في أفغانستان، والتي شكلت معارضة تقليدية من الطراز القديم لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، كانت سريعة ودون خسائر تذكر في الجانب الأمريكي·
ولكن كما قال ولنغتوني بعد أن احتل الجيش البريطاني كابول عام 1839، فإن “المصاعب تبدأ بانتهاء النصر العسكري”· فبعد ثمانية أشهر من دخول القوات الأمريكية الى أفغانستان، لا توجد إشارات على أن استراتيجية قوات التحالف تأخذ في اعتبارها أن طبيعة الصراع قد تغيرت بصورة راديكالية وأن أنظمة التسلح الحديثة، مهما بلغت من الدقة والتقدم، لا يمكنها أن تهزم العصابات المسلحة أو تقضي على الإرهاب·
خطأ استراتيجي
وكما أضاف ولنغتوني بشأن سلوك الجيش البريطاني أثناء عملياته في الحرب الأفغانية الأولى، فإن “الدول لا تقهر من خلال احتلال بعض التلال والقيام بعمليات القصف من مسافة بعيدة”·
كما أنه لا يمكن تقريب يوم هزيمة الإرهاب من خلال قلب أنظمة الحكم الدكتاتورية أو إسقاط الحكام الفاسدين الذين يتربعون على عرش دول ترعى الإرهاب· وفي الواقع، فإن أي عمل عسكري مباشر ضد دول مثل العراق أو إيران لن يؤدي إلا الى زيادة أعداد الناس المستعدين لتنفيذ هجمات إرهابية ضد الغرب·
ومن الواضح أن نمط كلوشفيتس CLAUSEWITZIAN من الحروب والذي تسعى فيه حكومة وشعب وجيش لتحقيق النصر من خلال التفوق العسكري، أقل ملاءمة لحرب جورج بوش الكونية ضد الإرهاب، من المبادئ المعقدة التي تحكم الحرب الثورية الحديثة·
فالحروب الثورية والإرهابية تتمحور حول تغيير مواقف الناس أكثر مما تهدف الى تدمير الجيوش·
فلا يمكن تحقيق الانتصار إلا من خلال عزل الإرهابيين عن جماهير الشعب ومن خلال الحصول على المعلومات الاستخبارية الكافية للحد من خياراتهم العسكرية·
وبالتالي، فإن شن هجوم بري ضد العراق في هذا الوقت سيمثل خطأ استراتيجيا هائلا ورهيبا في الحرب ضد الإرهاب· وحتى لو كان فتح هذه الجبهة له ما يبرره على أساس مكافحة الإرهاب (وليس هناك دليل مؤكد على صلة صدام حسين بأحداث الحادي عشر من سبتمبر)، إلا أن المخاطر والانعكاسات السلبية المحتملة تفوق أي منافع متوخاة بكثير·
مصاعب لوجستيه
أولا، أي عمل عسكري يجب أن يحقق نجاحا عسكريا كاملا وخاطفا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فالحكام العرب المعتدلون الذين قد يتم إقناعهم بغض النظر عن مثل هذه العملية، لا يمكنهم الانخراط في عمليات طويلة المدى·
فإذا لم ينجح الهجوم بصورة فورية فإنه سيواجه معارضة شعبية متزايدة، لا سيما في الدول العربية المجاورة وكذلك في الولايات المتحدة إذا وقعت خسائر خطرة·
ثانيا، لا توجد معارضة قابلة للحياة لصدام حسين داخل العراق كما كان عليه الوضع بالنسبة لحركة “طالبان” في أفغانستان، وحتى لو تم تدمير الحرس الجمهوري فلا معنى للافتراض بأن النظام سينهار بتدمير الحرس الجمهوري، فالأجهزة الأمنية في العراق تسيطر على كل مستويات المجتمع وليست هناك فرصة قوية لاندلاع انتفاضة عفوية للشعب العراقي بعد كل سنوات القمع هذه·
ثالثا، سيكون من الصعب للغاية شن هذه العملية العسكرية من الناحية اللوجستيه، حيث خطوط الاتصال الطويلة مع محدودية أو انعدام وجود قواعد متقدمة، ولن تستطيع الولايات المتحدة أن تعول على المستوى ذاته من الدعم العسكري الذي حصلت عليه من الدول العربية المجاورة للعراق إبان حرب الخليج الثانية· وحتى في ذلك الحين، استغرقت عملية حشد القوات في الخليج أشهراً عدة قبل بدء عملية تحرير الكويت عام 1991·
وأخيرا، أن قيام الولايات المتحدة بغزو العراق سيمثل انتصارا هائلا لدعاية الحركات الإسلامية المتطرفة، وبجعل تحقيق النصر في الحرب ضد الإرهاب أمرا شبه مستحيل·
حماقة
وإذا كان الجدل الذي يدور داخل الإدارة الأمريكية الحالية حول جدوى شن هجوم بري ضد العراق، يهدف الى الضغط على صدام لإجباره على الانصياع لقرارات مجلس الأمن الدولي بشأن التفتيش على أسلحة الدمار الشامل، فحينئذ يكون مثل هذا الجدل مفيدا·
أما إذا كان هذا الجدل يهدف الى تحذير حلفاء الولايات المتحدة بأن الهجوم على وشك أن يقام، فحينئذ يجب بذل كل جهد من قبل أولئك المقربين من الرئيس بوش لإقناع واشنطن بعدم الإقدام على القيام بهذه العملية التي تعادل في حماقتها قرار ألمانيا بمهاجمة روسيا إبان الحرب العالمية الثانية·
“ عن التايمز “