· أمريكا تفتتح دورها الجديد في المنطقة كسجان للكفاح الوطني الفلسطيني
كتب محرر الشؤون الخارجية:
فريق تقصي الحقائق في أحداث الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين الذي شكله كوفي عنان أمين عام الأمم المتحدة تفرق، وهو في طريقه الى ذلك بعد أن وجد الأمين العام أن جميع الطلبات الإسرائيلية التي استجاب لها من أجل رفع العقبات المفتعلة كي يباشر الفريق مهماته لم تجد في الحصول على موافقة إسرائيلية باستقبال الفريق مما أثار لدى عنان إحباطا شديدا طلبت الدول العربية على إثره اجتماع مجلس الأمن لمناقشة الموقف الإسرائيلي·
لكن المثير في الموضوع لم يكن موقف شارون هذا الخنزير البري الهائج بل هو موقف الإدارة الأمريكية· فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد صوتت مع القرار بعد أن رفعت عنه الشوك فحولته من لجنة تحقيق، ليس الى لجنة تقصي حقائق، بل الى فريق ليس بالضرورة أن يعطي رأيا موحدا وليس له سلطة توجيه أي اتهام· إلا أن الإدارة الأمريكية رغم ذلك قد صمتت تماما عن سلوك الرفض الإسرائيلي وعن التحججات والاشتراطات بل ساعدت في إضافة عضوية بعض الأعضاء وحددت مهام الفريق أكثر، ثم، وبعد أن رفضت إسرائيل كل ذلك من جديد، وجدت لإسرائيل العذر بأن صرح الناطق بلسان وزارة الخارجية الأمريكية بأن على فريق الأمم المتحدة أن يحظى بموافقة الفلسطينيين والإسرائيليين قبل أن يباشر عمله وكان الفلسطينيون قد رفضوا عمل الفريق·
إلا أن ما أثار دهشة المراقبين هو ما أصبح يرد منسوبا لمصادر أمريكية من أن رفض إسرائيل النهائي للسماح للفريق بممارسة مهامه كان جزءا من صفقة تمت حيث كان هذا هو ثمن السماح لعرفات بالخروج من أسره·
لقد أصبح من الواضح للكثير من المراقبين الذين تابعوا تطورات الأحداث الدرامية والمأساوية على الساحة الفلسطينية وعلى امتداد ساحة الوطن العربي· والتي توجتها زيارة الأمير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعودية الى الولايات المتحدة والتقائه بالرئيس الأمريكي بوش في مزرعته في ولاية تكساس، أن الإدارة الأمريكية هي أسيرة تحالف لقوى اليمين المتطرف أو وما يسمى (Concervatives) مع الأصوليين المسيحيين (التبشيريين) الذين يؤمنون بأن عودة الروح لشعب إسرائيل وانبعاثه هو شرط أساسي لعودة المسيح المنتظرة ليتم الغفران للجميع، والتحالف مع اللوبي الإسرائيلي في واشنطن· (هآرتس 30 إبريل)·
فبالرغم من عدم صدور أي بيان واضح عما تم الاتفاق عليه بين بوش والأمير عبدالله فإن مخاض المباحثات التي استمرت 5 أيام بما في ذلك مباحثات المستشارين لم يثمر على أرض الواقع الملموس سوى ترتيب فك حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وبإجراءات معقدة جرى التفاوض عليها أياما عدة وبشروط قد تفجر أزمة داخل البيت الفلسطيني حيث تضمن شروط الإفراج وضع أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات ومسؤول فتح الذي رتب صفقة باخرة الأسلحة التي احتجزتها إسرائيل في البحر الأحمر وكذلك أبطال عملية تصفية وزير السياحة الإسرائيلي المتطرف· في سجن يحرسه الأمريكان والإنجليز·
بينما ما زالت كنيسة المهد التي قيل إن الأمريكان وعدوا الأمير عبدالله برفع القيد عنها ترزح تحت الحصار، يقتل فيها كل يوم شهيد، كما أن إسرائيل واصلت عملية اقتحام وتدمير المدن الفلسطينية مثلما حدث في الخليل حيث قتلت تسعة وجرحت العشرات·
ويرجح كثير من الخبراء السياسيين أن التحرك الأمريكي بالضغط على إسرائيل مجاملة للأمير عبدالله يعتبر جراحة تجميلية إذ لا توجد سياسة ثابتة في هذا الاتجاه بينما ما زال التحالف اليميني المسيحي الصهيوني مسيطرا على مقاليد الأمور في البيت الأبيض·
ولعل من أكثر الأمور إيحاء بالنسبة الى الدور الأمريكي المقبل في المنطقة هو افتتاح المرحلة الجديدة لهذا الدور بعد انتهاء العمليات الرئيسية للجلاد شارون في الضفة الغربية، افتتاحها بأن تلعب الولايات المتحدة دور السجان للكفاح الوطني الفلسطيني وما يرمز إليه من تهديد للآمال والطموحات العربية وهو دور لا ينذر سوى بالسوء·
لكن الأمر لم ينته مطابقا للكيفية التي تريدها الولايات المتحدة وإسرائيل· فلقد أيد صقور الإدارة الأمريكية توجيه ضربة هائلة قاصمة كبديل مفضل لفرض الهدوء والخضوع في المنطقة تمهيدا لضرب العراق والسيطرة من دون أي تحد على أوضاع المنطقة·
“ففي البداية على الأقل، كانت تصفية عرفات، وتفكيك السلطة الفلسطينية واجتثاث منظمات المقاومة وكسر إرادة الشعب الفلسطيني كانت تبدو أنها قابلة للتحقيق· ففي الحسابات الإسرائيلية كان عرفات سيستسلم لإنقاذ نفسه أو يزال بمساعدة مساعديه الذين ربطتهم علاقات مع واشنطن وتل أبيب، لكن إعلان عرفات التحدي في ظل أقسى مراحل الأزمة لم يمنع فقط انهيار القيادة الفلسطينية بل جعل الفلسطينيين يتوحدون حولها بصورة غير مسبوقة” (Merip2/5)·
ولقد أحدثت التظاهرات في الشارع العربي وما سببته من هز للأنظمة العربية وكذلك التظاهرات في العالم بعد ذلك والموقف الأوروبي إحراجا للولايات المتحدة مما جعلها تعارض تصفية عرفات، كما شكل الغربيون من مناصري القضية الفلسطينية درعا بشريا ساعد في حماية عرفات· مما نتج عنه أن يخرج عرفات من بعد عملية شارون التي ربما لا تتكرر كرئيس للسلطة الفلسطينية لا يستطيع أحد تجاوزه·
إن من أهم نتائج الأحداث على مأساويتها وما ارتكب فيها من جرائم، هي أن الشعب الفلسطيني لم يهزم وأنه ظل في أرضه يشكل رقما صعبا، وأن المقاومة ستستمر· أو كما جاء في مجلة “Merip” بتاريخ 29 إبريل “إنه من المستحيل القضاء على البنية الأساسية للإرهاب” فالمنظمات المختلفة ستعاود عملها وبوقت سريع ولن تأخذ وقتا طويلا حتى تعود لتعكر عودة المجتمع الإسرائيلي لممارسة وظائفه الحياتية المعتادة (Merip2/5)·
إذ ليس أمام إسرائيل والولايات المتحدة من أجل الاستقرار سوى طرق خيارات السلام وإنهاء الاحتلال والإقرار بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة·