استقطب الرشيد في مجلته “الكويت” أعلام العصر·· وأراد لها دورا إصلاحيا ضد المتزمتين وأنصار الخرافة(3-6)
· في العام 1911 تحقق حلم النخبة الواعية في تأسيس أول مدرسة نظامية هي “المباركية”
· مؤسسو “الجمعية الخيرية العربية 1913” كانوا يميلون للدولة العثمانيةبخلاف سياسة الشيخ مبارك الذي أغلق أبوابها
· المكتبة الأهلية (1923) لم تكن أولى المكتبات في الكويت لكنها وفرت “البلاغ” و”الأهرام” و”المقطم” و”القبس” السورية للكويتيين·· ومهدت لإنشاء “النادي الأدبي”
· كان لمحاضرات “النادي الأدبي” في العشرينات دويٌّ في أرجاء الأقطار العربية
الدراسة بقلم: الدكتور خليفة الوقيان
مجلة الكويت
تحقق حلم الكويتيين بإصدار مجلة تحمل طموحاتهم حين تمكن الشيخ عبدالعزيز الرشيد من إصدار مجلته الشهيرة “الكويت” في العام 1928·
لم يكن الطريق ممهداً أمام تلك التجربة الرائدة، فالمتزمتون لايجيزون قراءة الصحف، فكيف يقبلون بصدورها من الكويت·
وينبه د· يعقوب الحجي إلى ان الشيخ عبدالعزيز الرشيد لم يذكر اسم المطبعة التي تطبع فيها مجلته، ثم يشير إلى أن صاحب مجلة “الحديث” كتب رسالة تقريظ للشيخ عبدالعزيز يبدي فيها إعجابه بالمجلة، ويذكر ما يظنه سبباً في اغفال اسم المطبعة· وقد رد عليه بقوله “لنا كلمة حول جواب هذا الفاضل في ملاحظته على المطبعة· وعلى النهضة في الكويت وغيرها، لايسمح لنا الوقت بها الآن، لأمور لو عرف كنهها لعذرنا” ويعلق د· يعقوب على هذه الكلمة بقوله “هنا يبدو احتمال وقوف الشيخ العلجي (60)، وأنصاره ضد المطبعة والصحف ونهضة الكويت الصحافية قائماً وهذا ما أجبر الشيخ عبدالعزيز على عدم الخوض في الموضوع· (61)
وعلى الرغم من كل المعوقات فقد شق الشيخ عبدالعزيز الرشيد طريقه وأصدر مجلته الأولى، التي استقطبت الكثيرين من أعلام العصر في الدول العربية، فضلا عن العلماء والأدباء من الكويت وأقطار الجزيرة والخليج العربي·
وأراد الشيخ عبدالعزيز لمجلته أن تكون غنية في المادة التي تقدمها للقراء، فهو يعرّفها بأنها مجلة دينية تاريخية أدبية أخلاقية، أما أبوابها فتضم الدين، رد الشبهات عن الدين والأخلاق، القديم والجديد، الآداب، التاريخ، التراجم، الفتوى، اللغة، متفرقات الفرائد التقريظ والانتقاد·
كذلك فقد أراد للمجلة أن تؤدي دوراً إصلاحياً في بلاد كانت تعاني من تعنت المتزمتين وأنصار الخرافة، وكان يدرك ان الخلاف حول بعض القضايا التي يعالجها قد حسم في الأقطار العربية الأكثر تقدما لذلك نجده يعتذر عن اضطراره إلى جلب الأدلة على نظريات يعدّ غيرالكويتيين التدليل عليهما عبثاً، واشتغالا من دون جدوى، كحركة الأرض، وكرويتها، وتعلم اللغات الاجنبية، وان المطر بخار يتصاعد من الأرض، إضافة إلى البحث في الفنون الجميلة، والثقافة الغربية التي تلائم أخلاقنا·(62)
وهو يعلم صعوبة المهمة الشاقة التي ينهض بها، وأنه ليس من اليسير مواجهة غيرالواعين من قومه في الكويت والخليج العربي بالحقائق العلمية· إن لم تكن مدعمة بالأدلة، التي تنفي عنها الشبهات· لذلك نراه يدعم رأيه حول المطر بما قاله شيخ الإسلام “ابن تيمية” كما يستشهد بأقوال الإمام الغزالي لتوكيد كروية الأرض·
ولعل هذا العرض الموجز عن مجلة الكويت يعطي تصوراً عن المعنى الذي يمثله صدورها من جهة إيجاد منبر متين الأساس، يزود القراء بجرعات فكرية وثقافية رفيعة المستوى، ويدافع عن العقيدة الصحيحة، وينفي عن الدين ما ألحقه به المتزمتون والغلاة، الذين يجهلون حقيقته، مع التوكيد على عدم تعارض الدين مع كل جديد، والتشديد على أهمية الأخذ بأسباب العلم·
وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن المجلة صدرت في فترة مبكرة نسبياً، العام 1928، وإنها وجدت في بيئة كان للمتزمتين والغلاة فيها قدر من السلطان فسوف يتبين لنا أن صدورها كان حدثاً بالغ الأهمية، ومن الطبيعي أن يكون لها دور في هز واقع الركود، وزعزعة ركائز التخلف، وشحذ الهمم للسير على طريق التطور·
المؤسسات الثقافية الأهلية
ادرك الكويتيون منذ فترة مبكرة أهمية العمل المؤسسي الأهلي في مجال الخدمات الاجتماعية والثقافية، ففي العام 1911 تحقق حلمهم بتأسيس أول مدرسة نظامية· هي المدرسة المباركية، نتيجة الجهود التي بذلوها في التبشير بالفكرة، وجمع التبرعات لتحقيقها·
ويبدو أن النجاح في إقامة المدرسة المباركية كان حافزاً للنخبة الواعية للتفكير في انشاء مزيد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية الأهلية·
الجمعية الخيرية العربية 1913م
افتتحت الجمعية الخيرية العربية في العام 1913م، ويعود الفضل الأول في إنشائها للشاب فرحان بن فهد الخالد (63) وقد حددت الجمعية لنفسها أهدافا ثقافية واجتماعية عديدة، منها:
1 - إرسال طلاب العلوم الدينية إلى الجامعات الإسلامية في البلاد العربية الراقية كمصر وبيروت ودمشق وغيرها من أمهات المدن العربية· وبذل ما يقتضي لهم من مصاريف···
2 - جلب محدث فاضل يعظ الناس، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم·
3 - جلب طبيب وصيدلي مسلمين حاذقين لمداواة الفقراء والمساكين، وإعطائهم العلاجات المقتضية لذلك مجانا·
4 - توزيع الماء الذي هو من أهم حاجات بلدتنا· (64)
وقد حققت الجمعية الخيرية الكثير من أهدافها، فأنشأت مستوصفا صغيرا لعلاج المواطنين مجاناً، وأحضرت طبيبا وصيدليا، وأقامت مكتبة زودتها بالكتب والصحف، ودعت الشيخ محمد الشنقيطي للوعظ والإرشاد، فكان يلقي الأحاديث الدينية في المساجد والجوامع، ويحث الناس على العلم والأخذ بأسباب الحضارة· (65) ولبث مدة يبث أفكاره السديدة وتعاليمه النافعة بالوعظ والتعليم والإرشاد في الجمعية تارة، وفي المساجد أخرى· (66) كما جمعت الجمعية الكتب من الأهالي وحفظتها في مقرها، واشتركت في بعض الصحف، وافتتحت صفاً لتعليم الأميين القراءة والكتابة، وقامت بجلب الماء من شط العرب بوساطة سفينة شراعية وتوزيعه مجانا على الفقراء والمساكين، فضلا عن تجهيز الموتى، والأخذ بيد الضعيف (67) وهناك من يرى أنها كانت تهدف “لمقاومة الحركة التبشيرية في الكويت وبلاد الخليج (68) ولم تقف الجمعية الخيرية عند حدود الخدمات الثقافية والتعليمية والاجتماعية، بل تجاوزتها إلى العمل السياسي، ذلك أن عناصر الجمعية كانوا ممن يميلون نحو الدولة العثمانية، الأمر الذي لم يكن يتفق مع سياسة الشيخ مبارك الصباح·
ويشير خالد العدساني الى الدور التنويري للجمعية، الذي أدى إلى اخراس صوتها بقوله: وقد عملت هذه المؤسسة على تنوير الطلاب الكويتيين· ورفع الغشاوة عن اعين الجاهلين والخاملين· إلا أن المرحوم الشيخ مبارك الصباح توحش من عواقبها فسارع الى ابعاد الطبيب التركي· ثم غادر المرحوم الشنقيطي الكويت الى الزبير متخفيا وخائفا من سطوة حاكم الكويت· فأقفلت الجمعية الخيرية أبوابها، وخرس صوتها إلى الأبد· (69)
المكتبة الأهلية 1923م
