بقلم ناثان غوتمان
لأكثر من عام الى الآن، استطاع جورج بوش أن يمارس رسم سياسة البيت الأبيض دون كلمة نقد واحدة من مؤيديه في جناح اليمين، وعلي الرغم من أن الليبراليين غالبا ما يوجهون إليه الانتقادات، فإنه نجح في الحفاظ على جبهة متحدة· وحتى عندما عبر المحافظون الجمهوريون عن امتعاضهم من قراراته - مثل عندما قرر أن يستخدم حق النقض (الفيتو) ضد قانون تمويل الحملات الانتخابية، أو عندما رفع الرسوم الجمركية على الحديد المستورد أو دعوته لتدخل أكبر في حياة المواطنين الأمريكيين في أعقاب الهجوم الإرهابي - لم يتقدم أحد منهم ليتخذ موقفا علنيا ضد الرئيس· قضية واحدة نجحت في تحريك جناح الجمهوريين المحافظين لفتح جبهة ضد البيت الأبيض موقف الإدارة تجاه إسرائيل·
بدأ ذلك في سلسلة من المقالات والتصريحات لنافذين من اليمين المتطرف (Neoconservatives)، وهم بمثابة فرقة إنشاد انضم إليها في الأشهر الأخيرة عدد أكبر من الوعاظ المسيحيين الشهيرين، بالإضافة الى الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس· لقد تلاقت كل هذه المجموعات لتعبر عن نقدها للرئيس بوش ووزير خارجيته كولن باول لأنهم اتخذوا قرارا بالضغط على إسرائيل كي تنسحب من مناطق السلطة الفلسطينية بدلا من أخذ جانبها في الحرب على الإرهاب·
فلقد وجهت قيادات ذات وزن كبير من جناح اليمين رسالة مفتوحة الى الرئيس، تقول: “إننا نطالب بأن تنهوا الضغط على رئيس الوزراء أرييل شارون كي يتاح له الوقت الضروري ليكمل المهمة التي اضطلع بها، وهي تصفية الخلايا الإرهابية وبنيتها الأساسية من مناطق الضفة الغربية”· وجاء من ضمن الموقعين القس جري فالول وغاري بلور، رئيس لجنة حملة العمل السياسي للعائلات العاملة·
إن الخلافات الداخلية في الحزب الجمهوري هي أخبار طيبة بالنسبة إلى إسرائيل· فالحرب الآن في واشنطن وفي الرأي العام الأمريكي لا تخاض من قبل أصدقاء إسرائيل القدامى من الحزب الديمقراطي ولكن أيضا من قبل المحافظين الجدد (المتطرفين) ممن لديهم روحية وجاهزية قتالية عالية والذين يريدون أن ينقذوا إسرائيل من أعدائها، ومن الضغوطات التي توجهها إليها الولايات المتحدة الأمريكية·
ولقد حقق احتجاج المحافظين ضد السياسات الجديدة للإدارة تجاه إسرائيل مكاسب مهمة· ويعتقد المعلقون السياسيون في عاصمة الولايات المتحدة أن أحد أسباب تليين لغة الرئيس بوش تجاه إسرائيل عندما عدّل مطالباته بالانسحاب الفوري بل وكيله المديح لشارون (وصفه بـ “رجل سلام”) كان شعوره بأن الضغط الزائد على إسرائيل ربما يكلفه ثمنا باهظا على الساحة المحلية· وحتى السنة الفائتة كانت “التكاليف السياسية” المتصلة بإسرائيل تعني خسارة الصوت اليهودي، أما الآن فلقد تفاقم الأمر ليثير مخاوف أكثر خطورة - ليس فقط خسارة الناخبين اليهود (الذين بأي حال لم يساندوا بوش في تاريخهم) ولكن في إضعاف قاعدة القوة الأساسية في معسكر الجمهوريين - اليمين المسيحي والمحافظين الجدد (Neoconservatives)·
وتكشف قائمة أصدقاء إسرائيل واليمين الجمهوري تنوعا واسعا من المؤيدين الذين لا يحملون آراء متفقة طوال الوقت· فآخر موجة من التأييد قادها مثقفو المحافظين الجدد، بما في ذلك كتّاب الأعمدة المشهورون وموجهو الرأي العام مثل تشارلز كروثامر وبيل كريستول ونورمان بودهوريتز· وكثير من أعضاء هذه المجموعة من اليهود، وكثير منهم تأسسوا في اليسار وانتقلوا عبر السنين الى اليمين الأمريكي· فالمحافظون الجدد الذين بدأو في عهد ريغان كظاهرة هامشية في المشهد الجمهوري يمثلون الآن رأس حربة أيديولوجية للمعسكر، ويولي البيت الأبيض رأيهم الكثير من الاهتمام·
