يعيش الشعب الفلسطيني هذه الأيام وضعاً مأساوياً· فما يحدث في مخيم جنين هو بحق مأساة إنسانية فلا ماء ولا غذاء ولا كهرباء ولا هواتف ولا اتصال، فقط بيوت مهدمة وعمال يحاولون إصلاح ما هدمته همجية الإسرائيليين·
في هذه الرحلة تأخذنا ساما عويضة، وهي من مركز الدراسات النسوية في القدس· إلى المخيم لنتعرف عن قرب عن الوضع الذي يعيشه أهل المدينة·
حديث الصباح
أحمد (10 سنوات):ماما أرجوك أن لا تذهبي إلى جنين·
- لماذا؟
- أخاف عليك·
- لا تخاف يا حبيبي، لن يصيبني مكروه
- ولكن لماذا عليك أن تذهبي؟
- حتى أستطلع أوضاع الناس، وأتمكن من معرفة واقعهم، علّنا نعرف كيف نساعدهم، وماذا سنطلب من الآخرين لمساعدتهم· فإن لم نبادر نحن الفلسطينيين فلن نستطيع أن نطلب من غيرنا أن يفعل· علينا دوما أن نبدأ بأنفسنا·
- ولكن، لماذا أنت، هناك الكثير غيرك؟!
- لست وحدي كما أنني قد تعودت أن أقوم بواجبي دوما، وهكذا أحبك أن تكون·
- مع السلامة···قبلة
الطريق إلى جنين
وصلت فندق الأمبسادور في القدس حيث يتجمع أفراد الوفد···وفد متعدد الجنسيات من أمريكا وإيطاليا، وفرنسا واسكتلندا، ونادرة كيفوركيان (صديقتي وزميلة عملي)·
"بهية عمرة" من الإغاثة الطبية كانت قد نظمت لهذه الرحلة، وعندما طلبت منها أن أشارك أنا ونادرة لم تسألنا لماذا ولا كيف، فقد كانت تعرف هي الأخرى أنه واجب كل فلسطيني· تودعنا حتى الباب وتطلب منا الاهتمام بأعضاء الوفد· في الباص جلست بجانب عجوز أمريكية ناشطة في مجال الكنائس وحقوق الإنسان···حدثتني طويلا عن نشاطها، وعن ما رأته في فلسطين خلال زيارتها···للحظات أحسست بأنه كان واجبي أنا أن أحدثها ولكنني كنت فعلا قلقة···نبضات قلبي تتسارع···وخوف كبير ينتابني، لا مما قد يحصل لي، بل مما سأراه وإن كنت حقا سأحتمل تلك المشاهد التي رأيت بضعها عبر شاشات الفضائيات المختلفة·
الطريق طويلة، حيث كان لا بد أن نذهب عبر مدينة "أم الفحم" الفلسطينية التي تقع داخل الخط الأخضر···وما إن دخلنا المدينة، حتى انتابني شعور غريب···فتلك هي مدينة "أم الفحم"، كيف لم أدخلها من قبل···مدينة عربية بكل ما فيها، شعبها، بيوتها، مبانيها···وفجأة يلوح لي نصب تذكاري كتب عليه "دوار الشهيد” اعتقدت أولا بأنه نصب لكل الشهداء، ولكن سرعان ما لاح آخر يحمل اسم الشهيد "أحمد إبراهيم صيام" ، وثالث يحمل اسم الشهيد "مصلح أبو جراد"، ولافتة كبيرة رسم عليها الأقصى مكبلا بالسلاسل وكتب عليها "مهرجان الأقصى في خطر"·
يرتفع صوت السائق ليسأل إن كنا جميعا نحمل الماء، استغربت من السؤال، ونادرة تقول لي إنهم يقولون إننا قد لا نجد الماء هناك···كيف يعيش إذن الناس، وهل علينا أن نحمل لهم الماء؟···وأحس بسلبية لم أعرفها من قبل···سلبية أفقدتني القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب···وصمت· نبضات قلبي تتسارع، أتساءل في داخلي عن كيفية تقوية نفسي···علي أن لا أنهار أمام الناس، فنحن هناك لتقويتهم لا لكي ننهار أمامهم· أطفال وشباب ونساء أم الفحم ينظرون إلينا ويحيوننا، وامرأة تقول لنا "يا ليتكم تأخذون قطعة من قلبي معكم وتهدونها إلى أهالي مخيم جنين"· الباص يصعد طريقاً جبلية وعرة وضيقة···ما زلنا داخل المدينة، ولكنها مدينة محرومة من الخدمات التي تعطى للمدن الإسرائيلية···شكرا لعنصريتهم، فقد أبقت كل أم الفحم وسكانها فلسطينيون، وهذا ما يعيد لي الأمل بأن تلك الدولة لن تصمد على المدى البعيد، فلا يمكن لدولة مبنية على أساس العنصرية أن تستمر مهما طال الزمن···فالأساس رديء·
تقف الحافلة، ونبدأ بالسير على الأقدام باتجاه مدينة الطيبة، ومن ثم باتجاه "رمانة" عبر طريق ترابية وعرة مليئة بالسواتر الترابية· وأخيرا نصل إلى حيث تنتظرنا السيارات· نمر بمدرسة رمانة فيخبرنا السائق بأن تلك المدرسة كما مدرسة الطيبة كانت تعج بأهالي المخيم، حيث أتى الجنود بسياراتهم وألقوا بالكثير من سكان المخيم في تلك المدارس···استضافهم أهل القريتين، البعض في بيوتهم والبعض في المدارس، ولم يتوان أهل أم الفحم والمدن الفلسطينية الأخرى وراء الخط الأخضر من تزويدهم بالمساعدات العينية اللازمة لمدة عشرة أيام قبل أن يتمكنوا من العودة إلى المخيم·
نسير على طريق ترابية وعرة، يخبرنا السائق بأنها طريق عام ولكن مرور المجنزرات والدبابات الإسرائيلية قد أحالها إلى طريق ترابية وعرة·
ندخل مدينة جنين، حيث لم يعد هناك طرق معبدة، ولا شبكات مياه ولا هاتف ولا كهرباء، ومبانٍ عدة مهدمة تشهد على الكارثة، وعمال في الطرقات يحاولون إصلاح ما أفسدته همجية القرن الواحد والعشرين·
دخول المخيم
ما إن اقتربنا من المخيم، حتى شعرت بقلبي يهوي···كيف سأقابلهم، وكيف سأتحدث معهم···وما الذي سأراه؟! تقف السيارة ويقترب منا شباب يلبسون قمصاناً بيضاء كتب عليها فرق إسعاف الإغاثة الطبية الفلسطينية، ويقترب مني شاب ويسألني لو كنا نحن الوفد الذي ينتظر، أهز رأسي بالإيجاب، يسألني لو كان هناك من بين الوفد عرب، أقول له بأنني ونادرة عرب·
- من أين؟
- من المراكز النسوية؟
- نحن نعرف ساما عويضة من المراكز·
- أنا هي، فمن أين تعرفني؟
- حقا أنت؟! نحن تدربنا في موضوع النوع الاجتماعي ضمن البرامج التي نظمها مركزكم هنا في جنين وقرأنا اسمك على جميع مواد التدريب، وكم كنا نرغب بلقائك···يا شباب هذه ساما عويضة·
أحسست براحة كبيرة، وبدأت الرحلة مع "سامي" ورفاقه لنقود الوفد داخل المخيم·