رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15-21 صفر 1423هـ الموافق27 ابريل - 3مايو 2002
العدد 1524

لا أمل بأن تلعب واشنطن دورا إيجابيا في الشرق الأوسط

·        كيسنجر ما زال يقود الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة

·        مسؤول أمريكي: يجب على عرفات وضع مستقبل شعبه في أيدينا

·        واشنطن وتل أبيب واثقتان أن العرب سيقبلون بالسلام وفق شروطهما

·        المبادرة السعودية = 242 + دولة فلسطينية

·        الوضع الراهن يشبه بداية عهد بوش الأب في الثمانينات

بقلم: نعوم تشومسكي

لاحظ أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعة العبرية باروخ كيمرلنغ أن “ما خشيناه قد تحقق”· فاليهود والفلسطينيون “انخرطوا في حالة من القبلية الوهمية التي جعلت الحرب أمرا لا مفر منه”· إنها حرب “استعمارية شريرة”· فبعد الغزو الإسرائيلي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين قبل أشهر عدة، كتب زميله زفي شتيرنهيل يقول إن “حياة الإنسان في إسرائيل الاستعمارية أصبحت رخيصة”· وقادة إسرائيل لم يعودوا يخجلون من الحديث عن الحرب بينما أن ما يتورطون فيه هو سياسات استعمارية تعيد الى الأذهان سيطرة الشرطة البيض على أحياء السود الفقيرة في جنوب أفريقيا في أثناء حقبة الفصل العنصري”·

وقد أكد الاثنان ما هو واضح وهو أن لا تماثل بين “المجموعات العرقية - القومية” حين تنزلق الى شكل من أشكال النزاعات العرقية· فالصراع يتركز في المناطق التي تخضع لاحتلال عسكري قاس لأكثر من 35 عاما· والطرف المحتل هو قوة عسكرية كبيرة تحظى بالدعم العسكري والاقتصادي والدبلوماسي القوي من القوة العظمى الوحيدة في العالم· والخاضعون للاحتلال وجدوا أنفسهم وحيدين وغير قادرين على الدفاع عن أنفسهم، ويعيش الكثيرون منهم في مخيمات بائسة للاجئين، يواجهون اليوم إرهابا أكثر وحشية من ذلك الذي شهدته “الحروب الاستعمارية الشريرة” ويقومون هذه الأيام بتنفيذ جرائم رهيبة انتقاما من المحتلين·

خداع بائن

لقد غيرت “عملية أوسلو” أشكال الاحتلال ولم تغير جوهره· فقد كتب المؤرخ شلومو بن عامي قبل وقت قصير من انضمامه لحكومة ايهود باراك يقول إن “اتفاقات أوسلو بنيت على أساس استعماري جديد، أي اعتماد طرف على الطرف الآخر الى الأبد”· وسرعان ما أصبح مهندسا للمقترحات الأمريكية - الإسرائيلية في مفاوضات كامب ديفيد في صيف عام 2000 التي لم تخرج عن ذلك الإطار· وقد لاقت تلك المقترحات الكثير من الثناء في الإعلام الأمريكي· وألقي باللائمة على الفلسطينيين وزعيمهم “الشرير”، لفشلها وما تلى ذلك من أعمال عنف· ولكن هذا “خداع” بائن، كما قال كيمرلنغ وعدد آخر من المعلقين الجادين·

صحيح أن كلينتون وباراك تقدما الى الأمام بضع خطوات باتجاه تسوية تقوم على أساس إقامة “بانتوستانات” فقبل كامب ديفيد، كان فلسطينيو الضفة الغربية محشورين في أكثر من 200 منطقة معزولة عن بعضها· واقترح كلينتون وباراك تحسين هذا الوضع، بحيث يتم تقسيم الضفة الغربية الى ثلاثة كانتونات تخضع للسيطرة الإسرائيلية وتكون منفصلة فعليا، عن بعضها، وعند القدس الشرقية التي تشكل قلب الحياة الفلسطينية والاتصالات في المنطقة· وفي الكانتون الخامس (قطاع غزة) ترك الأمر غامضا في ما عدا أن السكان سوف يبقون داخل سجن فعلي، وهذا ما يفسر غياب الخرائط عن كل المقترحات الأمريكية·

وما من أحد يشك في أن الدور الأمريكي سيظل حاسما، ولذلك فإن من الأهمية فهم الدور الذي لعبته واشنطن في الماضي وكيف ينظر الى هذا الدور على الصعيد الداخلي· وقد عرض رؤية الحمائم للسلام، محررو نيويورك تايمز “في عدد السابع من أبريل” الذين أشادوا بخطاب الرئيس و”رؤيته الجديدة”·

والعنصر الأول في هذه الرؤية هو “إنهاء الإرهاب الفلسطيني” فورا، ثم بعد بعض الوقت “تجميد بناء المستوطنات اليهودية والتفاوض بشأن الحدود الجديدة، وإنهاء الاحتلال والسماح بقيام دولة فلسطينية· وإذا توقف الإرهاب الفلسطيني، فسوف يتشجع الإسرائيليون للقبول “بعرض جامعة الدول العربية التاريخي الذي يقضي بإحلال السلام الكامل والاعتراف مقابل الانسحاب الإسرائيلي الأكثر جدية”· ولكن يجب على القيادة الفلسطينية أن تظهر أولا، إنها “شريك دبلوماسي شرعي”·

