أسماء مبارك
لم يعد مشروع إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الذي قسم الإدارة الأمريكية إلى فريقين سراً· فقد نشرت صحيفة “النهار” اللبنانية في الثالث من إبريل الماضي نص خطتين استراتيجيتين لتنفيذ المشروع كما ورد في النشرة الإسرائيلية “Israel and Palestine: Strategic Update”·
ويتزعم بول وولفوفيتش نائب وزير الدفاع الأمريكي الفريق المؤيد لخطة تستند إلى اقتراحات مباشرة ومفصلة من رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ورئيس أركان جيشه شاؤول موفاز تهدف إلى تمهيد الطريق لتصبح إسرائيل دولة يهودية “صافية العرق” وذلك عبر “إجلاء” الفلسطينيين وترحليهم وتوطينهم في مناطق عراقية متخلفة وغير مكتظة بالسكان بعد إطاحة صدام حسين· وفي الوقت نفسه أو في مرحلة لاحقة سينضم إليهم اللاجئون الفلسطينيون في سورية ولبنان والأردن، شاؤوا ذلك أم أبوا (استناداً إلِى نص النشرة الإسرائيلية المترجم)· وقد اكتفينا هنا من خطة وولفوفيتش بتناول الجزء المتعلق بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق لمطابقته بما جاء في مقال اللواء الركن، والمدير السابق للاستخبارات العراقية، وفيق السامرائي الذي نشرته صحيفة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر يوم السابع عشر من إبريل الماضي من طرح للعراق كوطن بديل للاجئين الفلسطينيين· وقد علل السامرائي ذلك بمجموعة من الاعتبارات تتلخص في اتساع مساحة البلد وضعف كثافته السكانية مقارنة ببريطانيا (لماذا بريطانيا؟) وحاجة العراق، بعد رفع العقوبات إلى ما لا يقل عن أربعة ملايين عامل (عدد الفلسطينيين في الشتات يقدر بخمسة ملايين نسمة) فضلاً عن التقارب في العادات والثقافة بين الشعبين·
ودعا السامرائي الفلسطينيين إلى العمل باستراتيجية الممكن في ظل العجز العربي ورجحان كفة ميزان القوى لصالح إسرائيل وحلفائها· وأقل ما يقال في هذا الكلام في الظروف الراهنة أنه تكسير للمجاديف وتثبيط للعزائم·
كما أن طرحه للعراق وطناً بديلاً للاجئين الفلسطينيين كحل جذري للقضية الفلسطينية يوحي بأنه توصل إلى العصا السحرية التي ستضع بضربة واحدة حداً لمشكلة الشرق الأوسط في حين أننا نعلم أن حكومة إسرائيل لم تقبل من مبادرة السلام العربية سوى التطبيع ورفضت ما عدا ذلك·
إن ما يمكن أن نفهمه من التطورات الراهنة والتسريبات التي تجري لسبب أو لآخر هنا وهناك حول خطط سرية هو أن الأحداث الحالية تمهد الطريق لواقع عالمي جديد قد يكون غامض المعالم بالنسبة إلينا، لكنه ليس كذلك· حتماً بالنسبة إلى الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وإسرائيل بوصفها الطفل المدلل للإدارات الأمريكية المتعاقبة· فهما لا يتركان شيئاً للمصادفة أو البركة· وما شهده العالم من أحداث كبيرة كرت سبحتها سريعاً ما هو إلا حلقات من سلسلة مترابطة· وبناء عليه يمكن نعت من زعموا أن شارون أفسد على بوش مشروع ضرب العراق بقصر النظر· فما فعله شارون هو خلق مشهد سياسي يحشر الحكومات العربية العاجزة في الزاوية ويضطرها إلى القبول بالأمر الواقع· وقد تكون خطة إجلاء الفلسطينيين وتوطينهم في العراق التي يجري تداولها في كواليس الإدارة الأمريكية أول “واقع” نستفيق عليه في الفترة المقبلة· ترى من الشخصية السياسية العراقية التي ترشحها واشنطن لنيل “شرف” حل مشكلة اللاجئين؟