رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 29-6 ربيع الأول 1423هـ الموافق 11--17 مايو 2002
العدد 1526

رسالة مفتوحة من ضابط احتياط في الجيش الإسرائيلي إلى اليهود الأمريكيين
الجيش الإسرائيلي هو الذي يمارس الإرهاب وليس الفلسطينيون

  

·        تعلمنا من أيام غولدامئيرودايان أن العرب لا يفهمون إلا لغة القوة ولا يوثق بهم

·        أشعر بالعار من عمليات القهر والإذلال ضد الفلسطينيين

·        علينا أن نعامل الفلسطينيين كبشر مثلنا ولا نطلب مقابلا لذلك

·        إسرائيل لا ترتكب الجرائم النازية فقط بل تستخدم مفرداتها أيضا

·        شارون يروج أنها حرب وجود لتبرير أعمال القتل الرهيبة

·        القمع الإسرائيلي وفقدان الأمل وراء نمو حركات التطرف والإرهاب

·        ساعدونا في التخلص من الخوف والعنصرية والحقد التي زرعتها فينا “المؤسسة”

 

بقلم: عساف أورون

ما إن نشرت منظمة يهودية مؤيدة للسلام تدعى “تيكون” Tikkun التي يرأسها الحاخام مايكل ليرنر وتتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، إعلانا مؤيدا لنا، نحن جنود وضباط الاحتياط الإسرائيليين الرافضين للخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة “والذين وصل عددهم الآن الى أكثر من ألف جندي وضابط وجنرال يرفضون المشاركة في عمليات قمع الفلسطينيين”، حتى انهالت عليها الرسائل الإلكترونية والهواتف التي تنضح بالكراهية من يهود أمريكيين آخرين·

والمثير في الأمر أن منظمات يهودية أمريكية تعتبر نفسها مؤيدة للسلام، نددت أيضا بإعلان “تيكون” لدرجة دفعت ببعض أعضاء المجلس الاستشاري لهذه المنظمة أن يقدموا استقالاتهم خوفا من الأضرار الشخصية التي قد تلحق بهم·

هذا الأمر كان محزنا ومنذرا بالخطر وأثار غضبي، فوجدت نفسي مختليا بنفسي لساعات طويلة عشية عيد “الباسوفور” لأكتب هذه الرسالة المفتوحة لكم جميعا· إنها رسالة طويلة بعض الشيء ولكن أرجو أن تطيقوا معي صبرا·

لقد فهمت أن معظم الانتقادات “المتحضرة” كانت موجهة، على ما يبدو، على هذا الجانب أو ذاك من نص إعلان “تيكون”· وهذا الأمر ليس جديدا عليّ·

فعلى مدى الشهرين الماضيين، منذ أن نشرنا إعلاننا، سمعت وقرأت عددا من الجدليات حول جوانب محددة من الإعلان· وتتراوح هذه الجدليات بين النقاط الصغيرة الثانوية والأخرى المثيرة للسخرية، ولكن يمكن تفنيد كل هذه النقاط خلال دقائق· ولكن في اللحظة التي تقوم بها بتفنيدها، تظهر لك جدليات كثيرة كالمشروم·

ومن الواضح أن هناك شيئا عموميا وليس محددا، وراء كل هذه الانتقادات· وعليه، اسمحوا لي، فسوف أبدأ من العام ثم أعود الى مسألتين خاصتين·

حرب بين الخير والشر

الموضوع العام هو القبلي· هناك صوت عال جدا “وهو الصوت الوحيد المسموح له أن يعلو في إسرائيل اليوم” يتردد على أسماعنا ليل نهار بأننا نخوض حربا بين قبيلتين، قبيلة من بني البشر والخير المطلق (الإسرائيليون” وقبيلة أشباه البشر والشر المطلق “الفلسطينيون”·

صوت من يرى الشجرة ولا يرى الغابة هو المهيمن لدرجة أنه وجد طريقه الى صحف أمريكية كبرى مثل نيويورك تايمز “وليام سافاير 24 أو 25 مارس”· وبالنسبة الى أولئك الذين يجدون من الصعب تصديق صورة الأسود /أبيض التي يحاولون ترويجها، تنطلق الصرخات العالية في إسرائيل بأننا نخوض معركة حياة أو موت، وأن قبيلة واحدة هي التي سوف تنتصر وتبقى، وهكذا فحتى لو لم نكن نمثل الخير المطلق علينا أن نمنح أخلاقياتنا وضمائرنا فسحة من السبات كي نقاتل من أجل أن نقتل، وإلا فإن الفلسطينيين سيلقون بنا في البحر· هل يقرع ذلك الجرس بالنسبة إليكم؟ نعم إنه يفعل ذلك بالنسبة إلي· حين كنت طفلا في عهد غولدا مئير وموشيه دايان، كل ما كنت أسمعه هو أن العرب هم وحوش غير إنسانية يريدون أن يرموا بنا في البحر، وإنهم لا يفهمون سوى لغة القوة· وأنه منذ أن انتصر جيش الدفاع الإسرائيلي “الرائع” في حرب الأيام الستة، أصبحوا يمتنعون عن العبث معنا· وبالطبع، ينبغي لنا الاحتفاظ “بالأراضي المحررة” لأنه لا يوجد من نتفاوض معه·

ثم جاءت حرب يوم الغفران (1973) وبالنسبة الى طفل في السابعة من عمره، كان ذلك يمثل الدليل المؤكد بأن العرب يريدون فعلا أن يلقوا بنا في البحر، وكانت فرصة عظيمة لجيش الدفاع الإسرائيلي كي يلقنهم الدرس· لقد صليت من أجل استمرار الحرب حتى نهايتها الطبيعية والحتمية أي الاستسلام الكامل لكل الجيوش العربية· لقد كنت أصغر من أن أقوم بتقييم الوضع بالنسبة الى كيفية انتهاء الحرب· فقد كانت مفاوضات وقف إطلاق النار بالغة التعقيد ومملة، بل أكثر مللا من الحرب ذاتها· وبدا كما لو أن الانسحابات التي أقدمنا عليها بموجب اتفاقات وقف إطلاق النار، تنطوي على إهانة·

نتائج كارثية

وأتذكر كيف رسمت وسائل إعلامنا إعادة فتح قناة السويس كضرب من الهزيمة· ومرت سنوات عدة وحدث شيء مثير للسخرية فهؤلاء العرب الذين يريدون أن يلقوا بنا في البحر جاؤوا للتفاوض، ووقعوا اتفاق سلام كامل معنا مقابل استعادة سيناء كاملة· لقد صرخ رئيس أركان الجيش “آنذاك” مردخاي غور، إنها خدعة وعلينا ألا نثق بالسادات، لكن السياسيين وقعوا اتفاق السلام في النهاية، وحينها كنت شابا يافعا، فذهبت للمشاركة في المظاهرات احتجاجا على الانسحاب من سيناء· وقد بدا غريبا بالنسبة إلي أن معظم المتظاهرين كانوا من اليهود الأرثوذوكس· وبعد ذلك أصبحت قضية منطقية بالمطلق، أن العرب أناس لا يوثق بهم·· وهذا ما تعلمناه منذ اليوم الأول·

حسنا، ربما كان من مصلحة البلاد، أن الحكومة والأغلبية قد تبنت منطقا آخر، ولم تضيع فرصة السلام مع مصر· ولكن نظرية أن هناك من يسعى لإلقائنا في البحر، بدأت تجد لها حقولا أخرى· لقد كانت هناك حقيقة مزعجة على الحدود الشمالية· وبالرغم من أن قوات الطرف الآخر “الفلسطينيون” التزمت بوقف إطلاق النار لأكثر من عام· كان هناك عرب وبالتالي، لا يمكن الوثوق بهم· وبدأ الحديث عن غزو لبنان وإقامة نظام صديق هناك· وكان العقل المدبر للغزو وزير الدفاع أرييل شارون· وصوّت شيمون بيريز، زعيم حزب العمل المعارض (آنذاك) الى جانب حزبه لصالح تأييد الغزو· وبعد النتائج الكارثية لهذا الغزو، وبعد إصدار أحكام بالسجن ضد عدد من الجنود والضباط الرافضين للخدمة في لبنان، بدأت المعارضة الرئيسية تتحول ضد الغزو·