كان إغلاق الجمعية الخيرية خسارة كبيرة للكويت، ولكن المستنيرين والمخلصين من أبناء البلاد لم يتوقفوا عن بذل الجهود من أجل الاستمرار في إنشاء المؤسسات الأهلية ذات الأهداف العلمية والثقافية والاجتماعية، إدراكا منهم لأهميتها في الارتقاء بالوعي· وقد اتجهوا هذه المرة إلى العمل لإقامة مكتبة أهلية عامة·
يقول الشيخ عبدالعزيز الرشيد “ود كثير من أهل الفضل والأدب في الكويت تأسيس مكتبة علمية، تضم بين جنباتها من الكتب النافعة المفيدة ما تهذب به العقول، وتنير الأذهان· لاسيما وكتب الجمعية “الخيرية” كانت محفوظة في بيت آل بدر الكرام ومازال حديث تأسيسها ليرتادها الناس يتخلل المجالس والأندية إلى أن تحققت الأمنية· (70)
وفي العام 1341هـ - 1923م فتحت المكتبة أبوابها، وانهالت عليها التبرعات من أموال وكتب، واشترك بها بعدة صحف أهمها: البلاغ والأهرام والمقطم، والقبس السورية، وقد انتقلت المكتبة من مكان إلى آخر، ثم تألفت لجنة من أعيان البلاد لتحسين وضعها، فقررت اللجنة إقامة مبنى مستقل للمكتبة، وعندئذ تبرعت السيدة شاهة الصقر للمشروع بدكان كانت تملكه· وأضافت إليه اللجنة دكاكين استأجرتهما من أصحابهما لمدة طويلة· (71)
ولم تكن المكتبة الأهلية مجرد مكان لحفظ الكتب، يرتادها الراغبون في القراءة على الرغم من أهمية ذلك الهدف ــ ولكنها كانت “ملتقى للأدباء بشكل عام وتدور بينهم أحاديث متنوعة في الفقه والأدب والسياسة”· (72)
وبعد، فيمكن أن نستخلص من تجربة إنشاء المكتبة الأهلية مؤشرات عدة منها:
1 - إن التفكير في إنشاء المكتبات العامة جاء مبكراً فالمكتبة الأهلية لم تكن أول مكتبة في الكويت، وقد سبقتها مكتبة الجمعية الخيرية، التي افتتحت في العام 1913· وبعد القضاء على الجمعية ثم نقل كتبها إلى بيت “البدر” تمهيداً لجعلها نواة لمكتبة أخرى مستقلة·
2 - إن الهدف من إنشاء المكتبات هو السعي إلى تهذيب العقول، وإنارة الأذهان، حسب قول الشيخ عبدالعزيز الرشيد، فالتنوير هدف حاضر في أذهان المخططين الأوائل لإنشائها· وقد ظل هذا الهدف يتخلل المجالس والأندية حتى تحققت الأمنية·
3 - إن فضلاء الكويت قاموا بالتبرع بالأموال اللازمة لإنشاء المكتبة وتوفير احتياجاتها، فضلا عن تبرع الكثيرين بالكتب النفيسة التي كانوا يمتلكونها واشتراكهم بعدد من المجلات للمكتبة·
4 - ومن المؤشرات الجديرة بالملاحظة ارتقاء وعي المرأة الكويتية في تلك الحقبة المبكرة· وإدراكها ما للعلم والثقافة من أهمية، الأمر الذي جعلها موازية للرجل في العطاء السخي· وكانت الرائدة في هذا المجال السيدة سبيكة الخالد التي تبرعت للمدرسة المباركية ببيت كانت تملكه· ثم لحقت بها السيدة شاهة الصقر، التي تبرعت للمكتبة الأهلية بدكان كانت المكتبة الأهلية في حاجة إليه لإقامة مقرها الجديد·
5 - لم تكن وظيفة المكتبة الأهلية تقليدية كما هي في المرحلة الحالية، بل كانت ملتقى للأدباء والعلماء الذين تدور بينهم حوارات في الفقه والأدب والسياسة والشؤون الاجتماعية·
ولا يخفى ما لتلك الحوارات من أهمية، وبخاصة حين تكون بين الصفوة المثقفة والمستنيرة من رجالات البلاد·
النادي الأدبي 1924
كان إنشاء المكتبة الأهلية خطوة مهدت السبيل إلى قبول المجتمع فكرة إنشاء ناد أدبي، يقول السيد رجب الرفاعي عن المكتبة الأهلية “إن جماعة من الأدباء أحسوا بحاجتهم إلى مكان لائق، يستطيع فيه المفكرون أن يتداولوا في الشؤون الأدبية والاجتماعية، علماً بأن فكرة إنشاء النادي في ذلك الحين كانت عملا غير مرغوب من المجتمع· (73)
