تناولت الطليعة على مدى الأعداد الثلاثة السابقة موضوع التلاعب بنقل تسجيل الناخبين إلى دوائر انتخابية تخدم مرشحاً بعينه سواء كانت هذه الخدمة لعلاقة أسرية أو قبلية أو خاصة أو كانت لمقابل مادي منتظر في الانتخابات المقبلة· وقد ركزنا خلال تعاملنا مع هذا الموضوع الخطير على مسؤولية الهيئة العامة للمعلومات المدنية بصفتها الجهة المخولة بجمع البيانات المدنية لكل ساكني الكويت في قاعدة بيانات مركزية تصدر بناء عليها بطاقات مدنية ملزمة لكل الجهات الحكومية وغيرها باعتماد ما فيها من معلومات بما فيها العنوان· ولما كانت البطاقة المدنية الصادرة عن الهيئة هي أهم وثيقة رسمية يعتد بها وبالعنوان المسجل عليها لإثبات السكن ومن ثم الحق في التسجيل في قيود الناخبين في الدائرة التي يقع العنوان ضمنها، أصبح من المهم جداً بل ومن الخطير جداً كذلك أن لا تتمكن الهيئة العامة للمعلومات المدنية من ضبط دقة تلك العناوين المسجلة على بطاقاتها· ولأن تلاعب المتلاعبين في سجلات الناخبين اعتمد على سهولة تغيير العنوان لدى الهيئة التي لا تشترط سوى عقد إيجار صوري من صاحب البناية أو إقرار سكن لا يتم استيفاؤه بالشكل المطلوب من صاحب المنزل لتعتمده كوثيقة إثبات سكن، وجدنا من الضروري طرح هذه المشكلة على صفحات جريدتنا وبكل التفاصيل الممكنة ساعين نحو إيجاد حل لهذا التلاعب الصارخ في سجلات الناخبين والذي سيؤدي حتماً إلى إفراغ المؤسسة التشريعية من قيمتها ومكانتها الدستورية ويخل بالتالي في ركن أساسي من أركان الحكم وتستحيل الديمقراطية ومؤسساتها إلى سلع لمن يتمكن أو يُمكّن من الدفع ومنافسة الآخرين في شراء الذمم المعروضة للبيع في الانتخابات·
ومع أن الإخوة المسؤولين في الهيئة قدموا رداً على ما طرحناه من تفاصيل إلا أن تلك الردود المكتوب منها والشفوي عالجت أموراً لم نختلف معهم حولها أصلاً ولم تركز معنا على جوهر المشكلة· فنحن لم نتطرق إلى الحالات القليلة التي يحاول شخص أو أكثر الانتقال إلى سكن آخر مع زوجة أخرى أو مع أسرته الأكبر أو غير ذلك من حالات مفهومة، بل كان هاجسنا ومخاوفنا تتلخص في موجات التسجيل التي لا يمكن تفسيرها إلا بكونها لمصالح انتخابية محددة· فعندما يسجل أشخاص من قبائل وأسر مختلفة على عنوان منزل واحد ويتجاوز عددهم أحياناً العشرين شخصاً، ألا يجب أن يثير هذا الشك والريبة لدى مسؤولي الهيئة؟ بل ألا يستدعي هذا محاسبة صاحب المنزل الذي أعطى كل هؤلاء الأشخاص عقود إيجار على المنزل ذاته وخلال فترة لا تتجاوز الشهرين أحياناً؟ فعلى الرغم من العقوبات المنصوص عليها في قانون الهيئة والإقرار الذي يوقع عليه صاحب المنزل والمستأجر ومع إمكانية الموظف الذي يدخل البيانات أو غيره ممن لهم صفة المراقبة والمراجعة مساءلة صاحب البيت عن هذه الأعداد الكبيرة التي منحها عقود إيجار استمر مسلسل النقل دون إجراء قانوني بحق هؤلاء المتلاعبين بشكل سافر والذين أدلوا بمعلومات غير صحيحة وبشكل متعمد·
إن خطورة عدم دقة العناوين تتعدى مسألة التلاعب في القيود الانتخابية فهي تخل كذلك في إمكانية تطبيق العدالة فالمحاكم تعتمد البطاقة المدنية في الوصول الى أطراف القضايا ووزارة الداخلية تعتمد على عناوين “المدنية” في تنفيذ الأحكام، ناهيك طبعا عما يشكله الخلل في هذه العناوين من الناحية الأمنية·
ودون الدخول في تفاصيل أكثر تناولناها في أعدادنا السابقة وهذا العدد، فإن الموضوع أصبح واضحاً والأسئلة محددة، فإما أن تكون الهيئة بما لديها من إمكانات قانونية ومادية قادرة على ضبط العناوين بشكل لا يتيح للمتلاعبين استغلالها بهذه السهولة أو أن يعلن مسؤولو الهيئة أن هناك قصوراً في القانون أو في الميزانية أو ربما عدم تعاون بعض الجهات الحكومية معهم كوزارة الداخلية في هذه الحالة، وبالتالي تنظر الجهات المختصة وتحديداً مجلس الوزراء من خلال الوزير المختص في آلية علاج ذلك القصور وعرضه في حالة التعديلات التشريعية على مجلس الأمة رغم يقيننا - قانونيا - من إمكانية لجوء هيئة المعلومات المدنية أو إدارة الانتخابات في الداخلية الى النيابة العامة في حال تكرار عناوين الناخبين الذين لا يجمعهم رابط أسري على منزل واحد إذا كانت لدى “الهيئة” أو الداخلية النية في التصدي لهذا التلاعب المدمر للبلد·
وهنا تأتي مسؤولية مجلس الأمة في متابعة هذا الشأن مع شكنا وللأسف الشديد في إمكانية أغلبية أعضاء المجلس في معالجة هذا الخلل الكبير· فهو شأنه شأن توزيع الدوائر الانتخابية التي لن يغيرها من يستفيد منها وبالتالي يرى الجميع الخلل ويتعامون عنه بحثاً عن صوت هنا وآخر هناك·
الموضوع جد خطير ومن يظن أن ما يحدث لا يتعدى سوى حالات محدودة من نقل الأصوات ما عليه سوى الانتظار إلى حين الانتخابات المقبلة ليعلم أنه أُكل حينما أُكل الثور الأبيض·