“الطليعة” - القاهرة - خاص:
غيب الموت منذ أيام واحدا من أهم الكتاب المختصين في الفكر والتراث الإسلامي، وأبرزهم في إعلاء الصوت والمشاغبة الفكرية، والتي عرضته للكثير من المصاعب والمصادرات إذ قضى سنوات طويلة من حياته عضوا نشطا من داخل حركة “الإخوان المسلمين”، وملازما لأهم قادة تلك الحركة (عبدالقادر عودة وإبراهيم الطيب)، الى أن تحول في سنوات تالية الى “اليسار”، ومشاركا في تأسيس حزب التجمع، ثم انتهى الى الكتابة والتأليف، ليصدر في التسعينيات أهم الكتب التي اعتبرها الكثيرون (مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر) “قنابل” يجب أن تنزع فتائلها بالمصادرة·
الراحل هو خليل عبدالكريم صاحب “الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية” و”قريش من القبيلة الى الدولة المركزية” و”الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية” و”مجتمع يثرب - العلاقة بين الرجل والمرأة في العهدين المحمدي والخليفي” و”شدو الربابة بأحوال مجتمع الصحابة” وأخيرا “سنوات التكوين”·
التحوّل الى اليسار
رحل هذا الشيخ، “الإخواني” (في بداياته)، و”اليساري” (فيما بعد)، و”المستقل” الى حين وفاته، وسط صمت متعمد، وإغفال إعلامي مقصود، دون أي إشارة الى رحيله، إمعانا في “مصادرته” من قبل المؤسسات الإعلامية الحكومية، والصحف والمجلات الأخرى!
عن بداياته وظروف تحوله، وأسباب “الصدمة” التي تعرض لها من داخل تنظيم الإخوان المسلمين، بعد أن اطلع على أسرار هذا التنظيم عن قرب، يقول “أودعت السجن الحربي وهناك لقيت ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر من أنواع التعذيب، لدرجة وقتها كنتب لا أتصور أن الله سبحانه وتعالى سيحاسبني، لأنه (جل جلاله) أرحم من أن يجمعني بعذاب السجن الحربي وعذاب جهنم! وتم في غمرة هذه الأحداث إعدام أساتذتي الشهيدين عبدالقادر عودة، وإبراهيم الطيب وهو بالنسبة إلي عام الحزن 1945”·
ويروي عبدالكريم معاناة السجن والتعذيب، التي لم تغير من التزامه الحزبي في شيء، إلا بعدما رأى عن قرب “انتهازية”، وجرائم التنظيم في حمأة التنافس للوصول الى المناصب، أو بهدف الارتزاق والإثراء “لقد كان بعضهم يعجبني مثل·· والشيخ المهندس فايز الذي دبر حادث اغتياله منافسوه من الإخوان في التنظيم السري، واغتالوه بطريقة تتنافى مع أبسط قواعد الإسلام، إذ أرسلوا له في منزله (علبة حلاوة المولد) في مناسبة المولد النبوي الشريف، ووضعوا له قنبلة بين هذه الحلوى، وعندما فتحها انفجرت القنبلة في وجهه فأردته قتيلا، وأصابت كل أفراد أسرته المتواجدين في مكان الحادث بشقته!”·
وعن تعبير “الإسلامويين” الذي يطلقه عادة على أعضاء الحركات الإسلامية، يقول “هذا التعبير أُصر على استعماله في كل كتاباتي ومحاضراتي وندواتي، وهو يعني “مدعي الإسلامية” ومن ثم فإنني أقول إن أغلب “الرموز” التي تراها الآن على الساحة الإسلامية هم طلاب دنيا، بل هم يتكالبون عليها بأشد ما يتكالب عليها ممن لا يرفعون الشعارات “إياها”، أقول هذا من واقع خبرة ومعايشة معظمهم، “مليونيرات” بلا أي مبالغة ويعيشون عيشة مترفة·· فيلات فاخرة·· أو على الأقل شقق واسعة “سوبر ديلوكس”، وسيارات فارهة، وأرصدة في البنوك··”·
المصادرة تلاحقه
ظل مجمع البحوث الإسلامية فارضا وصايته على جميع كتب الراحل، الى آخر كتاب أصدره قبل وفاته (سنوات التكوين)، مرة بتهمة تشويه صورة الصحابة ومرة أخرى بتهمة تسمية الدولة الإسلامية “بالقرشية”، ومرات أخرى إنكار الديانات السماوية والإساءة للرسول ([)، فلم تكن مؤلفات عبدالكريم بنظر المجمع سوى “حكايات” ملفقة كتبت بسوء نية، وتشكل “تشويشا” على فكر القارئ، مما يسوغ لها ضرورة المصادرة!
يقول في أحد ردوده على مجمع البحوث إثر قرارات المصادرة التي اعتادها: “لم أقل إن المجتمع الجاهلي كان له أثر بالغ على مجتمع المدينة، من الناحية المنهجية اعترضت في جميع كتاباتي على توصيف “الجاهلية” وقلت إنه توصيف أيديولوجي، وأطلقت على المجتمع موضوع الكتاب “مجتمع يثرب” وما ذكرته في هذا الخصوص أن عددا كبيرا من الصحابة عاش ثلاثة أرباع أو ثلثي عمره قبل الإسلام وأن هذه الفترة لا بد أنها ذات أثر كبير عليهم”·
بعد سنوات من الكتابة والبحث وإعادة القراءة في التراث، يرحل خليل عبدالكريم بهدوء وصمت·· وكأنه لم يثر “بحصوات” إصداراته برك أفكارنا الساكنة!!