غبار في البيت الورقي
نشمي مهنا
مهمة غبارية لذيذة وصعبة، أؤجلها دوماً لأيام فأشهر فسنوات، مخافة أن أدخل في معمعة “ماضيها”، ومخافة إغراءات هذا الدخول الذي لن أعود منه إلا مثخناً بالذكريات··!
هي مهمة البحث في خزينة تراكمت حصيلتها بسبب الإهمال، لذا فهي أشبه بـ “مستودع للكسل”، أعني تلك الملفات التي انتفخت بطونها بأوراقٍ صفراء، وبمنتخبات القصاصات الورقية من صحف ومجلات لقصائد ومقالات ودراسات ولقاءات وتحقيقات، بسبب شغفي - أو إدماني الذي لم أتعافَ منه بعد - بجمع هذه المقتنيات الثمينة - كما أرى - المختومة، بأسماء الصحف (وبعضها مجهول المصدر··)·
بدأت بملف أخضر ذي حوافٍ نحاسية، مهمل في الدرج الأسفل، بدأت·· فبدوت كأني أدفع باباً خشبياً لبيت سحري مزدحم “بالذكريات” الثمينة، والمتلألئة، ومما أغراني أكثر للتوغل (الناعم) أن لا صوت للمزلاج، وإحساسي أني - في دخولي، أبحث عن شيء مني نسيته بين دفتي الملف المغبر!
جواهر نادرة، مازالت تحمل أثمانها رغم اختلاف الأزمان، وانتهاء مناسباتها، وجواهر أخرى انطفأت وليس لها من فائدة ترجى·
فماذا وجدت غير “بعضي” المصفر وأحبار باهتة لـ الأوراق/ الذكريات: قصاصة لقصيدة لي نُشرت في “آفاق” الجامعية، مطلع لقصيدة عمودية لم تكتمل، مقالة لعبدالله النفيسي، مقابلة لأحد الضباط الأحرار يروي ذكرياته (التي كانت موضة صحافية·· قَدُمتْ الآن قليلاً)، ثلاث قصائد للفيلكاوي، قراءة نقدية عن كمال نشأت، جزء أول لدراسة عن الأديان، خاطرة نُشرت في “القبس” أيام أحمد مطر و”منبره الحر” “مدبّسة” بعدد من قضايا “القبس”·
ملف آخر: حلقات صحافية لفضيحة سرقة الناقلات، وعدد لصحيفة جزائرية صغيرة الحجم·
ملف آخر تبعثرت نصف أشيائه في الدرج، منها: تغطية لأمسية شعرية، أوراق مصوّرة لمجموعة قصائد لناصر عواد، شريط كاسيت لأمسيات شعرية (لا أعرف شعراءها!)، مقابلة مع قاسم حداد، مقالة لمرزاق بقطاش، شهادة إبداعية لحسن بن عثمان، قصاصة مصوّرة لقصيدة لسعدي يوسف·
ملف (قد يكون أقدم): زهيرية شعبية، ورقة صفراء تحمل عنوان قصيدة لم تكتمل، ومقطع شعري·· بلا عنوان!، قلم يحمل في أعلاه ختماً بالاسم، وميدالية قديمة و··· مضت ساعات، لم أخرج من هذا البيت الورقي، إلا بعد أن انتابتني نوبة من العطاس·· تنذر بقدوم عاصفة “الحساسية”!!
nashmi@taleea.com