رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 29-6 ربيع الأول 1423هـ الموافق 11--17 مايو 2002
العدد 1526

في أمسية نظمتها الطليعة لشاعر متألق يزور الكويت للمرة الأولى
المزغنّي يصوغ ترجمة أخرى لكلام الأرض

كتب المحرر الثقافي

نظمت الصفحة الثقافية في “الطليعة” بالتعاون مع رابطة الأدباء مساء الإثنين الماضي أمسية شعرية للشاعر التونسي منصف المزغني، ألقى فيها قصائد تنوعت بين الهم الإنساني والذاتي القائم على حبكة “الفكرة” الشعرية، وقد نالت قصائده إعجاب الجمهور الذي يلتقي به في الكويت للمرة الأولى، وقدم الأمسية الزميل نشمي مهنا·

بدأ الشاعر المزغني الذي عرف عربيا بتميز إلقائه وإتقانه أداء القصيدة صوتيا بقصيدته الأولى “أرض الأحلام الضيقة”:

حين بلغتُ شهوري التسعةْ

كنتُ مللتُ العوم

في حوض الأم

حين نزلت بلا رجعة

وشممتُ هواء الأرض

وبكيت لأول مرة

قطعوا حبل السُرّةْ

فحلمت بأن أحبو حرا

ثم يتابع المزغني هذا النمو الموازي لأحلامه، ويتعاظم معه هذا الحلم ليصل به الى الرغبة في تغيير “العالم”، وبمضي سنوات اليأس يرتد الى حلم أصغر:

حين خرجت من السجن بتهمة تدمير العالم كنت حملت النظارات وحلمت بتغيير نفسي

فيعود المزغني الى النظر في ذاته من خلال بيت الزوجية، والأولاد فيما بعد، لكنهم يفاجئونه بتهديد آخر “هددوني بتدمير البيت”، حتى يصحو على مرارة واقعه، ويودع أحلامه·

وفي قصيدة عمودية بعنوان “حب قديم” يقول:

قد كان يا ما زال قلبي يخفق

ويحن للأحباب لا يتحرق

قلنا لقد فات الزمان وفرصة

في العمر فاتت والدفاتر تحرق

لحبيبتي لغز الجواب وسره

أما أنا·· أما أنا فمترجم ومصدق

وفي حلم آخر يقول المزغني:

أحيانا أحلم أني أحلم

أن أدخل شعرا كالطلسم

كي أخرج من معنى مبهم

وأزور حدائق مغلقة

لأشم العطر من البرعم

وعن الأرض العربية، ولغتها، يترجم المزغني معنى آخر للغة الأرض غير “الكلام العربي العادي”، فيقول في قصيدة “أغنية لم يقرأها سيد مكاوي”:

الأرض، الأرض، الأرض، الأرض

عليها بشر، وبها شجر حجر

وعلى الأغصان بنادق محتل وضباعْ

والأرض الأرض عليها شعب بشري

ولها غصن ثمري

والغصن لسان يتكتم

ولعله·· أبكم؟!

لكن للغصن المثمر أوجاعْ

في الأرض نشيد حجري الإيقاعْ

والأرض الأرض الأرض الأرض

إذن لا تتكلم··

إلا لغة الماشين عليها بالمقلاعْ!

هذا ما فهمه الشاعر فترجمه، من لغة تهتف “بالقوة” وعلى لسان أرض سليبة·

وفي قصيدة أخرى “ثلاث محاولات لكتابة قصيدة واحدة” يرسم المزغني ثلاث محاولات أراد بها تأكيد إصابة المعنى، ففي محاولته الأولى:

حبيبي إذا ما حضرت بقربي

كلامي يغيب وقد·· يمحي

وإن غبت عني·· أرى الكلمات

تهيج علي ولا تستحي

وفي المحاولة الشعرية الثانية يقول بتركيز على أهمية البوح والكلام:

فارقتني الملكة

رافقتني الكلمة

ففي أربع كلمات، يحبك الشاعر لعبته اللفظية، ويبادل بين مواضع حروفها ليصل إلى مبتغاه في الإيضاح· وفي المحاولة الثالثة يتعمد شرح “الحالة العاطفية” وتفاصيلها:

معلمتي تعرف الحرف والكلمات وسر الجرس

وكانت تقشّر من شفتيّ الكلام وإذا ما يبس

وذات منام رأيت الكلام بقلبي انحبس

تلفت قلبي يمينا يسارا وساءلتها في غياب الحرس

ألا تملكين مفاتيح قلبي لأطلق ما فيه من كلمات و··· بس·

وفي “الحب والسلحفاة والأرنب” يعاود المزغني حرفنته في اللعب اللفظي الذي لا يخلو من معنى شاعري جميل، معتمدا على الشكل الفني الذي يخدم بحركته أداءه الصوتي، فبين سرعة حركة الأرنب وبطء السلحفاة تكمن مفارقة المعنى، واختلافها في “قبل دخول الحب” و”أما بعد”:

قبل دخول الحب الى قلبي

قلبي كان ينبض ينبض مثل سلحفاة تمشي الخطوة إثر الخطوة إثر الخطوة·· لا تتعب

وتسابق أرنب

أما بعد··

فبعد دخول الحب الى قلبي المتكهرب

قلبي صار ينبض ينبض

مثل سلحفاة·· تتأرنب

وألقى المزغني قصيدتين “الصحافي الأبيض” و”كلام البطة” وهما تحملان معنى واحدا، يصف بهما الشاعر تخلي الإنسان عن مثله، وتنازله عن مبادئه في سبيل الحصول على مغانم أخرى، ففي “الصحافي الأبيض” يدور حوار بين أصوات ثلاثة (للراوي، والصحافي، ورئيس التحرير) فعلى لسان رئيس التحرير يقول:

مثلا··

ههنا أَسكِن الحركة

فهناك سنجزم فعلا يجيء لنرفع فعلا مضى

نبدّل “نون” أندد·· “راء”

رغم ما قد جرى

ولفظة “جائر” تظل على حالها

إن محوت التي تحت “جيم”

ترقب·· ترقب

علي لك الآن حق

فلفظة “جائر” جميلة

إذا ما تركت التي تحت “جيم”

ونصَّبت أختا لها فوق “راء”

وفي “ادمان” يشرع المزغني توقيتا آخر للزمن·· فيقول:

احجزي لي نسخة من شفتيك

إني أقلعت عن التدخين

منذ سنة ألف وتسعمئة و··

قسما بعينيك

إني أقلعت عن التدخين

منذ سنة ألف وتسعمئة و·· شفتيك

وفي قصيدته الرائعة “حبات” التي كثف بها المعنى الشعري في كل مقاطعها:

جمل حاول

أن يدخل من ثقب الإبرة

فانسحب الخيط من الفكرة

وفي مقطع بعنوان (انحطاط أخلاقي):

الموت لا يحترم··

حتى الكبار

وفي (شجاعة) يقول:

من يأمر السلطان

ويقول له افتح فمك الآن

واسكت·· من؟

غير طبيب الأسنان

وفي مقطع ذي دلالات سياسية يقول في (ثغاء):

خروف دخل البرلمان

قال:·· ماع!

فجاء الصدى: إج···· ماع

كما ألقى المزغني قصيدة “ذوبان” و”جولة الجندي المجهول” الذي رمز به الى فانتازيا عودة “الشهيد”، حيث يفاجأ بالتفريط بتضحيته في سبيل أهله ووطنه، وإنكار دوره البطولي من قبل السلطات الحاكمة، فيأخذ المزغني بيده ليتجول في شوارع المدينة، ويرى انحداراتها نحو الأسوأ رغم كل التضحيات، هي جولة خيالية حرك بها المزغني نصب الجندي المجهول، وأعاده في ختام قصيدته إلى مكانه، وكأنه كان في “عطلة رسمية” جاءت بها مناسبة “عيد الشهيد”!

ويختتم المزغني أمسيته بقصيدة “أغنية لإخفاء الحبيب” والتي كثف مقاطعها “بالتكنيك” الشعري الذي بناه على مداخلات الصحو والحلم، وعلى ألفاظ المثنى:

فلربما في غفلة من غفوة

صوتي وصوتك في المنام تناوما

فتحالما·· وتناغما·· بالأغنيات ترنما

وتزاحما·· وتراحما·· وتلاحما

أغنية لإخفاء الحبيب

أُخفيك أين وأنتِ فيّا

وكلماجرّبتُ وعياً جرّني كي أحلم بك أنتِ

يا حبي الجليّا

فحالما أخرستُ اسمك في فمي

صرختْ دما

إني أحب مسار اسمك في دمي

وأخاف صوتك في فمي

فلربما في غفلةٍ من غفوةٍ

صوتي وصوتك في المنام تناوما

فتحالما·· وتناغما·· وبالأغنيات ترنما

وتزاحما·· وتراحما·· وتلاحما

فهٍما·· كما··

- سكت المشبّه قائلاً -

·· وكما هما لا يُشبهان سوى·· (هما)

يا ها هما في الحلم حين تكلما

صوتان كانا غمغما··

لكنما·· فرض اللسانُ مع اللسان على الشفاه الناطقات

العاشقات·· تكتما

إذْ عندما

اقترب الرقيب بأذنه في النوم

لم يجد الكلامَ منظما

لاسيما في الحلْمِ كنّا··· نوّما

وكلامنا·· متلعثما·· مت·· ع ل ث م ا

فكأنما الحُلُمانِ في اللحمينِ

حلاّ مثلما:

حُلُمٍ على أرضٍ·· سما!

طباعة  

وزير الإعلام بافتتاح الندوة يدعو للاستثمار في ثقافة الطفل العربي.. “العربي” تعرض رؤية مستقبلية لثقافة الطفل·· وتطلق موقعها على الإنترنت
 
وتد
 
المرصد الثقافي