رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 21-27 ربيع الأول 1423هـ الموافق 1-7 يونيو 2002
العدد 1529

الدور الأمريكي في انهيار المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية.. الجزء ( 1 – 2)

  

·        أمريكا لم تكن راعيا ووسيطا إنما حليفا ينسق مع الإسرائيليين في المفاوضات

·        كلينتون استعجل بعقد قمة كامب ديفيد على رغم عدم نضوج الظروف لإبرام اتفاق نهائي

·        باراك رفض تنفيذ انسحابات متفق عليها سابقا فكيف يصدق الفلسطينيون رغبته في سلام عادل شامل

·        الأمريكيون أشاعوا انطباعا مفاده أن الفلسطينيين لا يريدون سلاما بل تدمير إسرائيل

·        مسؤولية الانهيار تقع على الولايات المتحدة وإسرائيل حسب ما تؤكد المعاينة الدقيقة للأحداث

·        الانسحاب من أراض محتلة ليس كرما بل واجب تفرضه القرارات والقوانين الدولية

 

كيف سلق كلينتون قمة كامب ديفيد وحاول فرض خطة باراك على عرفات؟

كان مفترضا أن تكون إدارة كلينتون راعيا نزيها لعملية السلام، وتحديدا في كامب ديفيد من عام ألفين· لكن الوسيط لم يكن وسيطا، إنما كان حسب ستيفن زونس، وهو محرر قضايا الشرق الأوسط في دورية Foreign Policy In Focus وأستاذ مشارك للسياسة ورئيس برنامج دراسات السلام والعدل في جامعة سان فرانسيسكو، كان الوسيط الأمريكي طبعا جزءا من الفريق الإسرائيلي المفاوض أو كان الوفدان الإسرائيلي والأمريكي وفدا واحدا بجنسيتين·

ويعتقد زونس في تقريره الخاص الذي تنشره “الطليعة” في جزأين أن الدور الأمريكي في عملية السلام أيام إدارة كلينتون كان مدمرا لا بناء· ذلك أن كلينتون تعجل كثيرا بالدعوة الى قمة كامب ديفيد قبل أن تنضج ظروف التفاوض على قضايا الوضع النهائي· وأجبر كلينتون عرفات على حضورها رغماً عنه· ثم حاول كلينتون إجبار عرفات على قبول خطة باراك التي لا تعيد الى الفلسطينيين أكثر من 80 في المئة من الأراضي المحتلة منقوصا منها القدس الشرقية ووادي الأردن والسيادة البحرية والجوية، وبالقدر نفسه من الأهمية التواصل الجغرافي للدولة الفلسطينية الجديدة·

وعندما رفض عرفات قبول ما يقل بكثير عن الحد الأدنى المقبول من الفلسطينيين، اتهمه كلينتون بتضييع فرصة السلام· وإليكم التفاصيل:

منذ انهيار محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية في كامب ديفيد في صيف العام ألفين، والانتفاضة الفلسطينية التي تلته ظهرت تفاصيل تتحدى إصرار إدارة كلينتون - هذا الإصرار الذي كرره زعماء الحزبين الديمقراطي والجمهوري كما معظم وسائل الإعلام البارزة - ومفاده أن الفلسطينيين مسؤولون عن الفشل في بلوغ اتفاق سلام وعن معظم العنف الذي لف إسرائيل وفلسطين مذ ذاك·

ولو كان ذلك التصور صحيحا لكان يصح من وجهة الأمريكيين - تسويغ الدعم الأمريكي الدبلوماسي، المالي والعسكري المتواصل للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة وما ينتج عنه من انتهاكات لحقوق الإنسان باعتبار ذلك ردا سواء على الرفض الفلسطيني لقبول عروض إسرائيلية معقولة أو على استعمال الفلسطينيين العنف تاليا لانتزاع مزيد من التنازلات الإسرائيلية·