وبالنسبة إلي، كشاب في السادسة عشرة، كانت تلك نقطة تحول· فحين اكتشفت أن الحكومة كذبت علي من أجل تسويق هذه الحرب، تحولت من يمين الوسط الى اليسار· وكان من المحزن أن الأمر استغرق 20 عاما أخرى، في عملية بطيئة ومؤلمة، كي أفهم ما الذي يجري حولي·

فكم كانت الأكاذيب وتضليل الذات متجذرة في أعماق تخيلنا الجماعي للحقيقة· ومع ذلك، فحين سحب بيريز معظم قواتنا من لبنان عام 1985· ومع ذلك، ظل من غير الممكن الوثوق بالعرب· وهكذا، فمن أجل تهدئة مخاوفنا وشكوكنا التي لا نهاية لها، خلقنا ذلك المصدر الدائم للموت والجريمة المسمى على نحو ينطوي على المفارقة “منطقة الحزام الأمني”· واستغرق الأمر سنوات عدة أخرى والكثير من الدم وحركة “الأمهات الأربع” - وعلى العكس من رغبة كل السياسيين والجنرالات والمعلقين - للانسحاب أخيرا من لبنان· وخلال هذه التجربة الطويلة والصعبة، عرفنا أن اللبنانيين أيضا، هم بشر لهم حقوق يجب احترامها·

أما الفلسطينيون فهم ليسوا كذلك، لأنهم قريبون منا على نحو مؤلم “ولأنهم ضعفاء”، فبدأنا نعاملهم بشكل خاص· وقد فرضنا سيطرتنا عليهم، وسمحنا لأنفسنا أن نطأ عليهم كالقمامة وأن نتعامل معهم كالكلاب· بل فعلنا ذلك مع مواطنينا الفلسطينيين·

مخاوف وشكوك

أما في الأراضي المحتلة عام 1967، خلقنا حقيقة تتسم بالهوس المطلق، يسمح من خلالها لبني البشر الحقيقيين، أعضاء “أمة الأسياد” التنقل والاستيطان بحرية وأمان أينما شاؤوا، في حين أن أشباه البشر “أمة العبيد” يجري حشرهم في الزوايا المظلمة وتحت سيطرة جيش الدفاع الإسرائيلي· لقد كنت هناك وتعلمت كيف أفعل ذلك في منتصف الثمانينات·

لقد مارست وشاهدت أفعالا، ما زلت أشعر بالعار من تذكرها حتى اليوم· ومن حسن حظي، أنني لم أمارس أو أشاهد انتهاكات أخلاقية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، كما حدث لبعض زملائي في الجيش·

منذ عام 1987، ظلت هذه الحقيقة القاسية والمستحيلة وغير الطبيعية والمهينة، تنفجر في وجوهنا في الأراضي المحتلة· ولكن بسبب إيماننا الذي لا يتزعزع بأن الفلسطينيين هم وحوش يريدون أن يلقوا بنا في البحر، جاء ردنا بمحاولة الإبقاء على الاحتلال مهما كلف الثمن، وكان ذلك، بالطبع، يعني استخدام المزيد والمزيد من القوة، وكانت النتيجة الطبيعية أن نواجه بالمزيد والمزيد من القوة أيضا· وحين بدأت عملية السلام الناشئة والمترددة، تشق طريقها وسط كل هذه المتاعب، كان العنصر الرئيسي الذي أضعفها وأبطل معناها هو ما بنيناه من مخاوف وشكوك لا نهاية لها تجاه الآخر· ومن أجل التغلب على تلك المخاوف والشكوك، اخترنا طريق السيطرة الكاملة على الآخر، من خلال تلك العملية “عملية السلام”· وحين قرر هذا الآخر أننا نقوم بخداعه، اندلعت أعمال العنف، الأمر الذي أدى الى إيقاظ كل نوازع الشر فينا· وحينئذ بدأنا نردد أنهم عادوا لوجههم الحقيقي· إنهم يريدون أن يلقوا بنا في البحر·

