البعثات التعليمية والتبرع لإنشاء مؤسسات ثقافية ونواد أدبية والاهتمام بالصحف واستضافة العلماء من شواهد الاهتمام المبكر بالثقافة لدى الكويتيين (1-6)
الدراسة بقلم: الدكتور خليفة الوقيان
· أوائل المهاجرين الى الكويت جلبوا معهم مكتباتهم الخاصة ورؤوس أموالهم وثقافاتهم
· الهجرات جاءت الى الكويت من قرى ومدن الجزيرة العربية
· تنوع الهجرات والاتصال بثقافات الشعوب الأخرى شكل تلاقحا ونموذجا ثقافيا ثريا
تأتي أهمية دراسة “من الجهود الثقافية المبكرة في الكويت 1682 - 1939” من حيث رصدها لظواهر ثقافية واجتماعية وسياسية كانت تمور في قلب المجتمع الكويتي وعلى أرضه منذ منتصف القرن السابع عشر، والربط فيما بينها، وتحليل دلالاتها، والوصول الى نتيجة عصمتها منهجية البحث، ومكانة الباحث العلمية عن أي زلل أو انحراف، فكان مفادها أن كل تلك الومضات المتفرقة، أو أشتات الصفحات الواردة في تاريخ الكويت تشير - بترابطها والوصل فيما بينها - الى أن هناك جهودا ثقافية مبكرة عبر الحقبة الزمنية من 1682 الى 1939 وما تلاها من حاضر ومستقبل·
وترتكز هذه الدراسة على ثلاثة عوامل “طبيعة السكان، وطبيعة الموقع، وطبيعة النظام السياسي”، فمن هذه “الطبيعة” المتمايزة عما سواها في المنطقة يعود سبب الاهتمام المبكر لدى الكويتيين بالثقافة·
عرف الشاعر د· خليفة الوقيان بمكانته الشعرية على المستويين المحلي والعربي، وبإبداعه المتواصل الذي لم يغفله المشهد الثقافي بأدبائه وشعرائه ونقاده ومثقفيه، إلا أنه هنا يستبدل قلم الباحث، الراصد والمحلل، بقلم الشاعر ولو للحظات، ليصل بنا “كما عودنا الى الجديد من الخلاصات والنتائج”، على حد وصف الناقد والدكتور سليمان الشطي في تقديمه للدكتور الوقيان في المحاضرة التي افتتح بها “ندوة الأدب في الكويت خلال نصف قرن” المقامة على هامش مهرجان القرين الثقافي الثامن، التي كان مضمونها هذه الدراسة القيمة وبنشرها هنا فإننا نسعى الى الاستفادة والى قراءة تاريخنا من جديد:
* الطليعة
ارتبط اسم الكويت بالثقافة منذ العقود الأولى لنشأتها؛ فقد ذهبت المصادر إلى أن الكويت أسست في العام 1022 هـ الموافق 1613 (1)· على حين وصلتنا عيّنات من المخطوطات التي نسخت في الكويت مبكراً· وتعود إحداها إلى العام 1682م (2)·
وتهدف هذه الدراسة الى عرض لمحات من الجهود الثقافية المبكرة، والاتجاهات الثقافية في الكويت حتى العقد الرابع من القرن العشرين· ذلك ان خطة الدراسة تقتضي التوقف عند حدود البواكير التي شكلت الارهاصات المنبئة بنهضة ثقافية· أما المراحل اللاحقة فهي معروفة للكافة· فضلا عن توافر مصادر دراستها· وأما العلماء والأدباء الذين أقاموا في هذه المنطقة، أو مرّوا بها في حقب التاريخ العربي القديم فلن ننسبهم إلى الكويت، لأن نسبتهم إليها منافية للمنهج العلمي، فأولئك العلماء والادباء ينتمون إلى الدولة العربية الإسلامية الواحدة، يتنقلون بين أقاليمها، الأمر الذي يجعل نسبتهم إلى الكيانات السياسية التي نشأت في مراحل تاريخية لاحقة ضرباً من التعسف·