رؤية جديدة

وليس أشبه من هذا الوضع، مما حدث في الثمانينات حين سعت الولايات المتحدة وإسرائيل، بشكل حثيث، لتفادي عروض منظمة التحرير الفلسطينية للتفاوض والتوصل الى تسوية سياسية، وفي الوقت نفسه التمسك بأنه لن تكون هناك مفاوضات مع منظمة التحرير “لإقامة دولة فلسطينية أخرى”·· (فالأردن هي الدولة الفلسطينية)، و”لا تغيير في وضع يهودا والسامرة وغزة إلا وفقا للخطوط الأساسية للحكومة الإسرائيلية” (خطة حكومة بيريز - شامير الإئتلافية في مايو 89 التي حظيت بتأييد إدارة بوش - بيكر من خلال الخطة التي أعلنتها واشنطن في ديسمبر 89)· ولم تنشر كل هذه التفاصيل في الإعلام الأمريكي، في الوقت الذي واصلت التعليقات تنديداتها بالفلسطينيين لالتزامهم بالإرهاب، الأمر الذي يضعف المحاولات الإنسانية للولايات المتحدة وحلفائها لإيجاد حل للصراع·

ولكن في الواقع، فإن الحاجز الأساسي أمام “الرؤية الجديدة” لبوش كان ولا يزال، الرفض الأمريكي أحادي الجانب· فليس هناك الكثير من الجديد في “عرض جامعة الدول العربية التاريخي”· فهو تكرار للبنود الأساسية لقرار مجلس الأمن الصادر عام 76 والذي حظي بتأييد عالمي واسع، بما في ذلك الدول العربية الرئيسية ومنظمة التحرير وأوروبا والكتلة السوفييتية·

وعارضته إسرائيل وصوتت عليه الولايات المتحدة بالفيتو· فالقرار دعا الى تسوية سياسية ضمن الحدود المعترف بها دوليا مع إجراء ترتيبات مناسبة لضمان السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لجميع الدول في المنطقة وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها· وفي الواقع، فإن العرض هو تعديل للقرار 242 بشكل يشمل قيام دولة فلسطينية· وكانت عروض مماثلة من دول عربية ومنظمة التحرير وأوروبا، قوبلت بالمعارضة من الولايات المتحدة وغالبا ما كان الإعلام يتجاهل مثل هذه العروض·

ويعود الرفض الأمريكي الى خمس سنوات قبل صدور القرار، أي الى عام 1971، حين عرض الرئيس أنور السادات على إسرائيل اتفاق سلام كامل مقابل انسحاب إسرائيلي من الأراضي المصرية دون ذكر للحقوق الوطنية للفلسطينيين أو مصير الأراضي المحتلة الأخرى· وقد أقرت حكومة حزب العمل آنذاك أن ذلك كان عرض سلام حقيقي لكنها رفضته· وأدركت الولايات المتحدة وإسرائيل أن العرب سيقبلون بالسلام وفقا للسياسة الأمريكية الرسمية· وكما أوضح أحد أبرز زعماء حزب العمل “الذي أصبح رئيسا للدولة فيما بعد” عيزر وايزمان، فإن محصلة ذلك العرض لن تسمح لإسرائيل “بالبقاء وفقا لمدى وروح ونوعية ما تجسده”· وكتب المعلق الإسرائيلي عاموس ايلون أن السادات سبب حالة من “الهلع” بين أوساط القيادة السياسية الإسرائيلية حين أعلن استعداده الدخول في اتفاقية سلام مع إسرائيل واحترام استقلالها وسيادتها ضمن “حدود آمنة ومعترفا بها”·

زنوج!

وقد نجح كيسنجر في إحباط السلام، وفرض ما أطلق عليه “المأزق” وقد رفضت عروض السلام الأردنية أيضا، وظلت السياسة الأمريكية منذ ذلك الحين تتبع الخطوط العريضة التي رسمها كيسنجر·

أما الخطط المتعلقة بالفلسطينيين فظلت تتبع الخطوط التي رسمها موشيه دايان والتي تتلخص في عبارة “ليس لدينا حل للمشكلة الفلسطينية”·

وأشار ذات مرة الى ما قاله بن غوريون من “إن كل من يتعاطى مع المشكلة الصهيونية دون بعدها الأخلاقي فإنه ليس صهيونيا”· وحاييم وايزمن الذي قال إن “مصير بضع مئات من آلاف “الزنوج” في الوطن اليهودي مسألة ليس لها عواقب”·

وعلى الجانب الأمريكي، قال إدوارد ووكر المسؤول في وزارة الخارجية في عهد كلينتون إنه يتوجب على عرفات أن يتصرف لاستعادة ثقتنا به من خلال الإعلان الواضح ودون لبس “أننا نضع مستقبلنا ومصيرنا في أيدي الأمريكيين”، وهي التي قادت الحملة لتقويض الحقوق الفلسطينية على مدى الثلاثين عاما الماضية·