ليس هناك من نتفاوض معه (لا يوجد لنا شريك” وفقا للمصطلح المحبب لرئيس وزرائنا السابق باراك)، وأنهم لا يفهمون سوى لغة القوة· وهكذا جاء ردنا كما نعرف ونحب، باستخدام المزيد والمزيد والمزيد من القوة· وهذه المرة، وكان تأثير ذلك، إشعال النار في برميل من البنزين· وكانت تلك هي اللحظة التي قلت فيها لنفسي: لا، لن أشارك في هذه اللعبة بعد اليوم·

ولكن ماذا عن التهديد لوجودنا، كما قد تسألون؟ حسنا، فإنني أرد عليكم بسؤال: أليست لكم أعين ترون بها؟ ألا ترون دباباتنا تشق الشوارع الفلسطينية بين الحين والآخر؟ ألا ترون طائرات الهيلوكوبتر الإسرائيلية تحوم فوق المدن والأحياء الفلسطينية وتختار النافذة التي ستطلق عليها صواريخها؟ فما التهديد لوجودنا، ذلك الذي نرد عليه ونحن نقوم بسحق الشعب الفلسطيني؟ ربما يقول قائل، لمنع عمليات الإرهاب· ودعوني أستخدام كلمات صديقي ايشاي روزن زفي “هل تقاتلون ضد الإرهاب؟ إنها نكتة، فالحكومة الإسرائيلية، حولت المناطق من خلال سياسة الاحتلال، الى أرض خصبة لنمو الإرهاب”· لقد نثرنا البذور، وأنبتناها وغذيناها، ثم يراق دمنا، ويجني جناح يمين الوسط، ثمار ذلك!

تضليل الذات

وفي الواقع، فإن الإرهاب هو الصديق الأوثق لجناح يمين الوسط· هل تعرفون أنكم حين تعاملون الملايين من الناس وكأنهم ليسوا بشرا، لفترة طويلة، فإن بعضهم سيجد استراتيجيات غير إنسانية للرد· أليس هذا ما فعله الصهاينة والثوريون اليهود الآخرون قبل مئة عام· ألم يقل آباؤنا الأوائل، دعونا نعش كباقي البشر، وسوف نتصرف كبشر؟

آمل أن يكون الجزء الأول من الرسالة قد نجح في تفنيد نظرية أنهم يريدون أن يلقوا بنا في البحر· إنها عملية جماعية لتضليل الذات· ولكن الأهم من ذلك، أنني لم أر قبائل، بل أناسا وكائنات بشرية· وأعتقد أن الفلسطينيين هم بشر مثلنا· وقبل أي شيء آخر، يجب علينا أن نعاملهم كبشر دون أن نطلب منهم شيئا لقاء ذلك·

إننا لا نعالج متطلبات الفلسطينيين الأساسية إذا ألقينا لهم (كما يعتقد باراك وأنصاره) بالفتات على شكل “بانتو ستانات” تخضع لسيطرتنا كليا ثم نطلق على ذلك بأنه عرض “سخي”!

فالمطالب الفلسطينية ليست السبيل لتحقيق العدالة التاريخية فحسب، بل إنها متطلبات حيوية لبقاء دولتنا· وبعد ذلك، وبناء على دروس التاريخ الحديث، لا سيما الصراع العربي - الإسرائيلي، فإنني لا أعتقد أن الفلسطينيين سوف يهدؤون وأن الأمر سينقلب في النهاية علينا·

وليست لدي ضمانة سياسية لذلك، ولكن تخيلوا ما الذي تفعله السياسة المضادة· وفي هذه الأثناء، أرفض أن أكون إرهابيا باسم قبيلتي، لأن الحرب ليست ضد الإرهاب كما تحاول الماكينة الإعلامية الإسرائيلية تسويقه· إنها حرب إرهابية، نوظف فيها جيش الدفاع الإسرائيلي - بدلا من عصابات الإرهاب الفلسطينية - في شكلين من أشكال الإرهاب· الشكل الأوضح، يتمثل في أعمال القتل والتدمير التي يحاول البعض وضع تفسير لها باعتبارها “أعمالا جراحية للدفاع عن النفس”· والشكل الأسوأ من الإرهاب هو الصامت الذي استمر بقوة منذ عام 1967 وطوال عملية أوسلو، إنه إرهاب الاحتلال والإذلال الفردي والجماعي والحرمان والسرقة التي يتم تشريعها وعمليات الاستغلال والتجويع ضد الفلسطينيين· هذا هو جبل جليد الإرهاب الذي يمثل أرضية خصبة لنمو الإرهاب المضاد· إنني ببساطة، أرفض أن أكون إرهابيا ومجرما، حتى لو نددت بي القبيلة بأكملها·