غير أن الحقيقة هي أشد تعقيدا بكثير· فقد عملت إدارتا كلينتون وبوش، جنبا الى جنب مع أعضاء بارزين في الكونغرس من كلا الحزبين على إعطاء صورة خطأ مقصودة عما حصل في عملية السلام قبل قمة كامب ديفيد وخلالها وبعدها، كما عما رشح منذ اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر من عام 2000، وقد كان ذلك مفيدا في تسويغ سياسة دعم جيش احتلال ذي قمعية متزايدة، وهذا ما كان يمكن أن يجده الشعب الأمريكي لو اختلفت الأحوال شيئا كريها·

مسؤولية فلسطينية ثانوية

يتحمل الفلسطينيون فعلا بعض المسؤولية عن الانعطاف المأساوي للأحداث، فلم تكن هناك اتصالات فعالة بين عرفات وبعض مفاوضيه، وهذا ما أدى الى بعض الغموض خلال محادثات السلام· أما حكم عرفات الفاسد، الأخرق والسلطوي فقد أدى الى تنفير شرائح واسعة من الرأي العام الفلسطيني فأدى ذلك الى تصعيب ضبط كثير من الفلسطينيين، وعلى هذا النحو، أخفقت السلطة الفلسطينية في إنشاء قاعدة اجتماعية· سياسية ضرورية لرفع شأن كيان مستقل ذي سيادة· فقد رفض عرفات نزع سلاح تنظيم “فتح” الذي خرج بقدر كبير على سيطرته وشارك في عدد من المواجهات المسلحة مع الإسرائيليين في الأراضي المحتلة· وقد شجعت قطاعات من السلطة الفلسطينية وبعض وسائل الإعلام الفلسطينية استعمال العنف لا ضد قوات الاحتلال فحسب إنما ضد المستوطنين الإسرائيليين أيضا· ولم تضرب السلطة الفلسطينية بقوة كافية العناصر المسلحة للجماعات الإسلامية الراديكالية المعارضة التي تورطت في هجمات إرهابية داخل إسرائيل أسفرت عن قتل عشرات المدنيين الإسرائيليين الأبرياء· والأسوأ من ذلك، أن عناصر أخرى من حركة “فتح” - وربما بدعم معين من عرفات نفسه - انضمت في الآونة الأخيرة الى تنظيم تفجيرات انتحارية وهجمات إرهابية أخرى· وفوق ذلك، لم يؤكد الفلسطينيون بقدر كاف أن الانتفاضة تتركز حصرا على الاحتلال الإسرائيلي المتواصل للأراضي المحتلة عام 1967 وأنها ليست هجوما على شرعية إسرائيل نفسها·

غير أن معاينة متأنية للأحداث تبدو وكأنها تشير الى أن الخطأ الأولي المسؤول عن إخفاق عملية السلام وعن العنف الذي تلاه تقع مسؤوليته على القوة المحتلة (إسرائيل) وعلى سيدها (الولايات المتحدة)· وهذا مهم بصورة خاصة حتى نفهم الأمور في ضوء الهجمات الإرهابية على أهداف أمريكية في الحادي عشر من سبتمبر، في وقت تبرز التساؤلات عن الغضب الشعبي من الولايات المتحدة في العالم العربي الإسلامي·

وعلى رغم تضاؤل عدد العرب والمسلمين الذين يساندون الإرهاب، فإن مساندة واشنطن للاحتلال الإسرائيلي كانت إحدى المسائل الرئيسية التي تحدث استياء متناميا بشأن الدور الأمريكي في الشرق الأوسط· ويعتقد كثير من الأمريكيين اعتقادا خطأ أن واشنطن حاولت أن تؤدي دور الوسيط النزيه وتصيبهم حيرة عندما يتساءلون لماذا يرى هذا العدد الكبير من الناس الدور الأمريكي بصورة مختلفة·