آما آثار حضارة الإنسان منذ العصر البرونزي، وآثار حضارة اليونان القائمة في مواقع من أرض الكويت فلن ننسبها إلى تاريخنا الثقافي ونفخر بها ، ونمد من خلالها عمر ثقافتنا بضعة آلاف من السنين، كما يفعل كثير من الباحثين، ذلك ان تلك الثقافة من صنع أمم أخرى، أقامت في بلادنا، أو استعمرتها، أو مرّت بها في حقب سالفة· الامر الذي لا يجيز لنا الادعاء بما لايحق لنا امتلاكه·
عوامل الاهتمام المبكر بالثقافة
يعود السبب في الاهتمام المبكر بالثقافة في الكويت إلى عوامل عده، لعل من أهمها: طبيعة السكان، وطبيعة الموقع، وطبيعة النظام السياسي·
طبيعة السكان
إن جماعات كبيرة من المهاجرين إلى الكويت لم يكونوا من البدو الرحّل الذين شردهم القحط، فجاؤوا إليها يلتمسون الكلأ· بل الأجدر القول ان هؤلاء المهاجرين الأوائل وفدوا إلى المنطقة ينشدون فيها الأمان، وينأوون بأنفسهم عن بؤر الصراع القبلي والعرقي والطائفي في المناطق المجاورة· ثم ان الهجرات الكبيرة من داخل الجزيرة العربية لم تكن قادمة من الصحارى· بل من مدن وقرى معروفة مثل “الهدار”“التي جاءت منها واحدة من أكبر الهجرات المبكرة وأهمها· ونقصد بذلك هجرة العتوب (3)· التي يرجح حدوثها في أواخر القرن السابع عشر، أو اوائل القرن الثامن عشر (4)·
يقول الشيخ عبدالله بن خميس عن “الهدار” إنها قامت على انقاض حاضرة بني الخريش في المنطقة··· تكثر فيها القصور والآبار الأثرية··· ومن ضمن قصورها حصن “موسى بن نمير الخريشي”· وهو مازال قائم الجدر···وقالوا إن مساحته تقارب ثلاثة آلاف متر· وبه آبار يستقى منها عند الحصار··· وبالغوا في متانة جدره وأسواره ومدخله من الشرق··· وسمي هذا الحصن أيضا باسم “صبحي”· جد شهير لعل آل صباح حكام الكويت ينتسبون إلى هذا الجد· ومنه نزحوا إثر خلاف وفتن و قعت بينهم وبين بني عمهم (5)· وقد فصلت المصادر القول في وقائع تلك الخلافات، الأمر الذي يدل على أن هجرة العتوب الكبيرة التي خرجت من الهدار لم تكن هجرة أقوام من البوادي شردهم القحط· بل كانت هجرة لقوم يسكنون المدن ذات الحصون المنيعة· وقد دفعتهم للهجرة الرغبة في البحث عن الأمان والاستقرار، وتحسين الظروف المعيشية ومما يدل على تحضر هؤلاء المهاجرين عدم انتسابهم إلى قبائلهم، والاكتفاء بالانتساب إلى الآباء والأجداد والأسر·
ومن المعلوم أن العتوب الذين خرجوا من الهدار توجهوا بادئ الامر إلى الزباره ــ قطر ــ حيث اتقنوا فيها مهنة الملاحة والغوص على اللؤلؤ(6)· ومنها ارتحلوا إلى الكويت·
ولم تقتصر الهجرة إلى الكويت على القادمين من مدن الجزيرة العربية المعروفة بوفرة علمائها، بل اتسعت فيما بعد، حين عم الاستقرار، فأصبحت المنطقة جاذبة للمهاجرين من جزر الخليج العربي وإماراته العربية على الساحلين الشرقي والغربي، فضلا عن المهاجرين من العراق وإيران، لاسباب اقتصادية واجتماعية ودينية·
وكانت شرائح عديدة من المهاجرين على دراية كبيرة بثقافة المرحلة، بشقيها الديني والدنيوي· ومنهم عدد من العلماء الذين جلبوا معهم مكتباتهم الخاصة، وعدد من الأسر المعروفة بوفرة علمائها، أو باهتمامها برعاية العلم والعلماء·
ومن بين المهاجرين إلى الكويت اعددا من التجار الذين انتقلوا اليها برؤوس اموالهم، وخبراتهم وثقافتهم في مجال التجارة، التي كان من نتائجها الازدهار التجاري السريع للبلاد· ويضاف إلى هؤلاء وأولئك أهل الصناعة والحرف من بنائين وحدادين ونجارين، وفي مقدمتهم “القلاليف” أي صناع السفن الشراعية الكبيرة، القادرة على عبور المحيطات·
وقد أشارت المصادر إلى الشهرة الكبيرة التي حققها الكويتيون في هذه الصناعة المهمة· فضلا عن اشارتها إلى شهرة الأسطول التجاري الكويتي وضخامته·
وتضمنت تقارير الرحالة والزوار والكتاب الاجانب تعليقات تكشف عن طبيعة السكان· وأنهم أهل مدنية وسلوك متحضر·
يقول الكولونيل “لويس بيلي”، الذي زار الكويت في العام 1865، واصفاً التاجر الكويتي يوسف البدر ومجلسه “مكنتني اقامتي في الكويت من رؤية الداخل، والحياة اليومية في بيت شيخ عربي· ولا اعتقد ان هناك جنتلمان انكليزيا يمكن أن يكون ودوداً ومضيافا مثل يوسف البدر(7)· ومع أن الشيخ يوسف متشدد جداً في أمور الدين فقد سمح لنفسه بأن يقرأ عن الديانات الأخرى”(8)·
أما الرحالة الأمريكي لوشر، الذي زار الكويت في العام 1868 فقد قال “تظهر الكويت كمدينة عربية فائقة النظافة··· ونساء الكويت مشهورات بصناعتهن ومهارتهن في جميع الأعمال اليدوية كالحياكة والغزل والنسيج الخ· مثل ذلك حسن مظهرهن، فهن يعتبرن بجانب التركيات والايرانيات··· ولهذه الغاية يعتبرن أشد نساء الخليج ملاحة·· ويقول عن مائدة حاكم الكويت “لقد نسق على مائدتنا طقماً فضياً جميلاً لادوات الأكل المصنوع في اوروبا (9) · اما الحاكم نفسه ـ وهو الشيخ عبدالله الثاني ـ فيقول عنه “كان يلبس ملابس عربية من الحرير الفاخر وقد ارتدى العباءة ذات اللون الأرجواني، موشاة بغزارة بالذهب، ويداه تشعان بالالماس· وفي وشاحه الحريري الابيض الذي لفه حول وسطه كان قد غمس خنجرا صغيراً ذا مقبض من الذهب الصلت وقد طعم باللؤلؤ والفيروز والياقوت والزمرد” (10)· واما الرحالة الهندي أم· كوستجي، الذي زار الكويت في العام 1916 فيقول عن مضيفه الكويتي عبداللطيف، مسؤول جمارك المرفأ: “ويتميز مضيفنا بكونه راقياً في أسلوب حياته· ويفضل العيش بطريقة عصرية··· وتوجد في بيته حجرة للاستقبال مؤثثة وفقاً للطراز الإنكليزي، تحوي أرائك وثيرة ومقاعد مريحة· وطاولات والبومات صور··· ويوجد هنا أيضا جهاز حديث للحاكي· وقد دهشنا من ضخامة حجمه، وانتابتنا غبطة عارمة عندما انسابت منه بعض الالحان العربية الرنانة··· انتقلنا الى الحجرة المجاورة لتناول طعام الافطار· فقد كانت وجبة غداء على الطريقة الأوروبية، استعملت فيها الشوك والسكاكين· وكانت المائدة كاملة تتألف من طاولة ومقاعد ومناديل وصحون وأطباق وكؤوس وسكاكين وشوك وملاعق” (11)·