ديمقراطية نسبية

هذا يقودني الى الموضوع المحدد رقم واحد، وهو هل نستغل - نحن رافضي الخدمة - الذين تعرضنا للتنديدات والاضطهاد، هل نستغل التسامح والديمقراطية الرائعين في إسرائيل كي نخلق المتاعب؟ حسنا، يجب علي أن اعترف أن إسرائيل ليست الاتحاد السوفييتي السابق أو نظام بينوشيه في تشيلي، وأن اليهود يتمتعون - على الأقل - بديمقراطية نسبية، وعلي أن أشير أولا، الى أن الحكومة والجيش يحلو لهما إشاعة صورة “دعوهم يتكلمون”، وهي الصورة التي تخدم مصالحهما·

ثانيا، من الناحية الفعلية تقوم “المؤسسة” بإسكاتنا بطريقة معقدة وبمساعدة سخية من وسائل الإعلام التي أخذت تردد أنه لا توجد معارضة لسياسات الحكومة، وبالتالي· تورد القنوات التلفزيونية نبأ مظاهرات تضم أكثر من 20 ألف شخص، في نشراتها المتأخرة من الليل ولمدة خمس ثوان فقط، وتتجاهل هذه القنوات مظاهرة لخمسمئة مجند خارج أحد السجون العسكرية· والحقيقة أن هناك الآن، أكثر من عشرة مجندين من رافضي الخدمة خلف القضبان· إنهم يحاولون إخفاء الحقائق عن الرأي العام الإسرائيلي·

ولا يعلم الرأي العام، بالطبع، أن جيش الدفاع تفادى الاستجابة لمطالب اثنين من الضباط للخضوع لمحاكمة عسكرية كاملة كي يدافعا عن نفسيهما وإظهار لا شرعية الخدمة في المناطق المحتلة·

ولو أرادت وسائل الإعلام، لاحتلت مثل هذه القصص صدارة الصحف ونشرات الأخبار· ومع ذلك، فإنكم تواصلون سماع أخبارنا، ولكنكم لا تسمعوننا، بل تسمعون أناسا يشرحون ويحللون ويهاجموننا على الأغلب· لقد أصبحنا محطا للكراهية وتوحدت القبيلة ضدنا، وأخذ الكثيرون يحرضون علينا، ولم يعبأ أحد بإثارة عدم شرعية هذه الحملات الموجهة ضدنا “فلا أحد يتذكر القانون إلا حين نقوم - نحن رافضي الخدمة - بخرقه”·

أجندة خفية

ولم يحاول أحد أن يرى حدود هذا النقاش· وألقى رئيس الوزراء في أحد خطاباته، باللائمة علينا لموجة الإرهاب “وليس على سياسات الحكومة الكارثية”· ولم يتوقف رئيس الأركان شاؤول موفاز عن الحديث عنها·· فهو ينظر إلينا كحفنة من المحرضين ممن لديهم أجندة خفية· والمفارقة هي أن الأمر الوحيد الذي قد يحمينا من السجن وفقدان وظائفنا هو الرأي العام· ففي اللحظة التي تعتقد الحكومة أو الجيش أن الأضواء لم تعد مسلطة علينا وأن أحدا لا يرى ولا يكترث، فسوف يجدون أو يخترعون الصيغة القانونية لوضع “زعمائنا” وراء القضبان لمدة طويلة· تذكروا أن المسكين أبي ناثان حكم عليه بالسجن لمدة عامين فقط لأنه تجرأ على الحديث مع أعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية عن السلام· ولكن هذا ليس هو المهم، لأنه في اللحظة التي سوف تشعر الحكومة أن الأضواء قد خفتت عنا كأن يحدث هجوم إرهابي هائل أو هجوم أمريكي على العراق، فسوف يقع حمام دم في الأراضي المحتلة يكون العام ونصف العام الماضيين، مقارنة به، مجرد نزهة·