“أوسلو” من منظورين مختلفين

منذ بداية المحادثات التالية لـ “مبادئ التفاهم” المتفاوض عليها في أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية والموقعة في واشنطن في سبتمبر من عام 1993، كان كل من الطرفين ينظر الى العملية برؤية مختلفة جدا عن رؤية الآخر· فقد رأى الفلسطينيون في عملية أوسلو وسيلة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتأسيس دولة فلسطينية مصغرة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة التي انتزعتها إسرائيل عام 1967· وعلى نحو مغاير، رأت الولايات المتحدة وإسرائيل في عملية أوسلو طريقة لإبقاء الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من هذه الأراضي مع تكليف السلطة الفلسطينية بتولي إدارة معظم التجمعات السكانية الفلسطينية الكبيرة والتعاون في حماية إسرائيل ومستوطنيها في الأراضي المحتلة·

تنسيق أمريكي إسرائيلي

طوال عملية السلام، كان يبدو أن إدارة كلينتون تنسق سرعة المحادثات وجدول الأعمال مع إسرائيل متجاهلة مخاوف الفلسطينيين· وقد أراد الفلسطينيون طرح قضيتي المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة ووضعية القدس قبل سنين لكن هذين الموضوعين أجلتهما الولايات المتحدة تكرارا·

وبالطريقة نفسها، كانت الولايات المتحدة تعالج أمن إسرائيل باعتباره الموضوع الأساس للمفاوضات لا المخاوف الفلسطينية التي لا تقل شرعية· وقد اعترف أحد المفاوضين الإسرائيليين ذات مرة أن إسرائيل والولايات المتحدة عملت إحداهما بصورة وثيقة مع الأخرى بشأن مقترحاتهما، كما بشأن النوايا والغايات، وكانت جهودهما جهودا مشتركة·

ويعود فشل قمة كامب ديفيد بين رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات التي استضافها كلينتون في يوليو من عام ألفين، يعود معظم هذا الفشل الى أن أيا من الطرفين لم يكن مستعدا لإبرام اتفاق نهائي· فقد اعتقد كلينتون بسذاجة أن بإمكانه أن يضغط على عرفات حتى يقبل الشروط الإسرائيلية على رغم أن المفاوضات حتى ذلك الوقت أشارت الى أن الطرفين كان أحدهما بعيدا جدا عن الآخر في ما يخص بعض القضايا الجوهرية·

ففي ربيع عام ألفين، أدت سلسلة من الخطوات المتعثرة للإسرائيليين والفلسطينيين كما للرئيس كلينتون أيضا الى الحكم بفشل قمة كامب ديفيد·

فعلى سبيل المثال، نقل كلينتون الى عرفات أن باراك كان يريد نقل ثلاث قرى فلسطينية محتلة على أطراف القدس الى السيطرة الفلسطينية فأعلن عرفات بدوره ذلك للناس· غير أن باراك تراجع عن وعده ورفض الرئيس الأمريكي أن يجبر رئيس الوزراء الإسرائيلي على أن يفي· وهذا الحدث صار جزءا من الارتياب المتنامي الذي شعر به الفلسطينيون حيال الولايات المتحدة وإسرائيل في عملية السلام·

فوق ذلك، رفض باراك الانسحاب من بعض الأراضي الفلسطينية باعتبار ذلك جزءا من المرحلة الثالثة لانسحابات متفق عليها سابقا مع سلفه اليميني بنيامين نتانياهو، بل إن إسرائيل لم تفتح الممرات الأربعة الآمنة بين المناطق الفلسطينية على نحو ما كانت وعدت· حتى أن باراك شجع بناء المستوطنات اليهودية غير الشرعية بأسرع مما فعل سلفه (نتانياهو)· وفي الواقع نما عدد المستوطنين في فترة حكم باراك التي دامت 18 شهرا بنسبة مذهلة هي 12 في المئة· ولم تعترض إدارة كلينتون على هذه السياسات بل لم تنتقد حتى مصادرة الأراضي وزج المعتقلين الفلسطينيين في السجون· وطوال فترة حكمه، كان باراك مترددا الى الحد الأقصى حتى بالنسبة إلى الاجتماع بعرفات·

