كتب المحرر الثقافي:
نشرت صحيفة “الديلي تلغراف” في الأسبوع الماضي خبرا عن انزعاج وزارة الخارجية البريطانية من قصيدة سفير المملكة العربية السعودية في لندن الشاعر غازي القصيبي، المنشورة على صدر الصفحة الأولى “للحياة”، والتي امتدح فيها العملية الانتحارية التي قامت بها الفتاة الفلسطينية آيات الأخرس في الشهر الماضي·
وأضاف الخبر عن نية الخارجية البريطانية توجيه “رسالة تأنيب” الى السفير القصيبي، كما ذكرت على لسان المتحدث الرسمي للوزارة “نحن نعتبر العمليات الانتحارية شكلا من أشكال الإرهاب”·
وبعد نشر الخبر بأيام عادت الخارجية البريطانية ونفت ما جاء في “ديلي تلغراف”، وقالت إن الخبر الوارد “مبالغ فيه”·
القصيدة الانتحارية
والقصيدة (الشهداء) محل الخلاف، كتبها القصيبي بشكلها التقليدي (العمودي)، رغبة منه في إيصال معانيها المباشرة لعامة قرائه الذين اعتادوا منه مثل تلك الرسائل الشعرية، وتلك الصور البسيطة، وعلى حساب القيمة الفنية أو إعلاء شعريتها·
وكان قد “ورث” القصيبي كأحد شعراء العربية المعروفين جانبا كبيرا من جماهير الراحل نزار قباني، الذي تعرض في سنواته الأخيرة لكثير من سهام النقاد لخسارته الفادحة بعد تنازلاته الفنية التي اصطبغت بها قصائده السياسية، في سبيل إرضاء “الجمهور”، والتنفيس عن مشاعرهم الغاضبة، واستسهالا لكسبهم، والنزول بالقصيدة الى شارعهم الى درجة الشتم للأوضاع العربية، وللعرب أنفسهم!
ويتجاوز هنا القصيبي في قصيدته “الشهداء” كل ما كتبه شعراء العين الواحدة (والأخرى تراقب مشاعر رضا الشارع العربي)، مثل قباني ومظفر النواب وأحمد مطر، حيث يدعو القصيبي دعوة صريحة الى الإقدام على العمليات الانتحارية كحل للقضية الفلسطينية الشائكة:
فتحت بابها الجنان·· وحيت
وتلقتك فاطم الزهراء
وبدعوة “دموية” أخرى يختتم:
حين يدعو الجهاد·· لا استفتاء
الفتاوى، يوم الجهاد، الدماء!
ومن الواضح أن المحرض الأول للكتابة لدى القصيبي وبمثل هذا الخطاب الناري هو الرد على فتاوى صدرت منذ أشهر (وفي المملكة العربية السعودية) تحرم قتل النفس، حتى من باب الدفاع عن الأرض والوطن، وكان قد ذكر المفتي أن المقدم على مثل تلك الأعمال الجهادية، لا يجب أن يضمر بنيته “الموت” المؤكد، بل إنه يحتسبها عملية خطرة تؤذي الأعداء، وتدع هناك فرصة للنجاة في الوقت نفسه، وإلا فأنها تعتبر “انتحارا”·
لذا فالقصيبي يفتتح مطلع قصيدته ردا على مشايخ الإفتاء:
يشهد الله أنكم شهداء
يشهد الأنبياء·· والأولياء
وفي المقطع الأخير للقصيدة يعود ليقول:
قل لمن دبجوا الفتاوى: رويدا!
رب فتوى تضج منها السماء
حين يدعو الجهاد·· يصمت حبر
ويراع·· والكتب·· والفقهاء
وفي بيت آخر يتطرق السفير الشاعر إلى علاقة العرب بالولايات المتحدة الأمريكية، وعدم إنصافها كقوة عظمى لقضية العرب العادلة، إنما بمعان غاضبة (يستكثرها بعض المتابعين عن أن تصدر من صاحب منصب رسمي):
وشكونا الى طواغيت بيت
أبيض·· ملء قلبه ظلماء
وكان قد مهد لهذا البيت بكلمات “العجز” و”الشكوى” و”الركوع” و”البكاء”، و”الرجاء”··· التي لا تجد الأمة العربية غيرها وسيلة تقدمها على عتبات “البيت الأبيض”، لمواجهة الصلف الإسرائيلي·
ويذكر بعض المهتمين تعليقا على قصيدة القصيبي أنه من السهل استبكاء الجماهير، أو استجداء تعاطفها أو حتى إثارة مشاعرها الغاضبة، بقصائد غنائية، أو سياسية “بسيطة المعنى والشكل”، إنما من الصعوبة مواجهتها بقصائد “صادمة” تفكك نسيج السائد، وتعمل على سحب الجماهير الى اتجاهات أخرى من الفكر التنويري، بعيدا عن دعوات الانتحار، والتثوير، والغضب اللامجدي!
الشهداء
يشهد الله أنكم شهداء
يشهد الأنبياء·· والأولياء
متم كي تعز كلمة ربي
في ربوع أعزها الإسراء
أنتحرتم؟! نحن الذين انتحرنا
بحياة·· أمواتها الأحياء
***
أيها القوم! نحن متنا·· فهيا
نستمع ما يقول فينا الرثاء
قد عجزنا·· حتى شكا العجز منا
وبكينا·· حتى ازدرانا البكاء
وركعنا·· حتى إشمأز ركوع
ورجونا·· حتى استغاث الرجاء
وشكونا إلى طواغيت بيت
أبيض·· ملء قلبه الظلماء
ولثمنا حذاء “شارون”·· حتى
صاح “مهلا! قطعتموني!” الحذاء
أيها القوم! نحن متنا·· ولكن أنفت أن تضمنا الغبراء
***
قل “لآيات”: يا عروس العوالي!
كل حسن لمقلتيك الفداء
حين يخصى الفحول·· صفوة قومي
تتصدى للمجرم الحسناء
تلثم الموت وهي تضحك بشرا
ومن الموت يهرب الزعماء
فتحت بابها الجنان وحيت
وتلقتك فاطم الزهراء
قل لمن دبجوا الفتاوى: رويدا!
رب فتوى تضج منها السماء
حين يدعو الجهاد·· يصمت حبر
ويراع·· والكتب·· والفقهاء
حين يدعو الجهاد·· لا استفتاء
الفتاوى، يوم الجهاد، الدماء!