وهذا يوصلني الى النقطة الثانية وهي التلميحات النازية· فبعض القراء اعتقدوا أن عبارة “إطاعة الأوامر” في إعلان “تيكون” كان إشارة لمزاعم القتلة النازيين بأنهم إنما كانوا “يطيعون الأوامر”· وأشار الحاخام ليرنر بشكل محق، لأولئك القراء أن التنفيذ التلقائي للأوامر هو من سمات كل الدكتاتوريات وليس النازية فقط، في حين أن رفض تنفيذ الأوامر على أسس أخلاقية هو دلالة على الديمقراطية· إنني أتفق معه، ولكن دعوني أكن أقل أدبا وأكثر صحة من الناحية السياسية· ففي النهاية، إن بلادي هي التي تشتعل وأنا أكتب هذه الرسالة·

فما الذي يحدث؟ هل تحتكر إسرائيل حق تصنيف خصومها على أنهم نازيون، وأنه على الجميع أن يصمتوا، حتى وإن بدأت الحقيقة تتحدث عن ذاتها؟ فالأحزاب التي تؤيد الفكرة النازية المتمثلة بطرد الفلسطينيين من بلادهم، لها تمثيلها في الكنيست وتفرض وجودها على الخريطة السياسية “الشرعية” في البلاد منذ عام 48· فقد أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أن 35 في المئة من الجمهور الإسرائيلي يؤيد هذا “الحل”، كما يطلقون عليه في بعض الأحيان·

نازية جديدة

فالكثير من زعمائنا والحاخامات والناس العاديين يشعرون بالحرية في الدعوة العلنية في وسائل الإعلام لمحو المدن الفلسطينية بسكانها أو بدونهم· ففي الأسبوع الماضي تلقى الجنرال المتقاعد ايفي ايتام الذي يستعد لقيادة الجناح المتدين وقد يكون نائبا لبنيامين نتانياهو أو بديلا له، رسالة ثناء في ملحق صحيفة هآرتس، لأيديولوجيته التي لا تخفي المطالبة بطرد الفلسطينيين الذين يرفضون العيش في الجليل والضفة الغربية كعبيد، الى الأردن أو سيناء·

ويقول ايتام “لماذا ينبغي لنا - نحن الدولة الفقيرة الموارد - تحمل عبء حل المشكلة الفلسطينية؟ حسنا، فأنا لا أعرفك ولكني أتذكر بعض المقولات النازية التي تعود الى الأيام الحالكة ما بين عام 1938 وبداية الحرب حين طرد اليهود من ألمانيا ولكنهم لم يجدو ملاذا آمنا لهم في أي مكان آخر· وحين أرى جنرالا متقاعدا يتصاعد نجمه السياسي يستخدم لغة الخطابة النازية ذاتها في أكثر صحف إسرائيل “ليبرالية” ودون أن يتعرض للانتقاد من قبل الشخص الذي يجري معه المقابلة أو رئيس تحرير الصحيفة، فإن شعر رأسي يقف لهول ما أسمع·

ودعونا ننتقل من المسرح السياسي الى الأرض· فقد قرر صديقي الضابط في الاحتياط دان تامير رفض الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة قبل عام تقريبا، بعد أن أدرك حقيقة ما شارك في القيام به حين كان يخدم كضابط استخبارات· فقد أدرك أنه أرسى خططا لتحويل بلدة فلسطينية كبيرة الى غيتو مغلق·

والآن، يعاني معظم الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من المجاعة في هذه الغيتوهات التي لم يعد يسمح لهم بمغادرتها· ولماذا تأخذون المعلومات من رجل “يساري”؟ استمعوا لما يقوله ضابط كبير في الجيش، فقد نقلت “هآرتس” عن أحد الضباط الميدانيين في الأراضي المحتلة قوله “يوم 25 يناير الماضي) أنه من أجل الأعداد لمعارك محتملة في المناطق والأحياء الآهلة بالسكان، يجب على الجيش أن يتعلم - عند الضرورة - كيف عمل الجيش الألماني في غيتو وارسو· وبعد أسبوع واحد· أكد مراسل الصحيفة ذلك الاقتباس، والواقع أن هذه رؤية تنتشر على نطاق واسع في أوساط الجيش، بل هناك من يدافع عنها من الناحية الأخلاقية· وقد حاولت أقلية من الناس وأنا منهم، إثارة هذه الفضيحة· ولكن رفضت الصحيفة نشر رسالتي ولم تجب على طلبي مناقشة الأمر هاتفيا مع رئيس التحرير· وماتت المسألة لأن أحدا من الإسرائيليين أو جمهور اليهود في الخارج، لم يعر الأمر اهتماما·