حرق المراحل والالتزامات

هكذا أدى الإصرار الأمريكي على القفز الى مفاوضات الوضع النهائي من دون وجود إجراءات متبادلة لبناء الثقة - مثل تجميد بناء المستوطنات أو تنفيذ وعود إسرائيلية سابقة بإجراء انسحابات - الى دفع الفلسطينيين الى التساؤل عن صدقية إسرائيل والولايات المتحدة معا· وقد حذر عرفات وعدد من القادة الفلسطينيين المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين مرارا من الاستياء المتنامي بين الفلسطينيين العاديين بشأن النمو المضطرد للمستوطنات والسياسات الإسرائيلية الأخرى· وعلاوة على ذلك، أكدوا (الفلسطينيون) أن الانسحابات المتفق عليها سابقا ينبغي أن تنفذ قبل التصدي لقضايا أكثر صعوبة مثل حقوق اللاجئين ووضعية القدس· غير أن الولايات المتحدة وإسرائيل أصرت كلتاهما على التحرك مباشرة نحو قمة بشأن قضايا الوضع النهائي على الرغم من أن التطرق الى هذه القضايا لم يتسارع إلا في الأسابيع الثمانية الأخيرة لعملية استغرقت أكثر من سبع سنين·

أسفرت سلسلة من اللقاءات في السويد والقدس في ذلك الربيع عن تقدم جوهري، غير أن التسريبات الصحافية في أواسط مايو بشأن تسويات أبرمها الطرفان أحدثت مشكلات سياسية لباراك كما لعرفات· والنتيجة كانت جمود المحادثات· ولو أنها تواصلت فربما كانت لتشكل أرضية كافية لكامب ديفيد حتى يكون ناجحا· لكن على الرغم من الاعتراضات الفلسطينية أصرت الولايات المتحدة على أن يحضر الطرفان الى ميريلاند بأي طريقة حتى يصوغا اتفاقا نهائيا· وقد شدد عرفات على أنه يحتاج الى مزيد من الوقت، لكن كلينتون أجبر عرفات على المجيء وعلى المحاولة قائلا له: “إذا أخفقت فلست الملوم”·

باراك: كرم مزعوم

غير أن كلينتون لم يحفظ وعده، فهو لم يكتف بوضع ضغط عظيم على عرفات حتى يقبل المقترحات الإسرائيلية، بل إنه ألقى اللوم عليه وعلى الفلسطينيين في نهاية المطاف محملا إياهم مسؤولية انهيار المحادثات، في حين أن مقترحات باراك كانت أدنى بكثير من الالتزامات القانونية الإسرائيلية والحد الأدنى للمطالب الفلسطينية·

على رغم المزاعم الأولية الواردة في وسائل الإعلام البارزة، التي يرددها حتى اليوم الديمقراطيون والجمهوريون معا في مبنى الكابيتول (الكونغرس)، ومفادها أن باراك قدم عروضا عظيمة السخاء الى الفلسطينيين في كامب ديفيد، فإن معاينة واقعية لمقترحاته تكشف نقيض ذلك·

فقبل كل شيء، رفضت الحكومة الإسرائيلية بعناد الانسحاب من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تشكل 22 في المئة فقط من أراضي فلسطين التاريخية· في عام 1993، اعترف الفلسطينيون أساسا بحق إسرائيل بالسيطرة على 78 في المئة من فلسطين التاريخية، وكان ذلك تنازلات عن المطالبة الطويلة الأمد بالعودة الى كل فلسطين أو الى الـ 43 في المئة من فلسطين وفق خطة تقسيم الأمم المتحدة لعام 1947· وهكذا كانت المفاوضات منذ عام 1993 تتصل حصريا بمصير الـ 22 في المئة الباقية التي قرر الفلسطينيون بصورة مشروعة وطبقا لكل معيار قانوني دولي تقريبا أنها ينبغي أن تشكل بلادهم· غير أن الولايات المتحدة وإسرائيل أصرتا بعناد أن المطالبة الفلسطينية بالـ 22 في المئة مبالغة وأن على الفلسطينيين أن يتخلوا عن مزيد من الأراضي، وهكذا يعتبر قبوله صعبا طبعا حتى بالنسبة الى أكثر الفلسطينيين اعتدالا،ـ لما كان العرب الفلسطينيون يشكلون غالبية في فلسطين التاريخية عام 1948، وإذا أخذنا في الحساب عدد اللاجئين اليوم لوجدنا أنهم يفوقون الإسرائيليين عددا بنسبة ثلاثة الى اثنين على الأقل·

