بشاعة الجريمة التي ارتكبت بحق الطفلة آمنة أعادت الموضوع الأمني إلى السطح مرة أخرى، فعلى الرغم من تطمينات المسؤولين المتتالية وصور بعضهم وهم “منتصرون” على عصابات المخدرات ومهربي الكحول، يبقى الملف الأمني مشرعاً وبشكل مقلق· الصحف اليومية أصبحت تفرد صفحات بكاملها لأخبار الجرائم والقضايا الأمنية بل صدرت مجموعة من المجلات المتخصصة زادها الأساسي تفاصيل المآسي المشفوعة بالصور المقززة· الأخبار اليومية عن حالات الموت بالجرعة الزائدة التي يغلق ملفها بسرعة فائقة وكأن الحالة ليست سوى انتحار مدمن، بينما هي جرائم قتل في أغلب الأحيان· جرائم الطرق التي يذهب ضحاياها شباب في مقتبل العمر وأسر بكاملها أحياناً· سرقات البنوك في وضح النهار واختفاء الجناة· وهذه ليست سوى غيض من فيض لما يجري يومياً في مجتمعنا من جرائم وأعمال عنف وهي دليل كافٍ على خطورة الوضع والانفلات الأمني· فمن أمن العقوبة أساء الأدب·
الوضع الأمني بحاجة إلى مراجعة شاملة ودقيقة لكل الجوانب المرتبطة به· فالأوضاع المعيشية القاسية التي يعيشها قطاع كبير من “البدون” لابد وأن تدفع ببعضهم إلى ارتكاب الجريمة ربما لأجل العيش· والأوضاع الناتجة عن تجارة الإقامات وملء البلد بعشرات الآلاف من ضحايا تجار البشر وتركهم فريسة لإحباطات الواقع، لابد وأن تنعكس على الوضع الأمني كذلك· بل على المسؤولين الانتباه إلى ارتفاع نسبة الجرائم التي يرتكبها بعض المنتسبين للسلك العسكري، فهذه تشير إلى علة أكبر· فما يطفو على السطح عادة ليس سوى رأس الجبل الجليدي· وعندما يسري هذا السرطان ولو بشكل بسيط في البداية في هذه المؤسسات المهمة لا بد وأن يلفت انتباهنا وأن نخشى انتشاره واستفحاله· فمن يملك السلطة ولديه الرغبة والاستعداد لاستغلالها لخدمة مصالحه الخاصة أخطر من أولئك الذين لا يملكونها ومدى تأثيره التدميري على المجتمع أوسع وأكبر·
لهذا علينا أن نكون أكثر صراحة في مواجهة الوضع الأمني وأن نشير بوضوح إلى أن الأجهزة الأمنية بحاجة إلى غربلة شاملة ولا يجوز أن تمر أحاديث الناس وهمسهم عن الرشاوى والمحسوبية دون أن يتم التحقق منها ومحاسبة من يثبت تورطهم في مثل هذا التلاعب بأمن البلاد؟ فلا دخان من دون نار وحتى وإن بالغ الناس أحياناً في تفاصيل ما يروى عن أشكال الخلل في الأجهزة الأمنية، يكفي أن يكون هناك ما يشير إلى وجود الخلل وبالتالي حتمية متابعته وعلاجه· ولا يكفي حماس بعض المسؤولين عن الأمن للبروز الإعلامي على صفحات الصحف اليومية كما لا يكفي أن توضع كاميرات مرور تتربص بمن تجاوز السرعة بخمسة كيلومترات في الساعة ولا يكفي أن تعرض علينا صور مهرب مخدرات بائس حشا أمعاءه بكمية بسيطة من المخدرات، بينما تباع جميع أنواع المخدرات حتى في السجون!! ولا يكفي أن نستمع إلى تصريحات إنشائية تحاول تطميننا، سنطمئن عندما نرى النتائج على أرض الواقع، فهل سيحدث هذا؟!!! أم أننا لا نتوقع أن يتحرك أحدإلا بعد أن نفقد ألف “آمنة” بجرائم بشعة؟