ومما يدل على الطبيعة المتحضرة للسكان عنايتهم بتنمية معارفهم، فخلال القرن التاسع عشر اتجه عدد من المواطنين الكويتيين إلى مصر للدراسة، يقول د· يوسف جعفر سعادة “وقد خرج أول طالب كويتي لدراسة العلم والدين بمصر، وهو الشيخ عيسى بن علوي الذي سكن مصر ومات بها سنة 1863· ثم الشيخ أحمد الفارسي 1864 الذي درس بالأزهر(12)· والشيخ مساعد العازمي الذي درس في الأزهر أيضا، فضلا عن اتقانه التطعيم ضد الأوبئة، ويشير الاستاذ يحيى الربيعان الى أن طلائع الدارسين الرواد في مصر وازهرها الشريف كانوا منذ العام 1270هـ 1853 وهم من سبق ذكرهم إضافة إلى ماجد بن سلطان (13)· واهتم الكويتيون بدعم المؤسسات التعليمية· والثقافية داخل البلاد وخارجها، واحتضان العلماء والأدباء ومن شواهد ذلك قيام الكويتيين بالتبرع لانشاء المؤسسات التعليمية والثقافية منذ العام 1911، وقيام التاجر قاسم الابراهيم بالتبرع لانشاء كلية اسلامية على النظم الحديثة بالاضافة إلى سكن للطلبة في مصر· وكان ذلك في العام 1911 (14)· واهتمام بعض الأسر بالاشتراك في الصحف المهمة التي كانت تصدر في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين· واستضافة العلماء والأدباء مثل السيد رشيد رضا والشيخ محمد الشنقيطي والشيخ عبدالعزيز العلجي والشيخ حافظ وهبه، والزعيم التونسي عبدالعزيز الثعالبي· وقد فتح التجار الكويتيون المقيمون في الهند بيوتهم لاستقبال العلماء والأدباء، ومن ذلك استضافة آل إبراهيم شاعر الهند الأكبر “طاغور” في بيتهم في الهند لكي يلتقي به ضيفهم وديع البستاني وكان ذلك بين عامي 1912-1914 (15)· وقيام التاجر الكويتي خالد عبداللطيف الحمد بتأسيس نادٍ ادبي في عدن في العام 1925 باسم “نادي الأدب العربي”(16)·
وبعد، فقد نتج عن تنوع المهاجرين إلى الكويت من جهة، واتصال الكويتيين بتجارب الآخرين خلال ارتحالهم للتجارة ولطلب العلم من جهة ثانية تنوع ثقافي تفاعلت عناصره، وتلاقحت فأنتجت نموذجاً ثريا·
وحين نتخذ من الفنون الموسيقية والغنائية مثالاً فسوف يتبين لنا مقدار الثراء الذي امتازت به تلك الفنون، وبخاصة البحرية منها، حيث امتزجت المؤثرات الهندية والافريقية والفارسية وغيرها بالأصول العربية فتولدت عنها تنويعات وإبداعات جديدة وهناك من يرى وجود تشابه بين بعض أنماط الموسيقى والغناء البحري الخليجي والانواع الموجودة لدى شعوب أخرى، فضلا عن تشابهها مع الغناء الكنسي· يقول الباحث الدانماركي “بول روسينغ أولسن” في كلامه عن الونة والنهمة في الخليج “يمكن اعتبار الونة كميزة خاصة بالنهمة وهذه الظاهرة ــ الونة ــ ليست بمجهولة التي نستطيع ان نقاربها بأنواع موسيقى الصيادين في الخليج مثل الأنواع الموجودة في الآسور في صقلية في سردينيا، وفي جبال الألب اللوكر القدامي، ما عدا ما يقلده المكيدونيون بأصواتهم من عزف القربة··· الونّة موجودة في الشرق الأوسط، وما يبرهن ذلك احدى تقنيات الصوت المعروفة هناك الايسون Ison البيزنطي المحتفظ في الكنيسة الأرثوذكسية تشابهها مع النهمة”·
ولمحقق الدراسة الاستاذ محمد جمال تعليق يقول فيه “استمع المحقق الى تراتيل كنيسة نسطورية مسجلة عام 1930، ووجد تشابها كثيراً بين ذلك الغناء الكنسي وبعض أنماط الغناء البحري· فكانت التراتيل تشبه الحوار بين الشماس والمصلين، وهي قريبة الشبه بين أداء النهام في الفصل الأول من غناء فجري العدساني “الجرحان” (17)·
وإذا ما أضفنا إلى الفنون الموسيقية والغنائية البحرية فنون البادية العديدة، وفنون البيئة القروية، وفن الصوت، الذي اشتهرت به الكويت والبحرين فسوف تكون الحصيلة المزيد من التنوع والثراء وقد أشار الباحثون إلى جهود الشاعر والفنان الكويتي الكبير عبدالله الفرج في إحياء فن الصوت العربي القديم وتطويره، وان شهرة الصوت الكويتي، وبقية الفنون الموسيقية الكويتية تعدّت منطقة الخليج·
يقول الباحث اليماني الدكتور نزار غانم “كان تأثير الغناء الكويتي خاصة والخليجي عامة على اليمن يتعدى فن الصوت إلى بعض الرقصات الشعبية في الساحل اليمني· وينقل عن الفنان سعيد عمر فرحان قوله “بان رقصة الكــــاسر المكلاّوية تحـــوير لغناء النهمة الكويتية، كما يذكر ان رقصة “الــــزربادي” مـــن وادي حضرموت ترقص فـــي ســـاحـــل حضـــرموت تحـــت مسمى “زربـــادي كويتي”، وذلك انها تتميز عن الوان الزربادي الآخر بحضـــور كــــثيف للصفقـــة بالأكــف والايقاع الزخرفي فيها” (18)·
وقد اكتسبت الفنون الموسيقية والغنائية الكويتية شهرة كبيرة في جنوب الجزيرة العربية، حتى “إن فرقة موسيقية كويتية متكاملة قد تكونت في العقود الأولى من القرن العشرين في ضاحية الشيخ عثمان بعدن· وكانت تقوم بإحياء الحفلات والمناسبات العديدة” (19)·
وان بعض حفلات العرس ــ المخادر ــ في حضرموت في أيام محمد جمعه خان كانت تختتم بأصوات كويتية، أو ذات إيقاع كويتي” (20)·
طبيعة الموقع
كانت الطبيعة القاسية لموقع الكويت من جهة شح الموارد وندرة المياه سبباً في شحذ الهمم لمواجهة التحدي، والاصرار على خلق الظروف الملائمة للحياة الكريمة من خلال الابداع في أساليب العمل، وبخاصة في البحر، الذي كان المورد الاساس للرزق، وهذا ما يفسر تفوق الكويتيين في صناعة سفن السفر الكبيرة العابرة للمحيطات، ونبوغ عدد كبير من الربابنة في علوم الملاحة والفلك، وبراعتهم في السفر إلى بقاع بعيدة للتجارة ونقل البضائع، واتقان مهنة الغوص على اللؤلؤ، ومعرفة أماكن وجوده وانواعه، وأوزانه، والاسواق الملائمة لتسويقه، فضلا عن ازدهار الفنون المتصلة بالعمل في البحر بخاصة·
واقتضى موقع الكويت المميز في الطرف الشمالي للخليج العربي ان تكون محطة لنقل البضائع القادمة من الهند وشرق آسيا بحراً في طريقها البري نحو أوروبا· اضافة إلى كونها محطة لنقل البضائع القادمة من وسط الجزيرة العربية كالخيول في طريقها البحري إلى الهند عن طريق السفن الكويتية·
وقد أدت الموانئ الكويتية هذا الدور منذ أزمنة بعيدة تعود إلى حضارة دلمون وصولا إلى الزمن الذي قامت فيه إمارة الكويت · وتشير المصادر إلى ان البارون كنبهاوزن رئيس الوكالة التجارية الهولندية في جزيرة خارج أشار على بعض المسافرين الانجليز الباحثين عن أسرع الطرق المؤدية لحلب بالاتجاه إلى الكويت لتأمين سير قافلتهم، وذكر ان شيخ الكويت صديق عزيز عليه· وكان ذلك في العام 1758·
وقد اختلف أمير الكويت الشيخ صباح الأول مع البارون كنبهاوزن حول تكاليف حماية القافلة بين الكويت وحلب· ويشير رد الشيخ صباح على البارون كنبها وزن إلى قدم العلاقة بين الطرفين، ويتبين ذلك من قوله “قل بالله عليك أي علاقة تربطك بهؤلاء المسافرين لقد ساد الود علاقتنا منذ زمن طويل· ولم اكن اتوقع أن تحابي غرباء على حسابي” (21)·
وذكر د· آيفز ان القافلة التي كان يزمع السفر معها إلى حلب في صحبة رفاقه كانت تتألف من خمسة آلاف جمل يرافقها الف مسافر ما بين جمّال وغير جمّال” (22)· وهذا الحجم الكبير للقافلة يكشف عن القدرة والامكانات التي كانت الكويت تمتلكها في العام 1758 لحماية القوافل الكبيرة في طريقها بين الكويت وحلب·
وقد جابت سفن الاسطول التجاري الكويتي موانئ المحيط الهندي من شرق آسيا إلى شرق افريقيا· فضلا عن موانئ الخليج والجزيرة العربية· كما توجه التجار الكويتيون إلى روسيا منذ القرن التاسع عشر لبيع الصوف والجلود· ومنذ العقود الأولى للقرن العشرين اتجهوا إلى فرنسا وايطاليا للتعرف على اسواق اللؤلؤ وتسويقه، ومنهم من ذهب إلى الولايات المتحدة الامريكية في ثلاثنيات القرن العشرين لتسويق التمر الذي تنتجه بساتينه في الفاو·(23)· وقد تأخذهم تجارتهم إلى طوكيو في بعض الأحيان (24)·
أما الهند فعلاقتهم التجارية بها قديمة، وتعود إلى بداية نشأة الكويت· كذلك فقد ذهب بعض الكويتيين إلى سيلان “سيريلانكا” لممارسة مهنة الغوص على اللؤلؤ هناك، بعد انتهاء موسم الغوص في الخليج العربي·
ونظراً لاتساع حجم النشاط التجاري الكويتي في الهند وشرق آسيا فقد استقر عدد من التجار الكويتيين في الهند بخاصة، ثم في سنغافورة واندونيسيا· وكانت لهم نشاطات دينية واجتماعية وثقافية، لعل من شواهدها انشاء المدارس العربية، وقيام الشيخ عبدالعزيز الرشيد باصدار مجلتين في اندونيسيا، الأولى الكويت والعراقي 1932، التي اصدرها بالتعاون مع السائح العراقي يونس بحري· والثانية التوحيد 1933 التي أصدرها منفرداً· وانشاء الشاعر خالد الفرج مطبعة في بومبي، فضلا عن طبع بعض المؤلفات الكويتية في المطابع الهندية، ومنها كتاب “معرفة حساب اوزان اللؤلؤ” من تأليف عبداللطيف بن عبدالرزاق بن عبداللطيف آل عبدالرزاق، حيث طبع في بومبي في العام 1911، وكتاب “رسالة تسهيل التجويد للقرآن المجيد” من تأليف السيد عمر عاصم· وكان طبعه في بومبي في العام 1915 على نفقة التاجر الكويتي جاسم محمد بودي، وكذلك ديوان الشاعر عبدالله الفرج، الذي طبع في الهند في العام 1919·
ومن الطبيعي أن يتأثر أبناء هؤلاء التجار الكويتيين المغتربين بثقافات البلدان التي أقاموا فيها· ولنا في الشاعر والفنان الكبير عبدالله الفرج خير مثال·
وبعد، فقد كانت رحلات السفر، ونقل البضائع ما بين الخليج العربي وشرق آسيا وشرق أفريقيا، والاتجار مع بعض البلدان الأوروبية، واستقرار عدد من الكويتيين في الهند وبلدان شرق آسيا من أسباب انفتاح الكويتيين على العالم، واتصالهم بالكثير من الشعوب ذات المصادر الثقافية المتنوعة، ومن ثم التأثر بها·
الحواشي والهوامش
