رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت8-14 صفر 1423هـ الموافق 20-26 ابريل 2002
العدد 1523

شعر

حالة حصار  (مقاطع)

محمود درويش

هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب وفوهة الوقت،

قرب بساتين مقطوعة الظل،

نفعل ما يفعل السجناء،

وما يفعل العاطلون عن العمل:

نربي الأمل·

بلاد على أهبة الفجر· صرنا أقل ذكاء،

لأنا نحملق في ساعة النصر:

لا ليل في ليلنا المتلألئ بالمدفعية·

أعداؤنا يسهرون وأعداؤنا يشعلون لنا النور

في حلكة الأقبية·

هنا، بعد أشعار أيوب لم ننتظر أحدا···

سيمتد هذا الحصار إلى أن نعلم أعداءنا

نماذج من شعرنا الجاهلي·

السماء رصاصية في الضحى

برتقالية في الليالي· وأما القلوب

فظلت حيادية مثل ورد السياج

هنا، لا أنا

هنا، يتذكر آدم صلصاله···

يقول على حافة الموت:

لم يبق بي موطئ للخسارة:

حر أنا قرب حريتي· وغدي في يدي·

سوف أدخل عما قليل حياتي،

وأولد حراً بلا أبوين،

وأختار لاسمي حروفاً من اللازورد···

في الحصار، تكون الحياة هي الوقت

بين تذكر أولها·

ونسيان آخرها·

* * *

يقيس الجنود المسافة بين الوجود وبين العدم

بمنظار دبابة···

نقيس المسافة ما بين أجسادنا والقذائف بالحاسة السادسة·

أيها الواقفون على العتبات ادخلوا،

واشربوا معنا القهوة العربية

فقد تشعرون بأنكم بشر مثلنا

أيها الواقفون على عتبات البيوت!

اخرجوا من صباحاتنا،

نطمئن إلى أننا

بشر مثلكم!

نجد الوقت للتسلية:

نلعب النرد، أو نتصفح أخبارنا

في جرائد أمس الجريح،

ونقرأ زاوية الحظ: في عام

ألفين واثنين تبتسم الكاميرا

لمواليد برج الحصار

* * *

عندما تختفي الطائرات تطير الحمامات،

بيضاء بيضاء، تغسل خد السماء

بأجنحة حرة تستعيد البهاء وملكية

الجو واللهو· أعلى وأعلى تطير

الحمامات، بيضاء بيضاء· ليت السماء

حقيقية قال لي رجل عابر بين قنبلتين

الوميض، البصيرة، والبرق

قيد التشابه···

عما قليل سأعرف إن كان هذا

هو الوحي···

أو يعرف الأصدقاء الحميمون أن القصيدة

مرت وأودت بشاعرها

* * *

إلى قاتل: لو تأملت وجه الضحية

وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفةأ

ألغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية

وغيرت رأيك: ما هكذا تستعاد الهوية

إلى قاتل آخر: لو تركت الجنين ثلاثين يوماً،

إذا لتغيرت الاحتمالات:

قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك الرضيع زمان الحصار،

فيكبر طفلاً معافى،

ويدرس في معهد واحد مع إحدى بناتك

تاريخ آسيا القديم

وقد يقعان معاً في شباك الغرام·

وقد ينجبان ابنة (وتكون يهودية بالولادة)·

ماذا فعلت إذا؟

صارت ابنتك الآن أرملة،

والحفيدة صارت يتيمة؟

فماذا فعلت بأسرتك الشاردة

وكيف أصبت ثلاث حمائم بالطلقة الواحدة؟

لم تكن هذه القافية

ضرورية، لا لضبط النغم

ولا لاقتصاد الألم

إنها زائدة

كذباب على المائدة

* * *

وحيدون، نحن وحيدون حتى الثمالة

لولا زيارات قوس قزح

لنا إخوة خلف هذا المدى·

إخوة طيبون يحبوننا· ينظرون إلينا ويبكون·

ثم يقولون في سرهم:

ليت هذا الحصار هنا علني·· ولا يكملون العبارة:

لا تتركونا وحيدين لا تتركونا·

خسائرنا: من شهيدين حتى ثمانية كل يوم·

وعشرة جرحى·

وعشرون بيتاً·

وخمسون زيتونة···

بالإضافة للخلل البنيوي الذي

سيصيب القصيدة والمسرحية واللوحة الناقصة

* * *

واقفون هنا· قاعدون هنا· دائمون هنا· خالدون هنا·

ولنا هدف واحد واحد واحد: أن نكون·

ومن بعده نحن مختلفون على كل شيء:

على صورة العلم الوطني (ستحسن صنعاً لو اخترت يا شعبي الحي رمز الحمار البسيط)·

ومختلفون على كلمات النشيد الجديد

(ستحسن صنعا لو اخترت أغنية عن زواج الحمام)·

ومختلفون على واجبات النساء

(ستحسن صنعا لو اخترت سيدة لرئاسة أجهزة الأمن)·

مختلفون على النسبة المئوية والعام والخاص،

مختلفون على كل شيء· لنا هدف واحد: أن نكون···

ومن بعده يجد الفرد متسعاً لاختيار الهدف·

قال لي في الطريق إلى سجنه:

عندما أتحرر أعرف أن مديح الوطن

كهجاء الوطن

مهنة مثل باقي المهن!

* * *

سيمتد هذا الحصار إلى أن يحس المحاصر، مثل المحاصر،

أن الضجر

صفة من صفات البشر·

لا أحبك لا أكرهك -

قال مُعتقل للمحقق: قلبي مليء

بما ليس يعنيك· قلبي يفيض برائحة المريمية·

قلبي بريء مضيء مليء،

ولا وقت في القلب للامتحان· بلى،

لا أحبك· من أنت حتى أحبك؟

هل أنت بعض أناي، وموعد شاي،

وبحة ناي، وأغنية كي أحبك؟

لكنني أكره الاعتقال ولا أكرهك

هكذا قال مُعتقل للمحقق: عاطفتي لا تخصك·

عاطفتي  هي ليلي الخصوصي···

ليلي الذي يتحرك بين الوسائد حراً من الوزن والقافية!

* * *

في الحصار، يصير الزمان مكانا

تحجر في أبده

في الحصار، يصير المكان زمانا

تخلف عن أمسه وغده

* * *

الشهيد يحاصرني كلما عشت يوما جديدا

ويسألني: أين أين كنت؟ أعد للقواميس كل الكلام الذي كنت أهديتنيه

وخفف عن النائمين طنين الصدى

الشهيد يعلمني: لا جمالي خارج حريتي·

الشهيد يوضح لي: لم أفتش وراء المدى

عن عذارى الخلود، فإني أحب الحياة

على الأرض، بين الصنوبر والتين،

لكنني ما استطعت إليها سبيلا، ففتشت

عنها بآخر ما أملك: الدم في جسد اللازورد·

الشهيد يحاصرني: لا تسر في الجنازة

إلا إذا كنت تعرفني· لا أريد مجاملة

من أحد·

الشهيد يحذرني: لا تصدق زغاريدهن·

وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكياً:

كيف بدلت أدوارنا يا بني، وسرت أمامي

أنا أولا، وأنا أولا!

الشهيد يحاصرني: لم أغير سوى موقعي وأثاثي الفقير·

وضعت غزالاً على مخدعي،

وهلالا على إصبعي،

كي أخفف من وجعي!

سيمتد هذا الحصار ليقنعنا باختيار عبودية لا تضر، ولكن بحرية كاملة!!

* * *

الحصار يحولني من مُغن إلى··· وتر سادس في الكمان!

الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد وأخت الشهيد

وأخت الشهيدة كنة أم الشهيد حفيدة جد شهيد

وجارة عم الشهيد الخ··· الخ··

ولا نبأ يزعج العالم المتمدن،

فالزمن البربري انتهى·

والضحية مجهولة الاسم، عادية،

والضحية - مثل الحقيقة - نسبية والخ·· الخ

طباعة  

مجلس الشورى المصري يجدد لرؤساء التحرير
 
أصدره المثقفون العمانيون لإخوانهم في فلسطين
إلغاء أمسية قصصية بسبب هذا البيان!

 
مجلات ثقافية
 
وتد
 
معرض العوضي غداً