المحافظون الجدد
(Neoconservatives)
تتبنى أيديولوجية المحافظين الجدد منطلق “أمريكا قوية وعادلة” ولذلك تسارع لتحيي حرب الرئيس بوش ضد الإرهاب الدولي· ولهذا السبب لا يستطيع مفكرو اليمين أن يستوعبوا محاولة بوش أن يفرق بين هذه الحرب على الإرهاب وتلك التي تخوضها حكومة شارون· وعندما خاض ريتشارد نيكسون انتخابات الرئاسة عام 1972، استطاع بنجاح جلد منافسه الديمقراطي ماكغفرن نقدا بأنه “لين على الشيوعية”· وبكلمات أخرى لم يكن ماكغفرن شرساً بما يكفي ضد التهديد الشيوعي للولايات المتحدة·
الآن يستخدم هذا الاتهام نفسه من قبل المحافظين الجدد بالنسبة إلى العدو الجديد - الإرهاب - بدلا من الشيوعية· ففي مقالات المجلات، وأعمدة الصحف والمقابلات التلفزيونية وبرامج الأحاديث الجماهيرية، يحذر المحافظون من هذا الخطر، ويلمحون الى احتمال أن بوش يمكن أن يصنف بأنه “لين على الإرهاب”· فلقد أصدروا مطالب ليس فيها التباس للرئيس: لا توقف في الحرب ضد الإرهاب بكل أشكاله، وفي جميع الأماكن، من دون اعتبار لجميع الضغوط والمصالح الأخرى·
ويمكن أن نجد ممثلين للمحافظين الجدد داخل الإدارة، وخصوصا داخل الجيب اليمني في الإدارة العليا للبنتاغون· فلقد اتخذ مساعد وزير الدفاع بول ولولفويتز والوكيل للتخطيط السياسي دوج فيث بالإضافة الى المستشار الخاص ريتشارد بريل خطا شديد التأييد لإسرائيل يرجع في الزمن الى أيام جورج بوش الأب· فهم ينادون بتأييد إسرائيل، ومعارضة الاتصال بعرفات ويدفعون بعمل عسكري ضد العراق·
وهناك أيضا توجه بالمساندة القوية لإسرائيل بين المدرسة القديمة للمحافظين، رغم أنه ما زالت هناك جيوب تقليدية لمقاومة هذا الاتجاه بين صفوفهم وهؤلاء الموالين وليام سافاير الذي يعتبر مقربا من شارون وينادي في عموده من أجل تأييد أمريكي لإسرائيل لا يتزحزح، كما أن هناك مقدم برامج الإذاعة اليميني رش ليمبو وغيره من الشخصيات الإعلامية· وخلال إدارة الرئيس جورج بوش الأب، أوكل الى بوش الابن مهمة إقامة صلات مع اليمين المتطرف، بهدف كسب تأييدهم· لكنه فشل في مهمته، فلقد اعتبر المحافظون عموما بأنهم كانوا السبب في إحباط طموح بوش الأب لإعادة انتخابه، لأنهم لم يغفروا له رفع الضرائب خلال ولايته· والآن يقوم جورج بوش الابن بكل ما هو مؤلم من أجل إرضاء قدامى المحافظين ويسبغ عليهم كل ما يستطيع من تكريم واهتمام ويمنح وجهات نظرهم أهمية عظيمة·
لقد كان الصنف التقليدي للمحافظين في واقع الأمر معارضا لإسرائيل: فتأييد إسرائيل يتعارض مع المبادئ القديمة للجمهوريين - مثل الحاجة الى تخفيض المساعدات الخارجية الى حدودها الدنيا - إضافة الي موقفهم من التورط في الصراعات الإقليمية· وكانوا يحملون أيضا تفضيلا عمليا للدول العربية - ذات الأهمية الاقتصادية القصوى للولايات المتحدة الأمريكية - على إسرائيل· ولقد هُمش أبطال هذا التوجه الآن· فلقد دفع بات بوكاتين أهم ممثلي المحافظين التقليديين المعادين لإسرائيل والذي يتهم في بعض الأحيان بمعاداته للسامية بسبب بعض التصريحات التي لا يمكن إعطاؤها أي تفسير آخر، دفع خارج الحزب الجمهوري، ولم ينجح في حياته السياسية المستقلة ولا يزال الجانب المحافظ يمثل بكاتب العمود روبرت نوفاك، ولكن هذه المجموعة التي ينتمي إليها منذ عقود، تجد نفسها على الهامش الآن·
والى جانب المحافظين الجدد والقدامى، ممن يؤيدون إسرائيل لأسباب عقيدة دفاعية متشددة، هناك مجموعة جناح يميني، تستمد مشاعرها المؤيدة لإسرائيل من اعتقادها في الإيمان المسيحاني بالآخرة - وهم الوعاظ التبشيريون والحزام الإنجيلي (Bible belt) من المؤمنين - ويعتقد الوعاظ الذين يضمون جيري فالول وبات روبرتسون وكال توماس، أنه فقط بانبعاث شعب إسرائيل على أرضه يمكن استعادة العهد المسيحي وجلب الخلاص للمسيحيين·
إن العلاقات الإسرائيلية بهذه المجموعات ليست جديدة، بل تعود الى أيام مناحيم بيغن· ولقد طورت القاعدة الدينية المسيحانية علامة قوية بين إسرائيل واليمين الأمريكي الديني، بما في ذلك التأييد المسيحي الذي لا توسط فيه لقيام إسرائيل كبرى وقوية وعدوانية·
إن الجديد ليس تأييد المسيحيين الأصوليين لإسرائيل، ولكن الأهمية التي تخصصها لهم الإدارة الأمريكية الحالية· فالمحافظون المسيحيون الذين كانوا يقفون على خط الحدود أصبحوا خلال عهد الرئيس جورج بوش الابن قوة قيادية في الإدارة· لقد قامت بكثير من الجهود العملية في حملة انتخاب بوش، وضمان ولائهم يمكن أن يساعده مرة أخرى عام 2004·
إن تأييد الجمهوريين المحافظين لإسرائيل ليس مسلّمة سياسية· فالجمهوريون والى هذا التاريخ لم يكسبوا أي مكافآت انتخابية نتيجة لتأييدهم، وغالبية عظمى %81 من اليهود الأمريكان صوتوا في الانتخابات الأخيرة للمرشح الديمقراطي آل غور· وفي هذا الإطار، كتب وليم سافاير قبل (أسبوعين) “بالرغم من أن السياسة الخارجية دائما ليست هي العنصر الحاسم، فإنه ربما يتوجب على %80 أن يعيدوا تفكيرهم”· وعلى أي حال، حتى لو ازدادت مساندة اليهود لمرشح الجمهوريين لانتخابات الرئاسة في عام 2004، فالتقديرات أن الغالبية ستواصل تأييدها للديمقراطيين·
لا تغضبوا المحافظين
إن قضية إسرائيل ليست السبب الوحيد الذي يساهم في تفشي المرارة بين الجمهوريين المحافظين· إنهم غاضبون لقرارات بوش في الاقتصاد، وفشله في التعيينات لشخصيات محافظة صرفة وتفضيله المعتدلين، وإعلاناته عن الرغبة في التوصل لحلول وسط حول أمور تشريعية أساسية، مثل إصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية، والتأييد للمؤسسات الدينية المنشغلة بالرعاية الاجتماعية، وقانون التعليم· ومنذ البداية، حاول بوش أن يفعل كل شيء لإرضاء المحافظين، ابتداء من تعيينه اليميني المتطرف جون أشكروفت الى إعادة الضرائب الضخمة التي تمت السنة الماضية الى تصميمه على معارضة اجتماعه بياسر عرفات· ولكن سنته الثانية في الرئاسة والحرب على الإرهاب غيرت الأولويات هذه المرة مما أثار الإحباط لدى المحافظين·
ينفي البيت الأبيض وجود أي خلافات بينه وبين قاعدة قوة المحافظين قائلا إن النقد يصدر فقط من نخبة محافظة صغيرة عبرت عن اعتراضاتها في وسائل الإعلام· وتبين استطلاعات الرأي التي يعرضها مساعدو بوش الى تأييد قوي لبوش بين المحافظين وتأييد بنسبة %100، وليس أقل، بين التبشيريين المسيحيين، يقول السكرتير الصحافي للرئيس آري فليشر “حتى في يوم سيئ، نحن متحدون أكثر بكثير من الديمقراطيين في يومهم الطيب”·
ويمشي بوش وإدارته على خط صعب عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، فهم يحاولون بقوة عدم إغضاب الجناح المحافظ في بيتهم مع عدم الإضرار بفرص حرب مستقبلية ضد صدام حسين· ومن جانب يصدر الرئيس تصريحات متحيزة لإسرائيل بينما في الجانب الآخر، يجهض مبادرات من أعضاء في حزبه، توم ولي وميتشيل مكونل، اللذين عبرا عن تأييدهما لإسرائيل ومعارضتهما للفلسطينيين· وربما يظل النقد داخل المعسكر الواحد على نار هادئة، لكن مساعدي الرئيس يدركون تماما أنه عندما يأتي وقت اتخاذ قرارات بشأن الشرق الأوسط، فإن لاعبين إضافيين يجب أن يؤخذوا الآن بالحسبان·
هآرتس