1- انظر: محمد بن عثمان بن صالح بن عثمان - روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين 1/7 ط2 وعبدالعزيز الرشيد - تاريخ الكويت ص92ط2·
و د· فتوح الخترش: التاريخ السياسي للكويت في عهد مبارك ص11 ط2 ويلاحظ اتفاق ثلاث روايات على تحديد سنة تأسيس الكويت، وهي لكل من: صاحب روضة الناظرين والشيخ مبارك الصباح· ولويس بيلي المعتمد السياسي البريطاني في الخليج·
2- المخطوطة هي: موطأ الإمام مالك· وقد نسخها في جزيرة فيلكا الكويتية مسيعيد بن أحمد بن مساعد بن عبدالله بن سالم·
3- العتوب: اسم مشتق من الفعل عتب، أي اكثر من الترحال من مكان إلى آخر· ذكر المعتمد البريطاني في الكويت “ديكسون” ان أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم أخبره ان اجداده سمّوا بذلك الاسم بعد ارتحالهم من الجنوب شمالاً الى الكويت، أي انهم عتبوا إلى الشمال· انظر ديكسون الكويت وجاراتها 1/9 ود· أحمد ابو حاكمه: تاريخ الكويت الحديث 057105691 ص12-22· والعتوب: ليس اسما لقبيلة - كما توهم بعض الباحثين - ذلك ان الصباح والخليفة والجلاهمة، وكثير من الأسر التي هاجرت معهم باتجاه الكويت تنتمي إلى قبيلة عنزة المعروفة·
4- انظر: تاريخ الكويت الحديث 0571-5691 ص22-32
5- عبدالله بن خميس: معجم اليمامة 2/353- 453
6- غيورغي بونداريفسكي: الكويت وعلاقاتها الدولية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ص42
7- سمير عطا الله: قافلة الحبر ص171
8- المصدر السابق: ص271
9- لوشر: الكويت عام 8681 ترجمة عبدالله ناصر الصانع ص13
01- المصدر السابق: ص51
11- خالد البسام مرفأ الذكريات - ص27-37 والمضيف المقصود هو: عبداللطيف العبدالجليل الملقب بـ “المدير” وهو مدير جمارك الكويت آنذاك·
21- د· يوسف جعفر سعادة: الكويت قرنان ونصف من الاستقلال ص432
31- أنظر يحيى الربيعان: صحيفة الطليعة 5/3/7991 و22/4/9991
41- المصدر السابق: عدد 5/3/7791
51- المصدر السابق: ويذكر الأستاذ يحيى الربيعان - في حديثه عن أسرة الابراهيم - ان بديع البستاني قضى في ضيافتهم في الهند - عامين 2191- 4191· فأطلق عليهم لقب ملوك اللؤلؤ العربي· كما قام بتدريس أبناء الأسرة · وترجم هنا الملاحم الهندية المشهورة ومنها “المهابهارانة والرامياته والنشيدالالهي” وأشعار شاعر الهند “طاغور” الذي كانت أمنية البستاني ان يقابله، وبالفعل تمت دعوة الشاعر الكبير، حيث قدم من البنغال،واستضافه الشيخ عبدالرحمن بن عبدالعزيز آل ابراهيم”·
61- د· نزار غانم: من نص محاضرته في رابطة الادباء - الكويت - فن الصوت في اليمن - بتاريخ 2/5/1002
71- مجلة: البحرين الثقافية - العدد 92 السنة 8 يوليو 1002
81- البحرين الثقافية - العدد 72 السنة 8 يناير 1002
91- د· نزار غانم: من نص محاضرة له بعنوان “الصوت في اليمن” - رابطة الأدباء في الكويت 2/5/1002·
02 - المصدر السابق·
12- د· أحمد مصطفى أبو حاكمه: تاريخ الكويت ج1 ق1 ص211
22- المصدر السابق ج1 ق1 ص311
32- يوسف بن محمد النصف: نخلتك ص84 ط5
42- بول روسينغ - البحرين الثقافية يوليو 1002