والأكثر جوهرية من ذلك، أن إسرائيل استولت على هذه الـ 22 في المئة الباقية من فلسطين بالقوة العسكرية عام 1967، وقد أكدت الأمم المتحدة طويلا - كما في القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي باعتباره أساسا للسلام العربي - الإسرائيلي - مبدأ القانون الدولي المؤكد عليه في ميثاق المنظمة الدولية، الذي وقعته إسرائيل كما الولايات المتحدة - الذي يؤكد بطلان الاستيلاء على الأراضي بالحرب ويدعو إسرائيل الى الانسحاب “من الأراضي المحتلة في النزاع الأخير”· وفي كامب ديفيد، صرفت الولايات المتحدة المطالبات الفلسطينية بتطبيق القرار 242 والقانون الدوليين ودعت بدلا من ذلك الى أن تكون المحادثات قائمة على ما يسمى “أفكارا خلاقة” وتحديدا كما ورد في ورقة عمل أمريكية كانت غايتها النيل من المبادئ القانونية العريقة·

اعتراف أمريكي يتيم

وقد اعترف روبرت مالي وهو مساعد خاص للرئيس كلينتون في الشؤون العربية - الإسرائيلية ومدير شؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي، اعترف السنة الماضية بأن إسرائيل تمسكت بمواقف كانت غير مقبولة تماما من الفلسطينيين وهي متأكدة من المساندة الأمريكية، وقال مالي إنه كان هناك انحياز واضح الى الموقف التفاوضي الإسرائيلي· وهكذا ابتعد الموقف الأمريكي جوهريا عن القرارين 242 و383 اللذين كان الفلسطينيون موعودين بأن يكونا أساسا للمفاوضات· بل إن روبرت مالي مضى الى أبعد من ذلك الى حد الاتهام بأنه بدلا من تحكيم الشروط الإسرائيلية وفق شروط دولية، فإن إسرائيل كوفئت على اتخاذ مواقف متطرفة في البداية ثم التراجع عنها تكتيكيا بصورة جزئية في وقت لاحق، فلما كان باراك تراجع عن الموقف المتشدد لسلفه اليميني بشأن بعض القضايا، فقد أضفى الرئيس كلينتون على ما يسمى “التنازلات” أهمية غير لازمة، وقد كان التقدم مبنيا (افتراضا) على تحرك نسبي بعيدا من مواقف متخذة سابقا لا على الجوهر بما في ذلك المتطلبات القانونية أو أبسط الأفكار المتصلة بالمعقولية والمساواة والعدالة·

%80 من الأراضي لا %95

أشارت التقارير الأولية التي غذاها المسؤولون الأمريكيون ورددتها وسائل الإعلام الى أن باراك كان راغبا في إعادة 95 في المئة كاملة من الضفة الغربية الى الفلسطينيين، مع أن إسرائيل لم تقدم أي خرائط لإثبات هذا الزعم· ومذ ذاك تبين على نطاق واسع أن هذه النسبة المذكورة لا تشمل القدس الشرقية الكبرى والمناطق الريفية الى الشرق والشمال، التي يعتبرها الإسرائيلون جزءا من إسرائيل نفسها ومنفصلة عن الضفة الغربية، مع أن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي برمته يقران أن هذه المناطق هي جزء من الأراضي المحتلة·