أين كان كل هولاء عن ذلك في الوقت الذي صبوا جام غضبهم على إشارة للنازية في إعلان “تيكون”؟ أين كانوا حين تفاخر ضابط كبير في الجيش بالقول إنه “من أجل أن نضرب الفلسطينيين، علينا أن نكون يهودا نازيين”؟

قبضة الموت

وذهبت في رسالتي الى “هآرتس” الى أبعد من ذلك، حين قلت إن الجيش الإسرائيلي يستعد لغزو المخيمات الفلسطينية لارتكاب جرائم حرب، ولمعرفتي بعقلية الجيش، فإني أعتقد أنه بدأ الضغط على الحكومة وإعداد الرأي العام لهذه الخطوة، ولم تنشر رسالتي التي بعثتها للصحيفة في الثاني من فبراير الماضي، وبعد أسابيع رأينا المشاهد المروعة لغزو مخيمات اللاجئين وهجمات الانتقام الدموية التي وقعت بعد تفجير نتانيا· والآن، يرّبت الجنرالات وكبار ضباط الجيش على ظهور بعضهم لأن هذه الغزوات “منعت الإرهاب” وأدت الى مقتل العشرات وليس الآلاف من الفلسطينيين (وفي الواقع، أن السبب الرئيسي لعدم وقوع حمامات دم يعود الى قرار “الإرهابيين” المسؤول بعدم تحويل المخيمات الى ساحة معركة ولكن هذا الأمر قد يتغير في الجولة المقبلة!)·

وفي الحقيقة، فإنني لست متفائلا إزاء احتمالات أن يفيق الجمهور الإسرائيلي الذي اتخذ قرارا في ظل مخاوفه وإرباكاته وبمساعدة سياسية ووسائل إعلامه أن يخلد للنوم ولا يصحو إلا بعد أن ينتهي كل شيء· ولكن شيئا لن ينتهي لأنه في الوقت الذي تنام فيه عقولنا تشدد عضلاتنا قبضة الموت على الآخرين، بدلا من أن تقوم بشيء معقول واحد، هو أن نتركهم وشأنهم·

وأخيرا، أتوجه إليكم، أعضاء الجالية اليهودية في الولايات المتحدة وأسأل، هل ستنضمون الى جوقة المنافقين الذين يقلبون الحقائق ويثيرون الشبهات حول جنود الاحتياط الذين يرفضون الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة أم ترتفعون الى مستوى المسؤولية وتكونوا خير الأصدقاء لإسرائيل التي هي بحاجة إليكم الآن، حتى لو تطلب الأمر أن لا تكونوا لطفاء معها لبعض الوقت؟

فعندما تجلسون مع بعضكم أرجو أن تتذكروا جنود الاحتياط الذين يقبعون في السجن العسكري، والأهم من ذلك، أرجو أن تتذكروا أكثر من ألف قتيل ربعهم إسرائيليون وثلاثة أرباعهم من الفلسطينيين، الذين كانوا معنا قبل أكثر من عام وسقطوا في أعمال العنف· وكان من الممكن أن ننقذ معظمهم لو تحركنا نحن وأنتم في وقت مبكر· لقد تحركنا الآن، وفعلنا ما يمكن أن نفعله· وأرجوكم أن تفكروا بالآلاف من الضحايا الذين سوف يسقطون قريبا، إذا لم تفعلوا شيئا·

آمل أن تساعدونا في الكفاح من أجل التخلص من الخوف والعنصرية والحقد وما يسقط من ضحايا من جراء ذلك·

“ هآرتس “

طباعة  

إقامة إسرائيل الكبرى·· هدف حرب شارون
 
هكذا يفهم المسيحيون التبشيريون الأمريكان القضية:
سحق الفلسطينيين شرط لعودة المسيح المنتظر!!
من يحكم أمريكا؟