· انتخابات الكونغرس وفلوريدا جعلت بوش رهينة للوبي اليهودي
· بوش لم يبذل أي جهد لوقف الاستيطان أو إقناع شارون بالتفاوض
· صحافي إسرائيلي: إننا نقيم أكبر نظام للفصل العنصري في العالم
· بورغ: تشيني صب الوقود على النار وكان الأولى به أن يصمت
بقلم: إيان غيلمور
الأحداث المرعبة الجارية في الشرق الأوسط هي نتيجة متوقعة لتقاعس وتحيز إدارة بوش· المجزرة التي وقعت في نتانيا مؤخرا جريمة لا تغتفر· وفي الواقع، فإن كل العمليات الانتحارية داخل إسرائيل هي جرائم إرهابية لا توصف، وتلحق الهزيمة بمرتكبيها· ولكن في الوقت الذي لا يمكن تبرير مثل هذه الجرائم، إلا أنه يمكن أن نجد تفسيرا لها· فكما قال الصحافي الإسرائيلي البارز ناعوم بارنيا، فإن “إرهاب العمليات الانتحارية يولد من رحم اليأس، ولا يوجد حل عسكري لليأس”·
وقد عزز هذا الشعور باليأس بعمليات القتل التي مارسها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين على مدى الثمانية عشر شهرا الماضية والتي أسفرت عن قتل أكثر من ألف وأربعمئة شخص، واستمرار إسرائيل في بناء المستوطنات غير الشرعية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي وعمليات الإذلال اليومية والمعاناة الاقتصادية في الأراضي المحتلة· فحين تجعل الحياة ليست جديرة بالعيش للآلاف من الفلسطينيين - كما فعلت إسرائيل - فتوقع المزيد من العمليات الانتحارية·
وتعرف إدارة بوش منذ زمن طويل أنها إذا ظلت تتخذ موقفا سلبيا في الوقت الذي يتجه الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني الى الأسوأ، فإن الانفجار آت عاجلا أو آجلا· كما عرفت أيضا أن ارييل شارون لم يرغب يوما بتحقيق السلام مع الفلسطينيين ولن يفعل أبدا، فهو لا يريد سوى استسلامهم وطردهم من بلادهم· فكما قال رئيس الكنيست الإسرائيلي إبراهام بورغ قبل أسابيع قليلة، أن لدى إسرائيل الآن حكومة عنيفة تسعى لتدمير السلطة الفلسطينية من أجل تفادي التخلي عن المستوطنات· ولأن الأمريكيين يعتقدون أن الإسرائيليين سوف يحسمون الصراع لصالحهم في نهاية المطاف، أعطوا شارون الضوء الأخضر كي يمارس أقصى درجات الوحشية شريطة عدم قتل ياسر عرفات· وبالرغم من سجل شارون، أقام بوش علاقات ودية معه، في الوقت الذي رفض فيه مقابلة ياسر عرفات·
وإذا كان بوش وتشيني يعتقدان أن تعامل شارون مع عرفات بهذا الشكل سيدفعه الى الاستسلام، فإنهم يخطئون في فهمهم لهذا الرجل بشكل كبير، كما رأيت بنفسي في رام الله قبل أيام قليلة· لقد عرف عرفات منذ وقت طويل كيف يواجه الأيام الصعبة· فحين قابلته بعد أشهر من محاصرته في مقره بمدينة رام الله، حيث تحيط به الدبابات الإسرائيلية على بعد أمتار قليلة منه، وبعد أن تعرض لعمليات القصف وإطلاق النار، فإن ذلك لم يرهبه، بل إنه كان في حالة معنوية عالية، بالرغم من شعوره بخيبة الأمل من العمليات الانتحارية·
شروط مذلة
ولم تكن لدى عرفات أدنى نية بالتضحية بالمصالح والكرامة الفلسطينية من أجل أن يأذن له شارون بحضور مؤتمر القمة العربي في بيروت أو مقابلة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني· وكما قال الناشط وعضو الكنيست السابق يوري افنيري عن نائب الرئيس الأمريكي “حين يفرض المسؤول الثاني في الإدارة الأمريكية شروطا مذلة من أجل مقابلة عرفات، فإنه يصب الوقود على النار·· إن أفضل نصيحة تقدم لمن لا يتعاطف مع معاناة شعب يخضع للاحتلال هي أن يلوذ بالصمت”·
لقد بدا الزعيم الفلسطيني الذي ارتكب بعض الأخطاء الخطيرة، مرتاحا ومليئا بالتحدي· وحرص على عرض عدد كبير من الوثائق علينا عن معاناة شعبه ولا سيما اللاجئين منهم والذين يرفض الإسرائيليون حل مشكلتهم بشكل عادل بحجة أن ذلك سيؤدي الى تهديد هوية الدولة اليهودية·
وتساءل عرفات ما إذا كان اللاجئون سيقبلون العودة للخضوع الى الحكم الإسرائيلي؟ وأبدى قناعته بإمكانية حل مشكلة اللاجئين بصورة عادلة ودون تعريض هوية الدولة العبرية لأي تهديد· وربما يقدم شارون على قتل عرفات ولكنه لن يخيفه·
