رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15-21 صفر 1423هـ الموافق27 ابريل - 3مايو 2002
العدد 1524

قصة

مبــــــــارك

لطيفة بطي

شيطان حركة وكلمة، يطل دوماً هاشا باشا، مرتبكة أرتب جدول عملي، ينتزعني صوته المفعم بالحيوية والمرح: “مساك الله بالخير··”·

أبستم: مبارك!

يشاكسني، يرغب بدقائق لمحادثتي، أنكب على سطح المكتب المليء بالأوراق والملاحظات، يتحرق في وقفته، يربكني من جديد: إذا شغلتك أكثر من دقائق ولم تنبهيني فسأدعو أن يكون أولادك مثل أولادي!

أضحك: ماذا عنهم؟

يبدأ بسرد حكاياه واهتزازة رأسه التلقائية لاتفارقه، في بعض الأحيان يعتقد أنه وسوء الحظ متلازمان، يضرب مثاله الأول، عندما رزق بابنته الأولى (طاح سوق المناخ)، وعندما رزق بالثانية (تم حل مجلس الأمة)!

أضحك لأمثلته الرابطة ما بين الأحداث العامة والخاصة، يشعل سيجارته، أنبهه: ممنوع التدخين·

- حاضر، حاضر، يطفئها، ينكس رأسه، يستغرق في ضحكة صغيرة وكأنه يعود لتلك اللحظة من الذكريات، يطمئنني، لم يكن طالع ابنتيه سيئاً إلى ذلك الحد، فقد أتم بناء منزله وأخويه في تلك الفترة·

أعلق: أريد حسن الحظ فقط من حياتك!

- لا، لا تجيك السالفة!

ارتسمت على وجهه علامة فخر واعتزاز، شرح لي الصعوبات التي واجهته وواجهها، في العشرين من عمره كان يتحدث ويتصرف كما لو كان في الأربعين، لم يسعد بصحبة الشباب أمثاله، تولى المسؤولية مبكراً، ورث دور أبيه الضرير الذي كان يقوده من ديوان إلى ديوان في “الفرجان” القديمة··· سرح مبارك بعيداً، ووجوم يتهادى على صفاء عينيه، أردف بعد صمت: أمي ماتت مرتين!

أكد ذلك بجدية لم أطمئن إليها حيث يفاجئني دوماً بنهايات غير متوقعة، حاولت التذاكي، طلبت إليه اختصار سوء الطالع واستجلاب أحسن الخواتيم·

شرح لي، مسكون هو بحب والدته، يرفض أن يقوم غيره على خدمتها حتى وإن كانت زوجته، مبارك فقط يمكن له أن يعتني بها ويوفر جميع احتياجات شيخوختها·· يتنهد، تمتد يده لعلبة السجائر، قبل أن أذكره يعيد العلبة إلى موضعها، أمه ماتت مرتين، في المرة الأولى حينما ألقوا بجثمان الشهيد الأول، خرت مغمى عليها وقالت (هذا مبارك) بعد إفاقتها أقنعوها أنه لم يكن هو، وعندما تم إلقاء جثمان الشهيد الثاني هاتفها أحدهم بحسن نية وقال (احتسبي يا خالة هذا مبارك) لتخر مرة أخرى فاقدة وعيها··

ألمح دمعة تترقرق، ينتزع نظارته، يمسحها ويدعك عينيه، أحترم صمته، بي رغبة عجلى لمعرفة أين تم ذلك وكيف انتهى: أنتظر حسن طالع يا مبارك، لا احتساباً عن حي يرفل أمامي بحيويته! تماوجت قسمات المرح والهدوء على صفحة وجهه، أسر لي من جديد: ثلاثمئة وثمان وسبعون ساعة كنت معلقاً في الجو بطائرة الجابرية··

- في تلك الحادثة تحديداً تعني!

طرق سطح المكتب منفعلاً: تحديداً عندما رزقت بابنتي الثالثة!

يا الله يا مبارك، لم أملك أن أردد غير تلك الكلمات، وعدني بإحضار كتاب يتحدث عن  تلك المأساة حيث سأرى صورته وأقرأ الكلمات التي سطرت في حقه (كنت كلما شعرت بالقلق أنظر إلى مبارك فأرى في عينيه الرضا والاطمئنان فأستريح)، كلمات أحد زملائه في حادثة الخطف، أكد لي مبارك أنه كان بمثابة الأب الروحي لكل المخطوفين واستطاع طيلة الوقت أن يبث في نفوسهم الطمأنينة والصبر· لمبارك تاريخ في سوء الحظ كما يقول، أو في المواجهة كما أقول له، في أحد أيام الغزو كان عائداً لا يحمل سوى (خيشة بصل) حينما تم إيقاف سيارته قرب (السيطرة) وكان قد انتهى للتو تبادل لإطلاق النار ما بين السيطرة وإحدى السيارات المنطلقة بأقصى سرعة، هتف الجندي للضابط: وهذا؟!

أحضروا روحه قبل أن يحضروه، في المعتقل تعرض للتعذيب، صفعوه وضربوه، امتد الأمر إلى كسر بعض أضلاعه، خفضت رأسي تأثراً، احتاج الأمر فيما بعد لعمليات ترقيع كثيرة ليبدو مبارك بصورته الجديدة، أشار إلى وجهه حيث جرح قديم غائر··

- كان الضابط يضربني بفص خاتمه وكنت مستكيناً، الأشرار يغيظهم أن تواجه عنفهم بهدوء وصبر، لا يروي متعة الشر الكامنة في أنفسهم سوى المواجهة، بعد أن أشبعني الضابط ضرباً قال حانقاً لم لا تدافع عن نفسك؟!

شهقت رعباً حينما أخبرني أنه طلب من الضابط أن يضربه كما يشاء على ألا يضربه بفص خاتمه الذي يخشاه كثيراً مفضلاً أن يوجه لكماته بمسمار!

قال مبارك إنه لم يعد لشهقتي وخوفي مبرر، استجاب الضابط لطلبه وغرز ما بين أصابعه مسماراً كور قبضته وهم بتوجيه لكمة له لكنه تصدى له وأمسك بيده قبل أن يصل المسمار إلى وجهه، ضحك الضابط وأطلق سراحه·

ينسل مبارك إلى أعماق الأحداث، يواجهها بابتسامة واثقة وروح مطمئنة، يعتقد أن التاريخ يختار أبطاله قبل أن يصنعهم، أعلم كم هو الحزن الذي يعتمل في أرجاء روحه، يرى مرضاً فتاكاً، مختطفاً جديد وغازياً، يسلب أرواح البراعم الندية، مبارك لا يريد الكف عن المواجهة، انضم إلى الفريق العامل على إيقاف حملة بث السموم التي تريد القضاء على كل ما هو حي وجميل·

طباعة  

بين تطرف “القصيدة” العربية وتطرف “الاجتياح الإسرائيلي”
“آيات” القصيبي التي أزعجت الخارجية البريطانية!

 
مشاغب الفكر الإسلامي·· يرحل في صمت
خليل عبدالكريم·· يودعنا بعد أن رمى حصواته في البرك الساكنة

 
إصدار
 
وتد
 
فنانون يهود يتضامنون مع أهالي جنين