إذن فقد كانت المكتبة الأهلية بديلا مخففا للنادي من الوجهة الاجتماعية، أو خطوة ممهدة قادت إلى قبوله· فبعد نجاح المكتبة في جمع شمل أهل الرأي للتشاور في الشؤون الاجتماعية والأدبية والفقهية والسياسية تبددت - كما يبدو - الشكوك حول النوادي وجدواها· الأمر الذي جعل فكرة انشاء ناد أدبي تنضج، وتبرز إلى حيز الوجود لتلبي طموحات كانت تكبر وتتسع لدى النخبة الواعية بصورة تتجاوز إمكانات المكتبة الأهلية، التي لم تكن تتسع لإقامة المحاضرات العامة على أقل تقدير·
وكان أول من فكر في هذا المشروع “النادي الأدبي” الشاب الأديب خالد سليمان العدساني· (74)
يقول خالد العدساني: “في سنة 1342هـ تمخضت هذه الموجات الفكرية والمعاهد الأدبية والعلمية عن حركة نشطة، كان نتاجها افتتاح النادي الأدبي··· وقد أحدث هذا النادي الكبير في السنين الأولى من تأسيسه حركة أدبية ويقظة ذهنية لا بأس بها بين صفوف الشباب··· وانتسب إلى عضويته ما يناهز المئة منهم· وألقيت فيه محاضرات علمية وأدبية متنوعة، كان لها دويّها البعيد لا في أرجاء الكويت وحدها، بل فيما جاورها من إمارات الساحل العربي أيضا· (75)
وبافتتاح النادي الأدبي في العام 1924 انفسح المجال أمام مثقفي البلاد وعلمائها وأدبائها لتحقيق الكثير من طموحاتهم في التوعية بأفكارهم المستنيرة والدعوة إلى الاهتمام بالعلم، ونبذ الخرافة، ومحاربة التخلف والتزمت·
وقد استقبل النادي الكثيرين من العلماء والمصلحين العرب مثل الشيخ محمد الشنقيطي والشيخ عبدالعزيز الثعالبي، وتبارى الشعراء في الترحيب بهم، واغتنموا مناسبات الترحيب بالضيوف لبث أفكارهم النيرة·
يقول سليمان العدساني مخاطبا الشيخ محمد الشنقيطي بمناسبة احتفال النادي الأدبي بقدومه:
يا شيخ أنت رجاؤنا
في نهضة النشء الجديد
عصر الخرافة قوّضت
أركانه حتى أُبيد(76)
ويقول أيضا مرحبا بالزعيم التونسي الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، خلال تكريم النادي الأدبي له:
أنت عبدالعزيز أعلى مقاماً
كلما رمت وصفكم في كلامي
يالقومي، وما عهدت كراما
ألفوا الذل فانهضوا باعتزام
من لحمل اللوا وصد الأعادي
من لصوص الحمى ورعي الذمام
ليس عيش الجبان يا قوم عيشا
فدعوا الجبن وانهضوا للأمام (77)
ومن الشعراء الذين احتفوا بزيارة الثعالبي للنادي الأدبي الشاعر صقر الشبيب، أما الشاعر عبداللطيف النصف فقد ألقى قصيدة رحب فيها بالشيخ محمد الشنقيطي خلال الحفل الذي أقامه النادي الأدبي للترحيب به في العام 1343هـ -1924 م، ومما قاله:
اليوم هلّلت الكويت وكبرّت
لما أتاها العالم النحريرُ
أمعطر الإسلام من نفحاته
ومعيد روض الدين وهو نضير
والمرسل السحر الحلال منقحا
يوحيه فكر ثاقب وضمير
بشرى لهذا الثغر لما زرته
فلكم تمنت أن تراك ثغور
كم قد أصبت بنكبة وبمحنة
وكأن أعظمها لديك يسير (78)
ويبدو أن النادي الأدبي هيأ الأجواء لازدهار مواهب كثير من الشعراء والأدباء الذين حملوا مشعل الدعوة إلى النهوض، والأخذ بأسباب العلم، ومواكبة التطور ومنهم عبداللطيف النصف وأحمد البشر الرومي وحجي بن جاسم الحجي، الذي يقول في النادي الأدبي:
أفق يا علم من نوم عميق
فإن القوم أضحوا ناهضينا
ويا شمس المعارف إسعفيهم
فنحوك هم غدوا متطلعينا
فتحتم يا شباب القوم “نادٍ”(79)
لأنواع العلوم غدا معينا
فقد كنا بلا ريب إليه
جياعا في الورى متعطشينا
فجدوا في المسير لنيل علم
فبئس العيش عيش الجاهلينا (80)
الهوامش