· الاعتدال يمثل تهديدا أكبر لزعيم الليكود من التطرف الفلسطيني
· شارون لم يتوقف يوما عن قرع طبول الحرب وعارض كل مبادرات السلام
بقلم: آفي شالايم*
يبرر رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون الهجوم العسكري على الضفة الغربية بأنه عمل دفاعي ضد الإرهاب الفلسطيني بشكل عام والعمليات الانتحارية بشكل خاص· ولكن الإرهاب - أي استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية - هو التكتيك الحربي الذي مارسه شارون دائما على مدى حياته العملية الحافلة بالعنف وسفك الدماء·
ففي أكتوبر 1953، قاد الرائد في الجيش الإسرائيلي، ارييل شارون، غارة أفضت الى تدمير قرية قبية (الفلسطينية) حيث دمر 45 منزلا وقتل 69 مدنيا·
وفي سبتمبر 1982، تحمل وزير الدفاع الإسرائيلي ارييل شارون المسؤولية القيادية عن مجازر صبرا وشاتيلا·
ومنذ أسابيع عدة يشن الجيش الإسرائيلي بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء ارييل شارون، حربا عنيفة ضد الشعب الفلسطيني شملت احتلال المدن وقصف المخيمات ونسف المنازل والهجوم على المنشآت والطواقم الطبية واعتقال المئات من المشتبه فيهم وتنفيذ عمليات إعدام جماعية·
أجندة حقيقية
والهدف السياسي من وراء هذا التصعيد العسكري هو قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين لإجبارهم على الاستسلام·
ألم يقل شارون نفسه “يجب أن يضربوا، يجب أن نلحق بهم إصابات شديدة وحينئذ سيدركون أنه ليس بوسعهم مواصلة اللجوء الى الإرهاب لتحقيق أهداف سياسية”؟
أما الأجندة السياسية الأوسع لشارون فهي تقويض اتفاقات أوسلو واستكمال احتلال المناطق (الفلسطينية) وتقويض السلطة الفلسطينية وإضعاف وإذلال القيادة الفلسطينية واستبدال ياسر عرفات بأحد العملاء لإسرائيل·
باختصار، ها هو بطل الحلول العنيفة يطلق حملة إرهابية في المناطق المحتلة ليس فقط لقمع الإرهاب الفلسطيني، بل لوأد مسيرة الشعب الفلسطيني نحو الاستقلال والحرية والدولة·
فالأجندة الحقيقية وراء “حرب شارون على الإرهاب” هي خطط حزب الليكود القديمة لإقامة إسرائيل الكبرى من نهر الأردن الى البحر المتوسط·
وكجزء من الحملة المنظمة لإضفاء الصبغة الشيطانية على السلطة الفلسطينية، يحاول شارون تصويرها كمؤسسة تقف وراء العنف ضد المدنيين الإسرائيليين·
وفي الواقع، فإن السلطة الفلسطينية تتألف من مجموعة من الأعضاء المعتدلين الذين انضموا الى عرفات في نبذ الإرهاب وسلوك السبل السياسية وسيلة لحل الصراع· إنها شكل من أشكال الحكومة الآخذة في الكون تصل ميزانيتها السنوية مليار دولار، وهي مسؤولة عن تقديم الخدمات لـ 3,3 ملايين نسمة في الأراضي المحتلة·
ترانسفير
وموظفو السلطة الذين يزيد عددهم عن 150 ألف شخص ليسوا فقط من الشرطة ورجال الأمن، بل موظفون مدنيون أيضا ومدرسون وأطباء وعمال مستشفيات وغير ذلك· وتفكيك السلطة يقود الى الفوضى وانتشار عدم الاستقرار والعنف· وهذا لن يخدم مصالح إسرائيل الأمنية، لكنه قد يوفر الحجة التي يسعى إليها شارون لإعادة احتلال الضفة الغربية ومواصلة عملية ضم الأراضي وممارسة سياسة “الترانسفير” ضد بعض سكان هذه الأراضي، الى دول عربية مجاورة·
فشارون لا يسعى لإقامة السلام مع الفلسطينيين، ولا يريد سوى استسلامهم وطردهم· فالقمع والوحشية والقوة الغاشمة هي كل ما يفهمه شارون، ومفاهيم المساومة والتعايش والحلول الوسط بعيدة كل البعد عن طريقته في التفكير· وبالنسبة له، يمثل الاعتدال الفلسطيني تهديدا أكبر من التطرف الفلسطيني·
فرد شارون على إشارات الاعتدال التي أظهرتها منظمة التحرير الفلسطينية في أوائل الثمانينات، كان غزو لبنان· وكانت أهدافه الرئيسية تدمير المنظمة كقوة سياسية وعسكرية وقضم ظهر الحركة الوطنية الفلسطينية واستيعاب الضفة الغربية ضمن “إسرائيل الكبرى”· لقد كانت حرب تضليل انتهت بكارثة· ولكن مهندس تلك الحرب لم يتعلم شيئا من أخطائه تلك على ما يبدو، فاليوم، كما في عام 82، يشعر شارون بالاضطراب نتيجة الاعتدال الفلسطيني لأنه سوف يترجم الى تعاطف ودعم دوليين·
طبول الحرب
وقد عززت رغبة شارون في إملاء الشروط والهيمنة عززت نهجه تجاه الدول العربية المجاورة طوال حياته العامة·
فقط ظل يقرع طبول الحرب على الدوام ولم يؤيد أبدا أي مبادرة سلمية·
لقد عرضت الدول العربية عبر تبنيها المبادرة السعودية في قمة بيروت، على إسرائيل السلام والعلاقات الطبيعية مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة عام 67، فجاء رد شارون الفوري بإعلان الحرب وإرسال دباباته الى الضفة الغربية ليس فقط من أجل إجبار الفلسطينيين على الاستسلام، بل لتقويض مبادرة السلام السعودية·
لقد سقط أكثر من ألف وخمسمئة شخص في انتفاضة الأقصى التي فجرتها زيارة شارون الاستفزازية إلى المسجد الأقصى· وفي حين أنه يلحق المعاناة الشديدة بالفلسطينيين إلا أن هذا الرجل المتوحش والمولع بالحروب، يعرض أمن شعبه أيضا للخطر· لقد انتخب على أساس برنامج تحقيق السلام والأمن، فكم من الأرواح سوف تسقط قبل أن يفهم شارون أنه ليس بالإمكان فرض السلام، بل يمكن التفاوض بشأنه، وأنه دون سلام لا يمكن أن يتحقق الأمن؟
* بروفيسور العلاقات الدولية في جامعة اكسفورد
“ عن الهيرالدتريبيون “