المشكلة الأساسية إذن هي واشنطن التي ظلت تدعم رفض إسرائيل لأية تسوية سياسية على الرغم من الإجماع الدولي في أكثر من مناسبة وأخيرا، في ما يتعلق بالمبادرة السعودية·

وليست هناك سوى تعديلات طفيفة على هذه المواقف الأمريكية لأسباب تكتيكية تتصل بالخطط العتيدة لمهاجمة العراق، وقد سمحت واشنطن بصدور قرار من الأمم المتحدة يدعو الى انسحاب إسرائيلي من المناطق التي احتلتها أخيرا “دون إبطاء”· أنهم يطالبون بوقف “الإرهاب” الفلسطيني فورا، ولكن الإرهاب الإسرائيلي المتواصل على الشعب الفلسطيني منذ 35 عاما فيمكن أن يأخذ مداه· فقد صعدت إسرائيل هجماتها على الفور ليخرج إلينا وزير الخارجية كولين باول ويقول “إنني سعيد لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي أبلغني أنه يعمل على تسريع العملية”، بل إن هذا الموقف الأمريكي قد يتغير ثانية ولأسباب تكتيكية!!

دفاع عن النفس

وفي هذه الأثناء، تتواصل عمليات “تصعيد الإرهاب” على حد تعبير الرئيس بوش، بمنح إسرائيل بكل وسائل الإرهاب والدمار، بما في ذلك شحنة جديدة من أحدث طائرات الهيلوكوبتر في الترسانة الأمريكية· وهذا هو الرد المعتاد على الجرائم التي يرتكبها نظام وكيل للولايات المتحدة· ومن الأمثلة المعبرة عن مثل هذا الوضع، ما حدث في الأيام الأولى للانتفاضة الراهنة، حين استخدمت إسرائيل طائرات الهيلوكوبتر الأمريكية لقصف أهداف مدنية مما أدى الى مقتل 10 أشخاص وجرح 35 في عملية “دفاع عن النفس”· رد كلينتون بتوقيع صفقة تتضمن أكبر مبيعات من طائرات الهيلوكوبتر لإسرائيل خلال عقد من الزمن”، فضلا عن قطع غيار لطائرات أباتشي· وقد ساعد الإعلام في إتمام الصفقة من خلال عدم نشر أخبارها· وبعد أسابيع قليلة، بدأت إسرائيل في استخدام طائرات الهيلوكوبتر في عمليات الاغتيال·

وقد اتضح التزام واشنطن بـ “تعزيز الإرهاب” مرة أخرى في شهر ديسمبر حين استخدمت حق النقض “الفيتو” ضد قرار لمجلس الأمن يدعو الى تطبيق خطة ميتشل وإرسال مراقبين دوليين للإشراف على تقليص العنف، باعتبار ذلك الوسيلة الأكثر فعالية لتحقيق ذلك· وقد حدث ذلك خلال فترة تهدئة لمدة 21 يوما قتل خلالها جنديا إسرائيليا واحدا مقابل 21 فلسطينيا بمن فيهم 11 طفلا· وحدثت فيها 15 عملية توغل إسرائيلية لمناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية· وقبل 10 أيام من الفيتو، قاطعت الولايات المتحدة مؤتمرا دوليا في جنيف والذي خلص الى أن ميثاق جنيف الرابع ينطبق على المناطق المحتلة، وبالتالي، فإن كل ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل يمثل “انتهاكا خطيرا” و”جريمة حرب”· وأعلن المؤتمر أن المستوطنات اليهودية التي تمولها الولايات المتحدة ليست شرعية وندد بعمليات القتل والتعذيب والإبعاد غير القانوني وحرمان الفلسطينيين من حقهم في محاكمة عادلة، فضلا عن عمليات تدمير الممتلكات· وختم المؤتمر بأن على الولايات المتحدة، كدولة موقعة على الميثاق، الالتزام بمقاضاة المسؤولين عن مثل هذه الجرائم، بمن فيهم الزعماء·

والحكومة الأمريكية لم تسحب رسميا اعترافها بأن ميثاق جنيف ينطبق على الأراضي المحتلة وعلى منتهكيه الإسرائيليين باعتبار إسرائيل “قوة احتلال”· ففي شهر أكتوبر 2000، أعاد مجلس الأمن التأكيد على الإجماع بشأن هذا الموضوع و”دعا إسرائيل بالإيفاء بالتزاماتها بموجب ميثاق جنيف الرابع”· وقد تم التصويت بأغلبية 14 صوتا مقابل أي صوت معارض· وقد امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت·

والى أن تفتح الفرصة أمام إجراء نقاش حول مثل هذه المسائل ويتم استيعاب دلالاتها، فلا معنى للدعوة “لانخراط أمريكي في عملية السلام”· وتبقى آفاق قيام واشنطن بأي خطوة بناءة، كئيبة·

“ عن Znet

طباعة  

رفض العرب ضرب العراق فأطلقت واشنطن يد شارون!