وقد استثنى العرض الإسرائيلي أيضا معظم وادي الأردن وشاطئ البحر الميت وأجزاء من صحراء الضفة الغربية التي أصر ايهود باراك على أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية لفترة موقتة نظريا إنما لمدة غير محدودة، “لأسباب أمنية” مزعومة· وأخذ هذه المناطق بالحساب يوضح أن إسرائيل كانت تعرض نحو ثمانين في المئة فقط من الضفة الغربية·

دولة فلسطينية مقطعة الأوصال

وأصر باراك أيضا على الاحتفاظ بـ 69 مستوطنة في الضفة الغربية حيث يعيش 85 في المئة من المستوطنين، وهكذا يكون باراك قد عرض إخلاء 15 مستوطنة فقط وإن كان مطلوبا من إسرائيل بناء على قراري مجلس الأمن 446 و465 واتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر نقل السكان من الأراضي المستولى عليها بالحرب أن تخلي جميع المستوطنات· وهذه التجمعات الاستيطانية قضمت الأراضي الفلسطينية بطريقة تجعل من المستحيل إقامة دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي· وبناء على خطة باراك المدعومة من الولايات المتحدة، تكون الضفة الغربية مقسومة بسلسلة من الكتل الاستيطانية والطرق الالتفافية والحواجز العسكرية التي تؤدي حسب بعض الروايات الى تقسيم الدولة الفلسطينية الجديدة الى أربعة كانتونات منعزلة· وحتى في المناطق التي يمكن أن يكون فيها جسر يضطر الفلسطينيون الى الالتفاف 50 ميلا حتى ينتقلوا بين قريتين لا تتعدى المسافة بينهما خمسة أميال·

وهكذا كان الفلسطينيون مجبرين حسب الخطة على التخلي عن أراض يحتاجون إليها من أجل التنمية واستيعاب اللاجئين·

فوق ذلك، كانت خطة كامب ديفيد (الإسرائيلية) تقضي بإعطاء إسرائيل إشرافا على المعابر الحدودية بين الدولة الفلسطينية الجديدة والدولتين المجاورتين· بل إن إسرائيل تحتفظ بالسيطرة على المجال الجوي الفلسطيني وعلى الساحل البحري الفلسطيني وعلى مكامن المياه الجوفية· وقد رفض الإسرائيليون أيضا حق العودة (وحتى لو كان مجرد مبدأ نظري) للاجئين الفلسطينيين المطرودين مما يشكل الآن إسرائيل التي قامت في حرب 1948 على الرغم من الالتزامات الواردة في المعاهدات الدولية·

عرفات رفض ما لا يقبله أحد

بناء على ذلك، ليس مفاجئا أن يرفض عرفات خطة كامب ديفيد· وفي الواقع يصعب أن نتصور قبولها من أي زعيم وطني· وحتى لو نجح كلينتون في إجبار عرفات على قبول الشروط الإسرائيلية فما كان يمكن إطلاق الحصول على تأييد بين الفلسطينيين حتى يكون الاتفاق قابلا للحياة· فالسلام غير القابل للديمومة ربما كان أسوأ من اللاسلام· أما مزاعم طاقم مفاوضي كلينتون ومفادها أن الإسرائيليين والفلسطينيين كانوا في كامب ديفيد “قريبين جدا” من الاتفاق فقد فاتها الاعتراف بوجود هوة شاسعة بين الطرفين ويبدو أن غاية هذه المزاعم هي الحط من مكانة الجانب الفلسطيني لا أن تعكس ما حصل في المفاوضات حقا· في الواقع دان الرئيس كلينتون ما اعتبره غياب المرونة لدى عرفات في حين أثنى على باراك ثم جعلت آراء كلينتون تداعيات هذه القمة الفاشلة أسوأ مما كان يمكن أن تكون·