وكما كتب مايكل بن مائير الذي شغل منصب النائب العام في إسرائيل خلال الفترة من 93-1996 يقول في صحيفة “هآرتس” قبل أسابيع، إن “الانتفاضة هي حرب الشعب الفلسطيني للتحرر الوطني، وإننا - بتعاملنا بهذا الشكل معها - نختار أن نكون مجتمعا استعماريا، متجاهلين الاتفاقات الدولية ونصادر الأراضي وننقل المستوطنين من داخل إسرائيل الى الأراضي المحتلة· إننا نشارك في سرقة الأراضي الفلسطينية ثم نجد المبررات لذلك· أننا نقيم نظاما للفصل العنصري “ابارتايد”·
حرب استعمارية
لقد رصدت حركة السلام الآن، الإسرائيلية بناء 34 مستوطنة جديدة منذ أن تولى شارون رئاسة الحكومة· وحين كنت أتجول بسيارتي في الضفة الغربية مؤخرا، ورأيت هذه المستوطنات الجديدة، فضلا عن نمو المستوطنات القائمة من قبل، شعرت أن أبسط ما يمكن أن يقال عنها أن العالم يقلل من مخاطرها على السلام والاستقرار في المنطقة·
ومع ذلك، ففي حين واصل بوش مطالبته لعرفات بوقف العنف الفلسطيني، وهو الأمر الذي أصبح متعذرا عليه، بعد أن قام شارون عن سابق إصرار، بتدمير البنية التحتية للفلسطينيين ومراكز الشرطة، فأنه لم يبذل أي جهد لإقناع شارون بوقف النشاطات الاستيطانية والدخول في مفاوضات السلام· فمنذ أن صرح وزير الخارجية الأمريكي كولين باول في شهر نوفمبر الماضي أن الاحتلال يجب أن ينتهي، يبدو أن أركان الإدارة المنحازين كليا لإسرائيل مارسوا نفوذهم باتجاه أن تغض إدارة بوش البصر عن الحقيقة الأساسية للكفاح الفلسطيني، وهي أن إسرائيل تخوض حربا استعمارية لإخضاع الفلسطينيين الذين يقاتلون من أجل إنهاء 35 عاما من الاحتلال لأرضهم·
وكما قال الصحافي الإسرائيلي مايكل ليند، فإن “مواقف بوش من الصراع يبدو أنها كتبت بواسطة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة”· ففي مقالة معبرة في مجلة “بروسبكت”، أشار الى أن اللوبي الإسرائيلي يشوه السياسة الخارجية للولايات المتحدة وجعل توجيه أدنى قدر من الانتقاد ضربا من المحرمات في الإعلام الأمريكي· وأضاف أنه “الى أن يوقف الأمريكيون هذا الإفساد للعملية الديمقراطية في بلادنا، يظل حلفاؤنا في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط ينظرون لسياستنا الشرق أوسطية بشيء من الذعر”·
وبالطبع، فإن هذا لا يشكل تطورا جديدا، لكن يبدو أن إدارة بوش الحالية أكثر تأييدا لإسرائيل من أية إدارة سابقة· فحتى الآن، بدا الرئيس بوش مصمما على ضمان فوز حزبه الجمهوري بالأغلبية في انتخابات الكونغرس في شهر نوفمبر المقبل، وكذلك تأمين فوز شقيقه في انتخابات حاكمية ولاية فلوريدا، أكثر من حرصه على ضمان النزاهة والعدل في الشرق الأوسط·
“أمركة”
لقد كان بوش بحاحة لكسب دعم بعض العرب أو على الأقل، صمتهم إزاء خطط مهاجمة العراق مما اضطره لإجراء بعض التعديلات على مواقفه من فلسطين، ولكنها تعديلات طفيفة وغير كافية·
وهناك حاحة لتعديلات أكبر على هذه السياسة الآن·
فقد وافقت قمة بيروت على مبادرة الأمير عبدالله بن عبدالعزيز التاريخية للسلام والتي تقوم على أساس الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة مقابل السلام الكامل مع إسرائيل·
لقد جاء رد شارون على المبادرة (والعنف الفلسطيني) على شكل هجوم كاسح على المؤسسات المدنية للسلطة الفلسطينية، بل إنه في الواقع أعلن الحرب· فالوضع خطير للغاية لدرجة أن فرض حل على أساس المبادرة السعودية· أصبح يمثل الأمل الوحيد· ومن بين الجهات التي تفرض الحل، يجب أن تكون الولايات المتحدة، لأنها الدولة الوحيدة التي يمكنها التأثير على إسرائيل وإقناعها بالموافقة· أما الطرف الثاني فهو أوروبا لضمان حصول الفلسطينيين - أخيرا - على اتفاق عادل·
لقد علقت إحدى الصحف اللبنانية على الموقف البريطاني التابع للولايات المتحدة، خلال انعقاد قمة بيروت قائلة إن “الحكومة البريطانية في نهجها القائم على “أمركة” مواقفها في السياسة الخارجية، تبدو أشبه بفرع لمحطة “صوت أمريكا”· وبالفعل، فإذا ما انضمت بريطانيا الى الحملة الأمريكية ضد العراق في الوقت الذي تلتزم فيه الصمت - مثل أمريكا - تجاه معاناة الفلسطينيين، فإن أضرارا كبيرة ستلحق بالمصالح البريطانية في المنطقة، وهي الأضرار التي يحتاج إصلاحها الى أجيال·
“ عن الأوبزرفر “