كلينتون: لعبة اللوم

واستنادا الى المفاوض الفلسطيني نبيل شعث فقد قال: “رجوت الرئيس كلينتون قائلا: من فضلك دع عنك العبوس وقل للعالم إنها (القمة) فشلت· من فضلك قل إننا حطمنا المحرمات وتعاملنا مع لب القضايا وإننا سنواصل· لكن الرئيس كان قد بدأ عندئذ لعبة اللوم وحشر عرفات في الزاوية”· وعلى هذا النحو يلاحظ المفاوض الإسرائيلي شلومو بن عامي أنه: “في نهاية كامب ديفيد كنا نشعر أن الرزمة تحتوي بعض العناصر وأننا نحتاج الى المواصلة· لكن كلينتون تركنا وشأننا بعدما بدأ لعبة اللوم”·

في أكتوبر (عام ألفين) تبنى مجلس النواب الأمريكي باعتراض 30 نائبا فقط قرارا مقترحا من الحزبين يثني على باراك ويدين الفلسطينيين لرفضهم اقتراحه· وقد كانت غاية القرار هي إقناع الأمريكيين والإسرائيليين بأن الفلسطينيين رفضوا حقا عرضا يعطيهم ما يطالبون به جوهريا وأنهم أثبتوا بناء عليه أنهم غير مبالين بالسلام مع إسرائيل وأنهم كانوا يخططون لإشعال الانتفاضة· وكان قرار مجلس النواب الأمريكي رسالة الى الإسرائيليين كما الى الرأي العام الأمريكي مفادها أن هناك إجماعا ساحقا من نواب كلا الحزبين على أن الفلسطينيين لم يكونوا ملتزمين حقا المصالحة السلمية مع إسرائيل وأن الدعم الأمريكي الأشد حزما لاحتلالها ولحكومتها اليمينية يكون ضروريا بناء على ذلك· هذه الرسالة عززت المخاوف الكامنة في نفوس كثير من اليهود في إسرائيل والولايات المتحدة وغيرهما من أن الغاية الفلسطينية - في ضوء أعمال عرفات في الماضي، وجزئيا بفعل المخاوف العظيمة وانعدام الثقة الذي يرقى الى قرون معاداة السامية - أن الغاية الفلسطينية هي ببساطة ذبح أكبر عدد ممكن من اليهود· وقد تبين أن قرار مجلس النواب كان ذا تأثير حاسم في الشهور التالية· ذلك أنه بتصليب موقف الإسرائيليين واليهود الأمريكيين ومؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة - الذين بدأوا في السنوات الأخيرة يبدون انفتاحا على السلام مع الفلسطينيين - يمكن بناء عليه تسويغ التأييد الأمريكي لحكومة أشد تطرفا يمينيا غايتها القضاء على أي إمكانية لتقرير مصير الفلسطينيين بأنفسهم حتى ضمن ما لا يتعدى خُمس فلسطين التاريخية·

إنهاء الاحتلال واجب لا كرم

وفي حين أن عرض باراك وصل الى أبعد مما بلغته أي حكومة إسرائيلية سابقة، فإنه كان أدنى بكثير مما ينبغي على إسرائيل أن تقدم وفق المعايير الدولية الأساسية وسلسلة قرارات مجلس الأمن الدولي· وهذا مهم جدا لأن رفض تلبية المطالب يصيب قلب أولويات الفلسطينيين نظرا الى التزامات إسرائيل حسب القانون الدولي· وحتى لو وافقت إسرائيل على انسحاب تام من جميع الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع عزة بما في ذلك القدس الشرقية، واعترفت بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، فإن مثل هذا التصرف لا يمكن اعتباره بأي حال عملا عظيما أو كرما أو حتى تنازلات كبيرة لما كان مطلوبا من إسرائيل أن تفعل ذلك· كذلك لا يمكن أن نرى عملا نبيلا في الانسحاب جزئيا من بلد ما كان يجب أصلا احتلاله لأكثر من مرحلة موقتة قصيرة، وفي إخلاء مستوطنات كانت دائما غير شرعية·

طباعة  

الغزو الأمريكي للعراق·· حماقة وخطأ استراتيجي
 
استطلاعات الرأي: حكومتا أمريكا وإسرائيل معزولتان عن مواطنيهما
 
العاصفة آتية إلى الشرق الأوسط لا محالة