كتب سعود العنزي:
منظر ليس غريباً على أهل الكويت الذين احتضنوا قضية العرب الأولى منذ البدايات الأولى لكيان هذا المجتمع الصغير بمساحته وتعداد سكانه والكبير بعطائه وحبه لعروبته· فخلال ثلاثة أيام كان مقر جمعية الهلال الأحمر الكويتي وخمسة مراكز فرعية في المحافظات الخمس الأخرى إضافة إلى مبنى وزارة الإعلام عبر الكويتيون متبرعين ومتطوعين في هذه المراكز عن معدنهم الأصيل وتساموا فوق جراح يصعب نسيان آثارها أو زوالها· ومع ذلك تنادى الناس لنصرة إخوتهم الذين يتعرضون لأبشع حملة إبادة مرت على البشرية على أيدي النازية الجديدة وزعيمها شارون وأعوانه·
الناس هبت للتبرع بما أمكنها من مال ومدخرات ومجوهرات، كل حسب قدرته لكن المشترك بينهم جميعاً إيمانهم بأهمية ما يقومون به وبضرورته· بل إن لسان حال الجميع يقول إن ما نقدمه، مهما كبر أو صغر، لا يساوي قطرة دم ينزفها جريح أو عويل أم أبلغت بشهادة أحد أبنائها أو بناتها وهو حتماً لا يساوي شيئاً أمام من قدم حياته ثمناً لحريته وانتصار شعبه· لهذا كان المتبرعون يقدمون لتبرعهم بالاعتذار عن أن ما يقدمونه لا يرقى لما بداخلهم من مشاعر حزن وغضب وكمد ورغبة في عمل شيء، أي شيء· حتى الأطفال كان واحدهم يخجل وهو يقدم حصالته الصغيرة التي وفر فيها من مصروفه اليومي ربما ليشتري بما يوفره لعبة كان ينتظرها منذ زمن أو يحقق بها طموحاً بحجم تطلعاته الجميلة، أتى أولئك الأطفال بحصالاتهم وما فيها "أبي أتبرع حق فلسطين وين أودي الحصالة؟" أحدهم أتى مع والده وبيده حصالة خشبية يبدو عليها القدم وكان قد فتح قاعدتها وطلب من المتطوعين كيساً لوضع النقود كي يستعيد الحصالة، وعند سؤاله عن السبب أجاب والده "هذي حصالة سواها لي أبوي اللي كان نجار مع عقاب الخطيب، وجمعت فيها بيزات حق فلسطين والحين بعطيها ولدي للغرض نفسه، نبيها عشان يستمر ولدي ويعطيها عياله يجمعون فيها لفعل الخير"· شاب في العقد الثاني من عمره أتى ومعه "دفتر السيارة ومفتاحها" تبرع فيها وعاد للمنزل مع أخيه الذي رافقه، "أبي أتبرع بسيارتي شلون ووين؟" نساء كبيرات في السن يرفضن حتى استخدام الكرسي المتحرك لإيصالهن لمكان التبرع، "خلني أمشي آخذ أجر أكثر يوليدي" وأخرى "نهرت" المتطوع الذي أراد مساعدتها قائلة "ليش تحاتيني آنا شوف المساكين اللي ما خلو عليهم شي لامن بيت ولامن عيال وأكل ما عندهم والطق من كل صوب"· مناظر وكلمات وتعابير على وجوه الناس لا يمكن للكلمات ولا لكاميرات التلفزيون نقلها أو وصف ما وراءها من مشاعر· ومن التبرعات الملفتة للنظر تبرع شاب كويتي "بنباطتين" وآخر بخنجر وشاب صغير السن قدم هاتفه النقال وساعة يده وسيدة كويتية كانت قد طرزت مجموعة من الكوفيات الفلسطينية بعلمي الكويت وفلسطين ونفدت الكمية خلال دقائق·
ولم تقتصر تلك المشاهد على الكويتيين فقط فقد عبر المقيمون على أرض الكويت عن صفاء معدنهم ليس العرب منهم فحسب بل تدافع الناس على الرغم من ظروف أغلبهم المالية الصعبة فإنهم قدموا ما اقتطعوه من القليل المتوافر لديهم· أحد المتبرعين قدم ما لديه وقدم أطفاله ما توافر لهم وقبل أن ينصرف مدت الخادمة يدها بأربعة دنانير وهي تعتذر بتعابيرها وإشارات يديها عن صغر التبرع! رغم أنه يشكل ما يقارب 15 في المئة من دخلها الشهري· ومجموعة من العمال الصينيين أتوا للتبرع بما لديهم وعيون أحدهم تجول فيها دمعة مجبرة على البقاء في محجرها·
صور جزئية محدودة في زخم التعبير الإنساني عن حالات التعاطف والرغبة في العطاء التي لا تحجمها إلا الظروف التي وضعت الناس في حيرة من أمرهم، فالكل يقارن بين هذا القليل الممكن وذاك الكثير الذي يبذل في كل زقاق وبيت من بيوت فلسطين الصمود·
الحملة كانت أكثر من رائعة ليس فقط لأنها بينت إمكانية التنسيق الرسمي والشعبي حول القضايا المصيرية، بل كذلك لتبيان أهمية العمل التطوعي الشعبي الذي عبر عنه المتطوعون نساءً ورجالاً ومن مختلف الأجيال وفي كل المجالات التي استدعتها الحملة· إضافة إلى الصدى الكبير الذي تركته لدى الصامدين في فلسطين وهم يرون الكويت بأبنائها وقاطنيها تهب للتضامن معهم·
ولكن الحملة ستكون أفضل وأكبر مما خلصت إليه لو أن جهداً إعلامياً سبقها للتحضير لها والإعلان عنها بشكل أفضل في الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى، من جهة أخرى أرادت بعض الجهات الكويتية التي لم ترغب في أن ترى أبعد من أنوفها المزكومة بحب الاختلاف أن تشكك بهذه الحملة الوطنية· فقد عبر عن هذا الجانب من اللعب المنفرد بعض الجمعيات التي لم يرق لها أن يتولى الهلال الأحمر الكويتي شأن تنظيم هذه الحملة والإشراف عليها لما في ذلك من خسارة واضحة للجانهم التي انفردت في مثل هذه الأعمال سنين طوال· هذه الجهات قاطعت الحملة من جهة "وأردفت" نفسها على حافتها من جهة أخرى· فقد قامت بحملة متزامنة مع الحملة الوطنية واستخدمت في "بوستراتها" ما يشير إلى كونها جزءاً من الحملة الوطنية إلا أنها وضعت أرقام حساباتها الخاصة بها وفتحت مقارها التي لم يعلن رسمياً أنها ضمن المقار المشتركة في الحملة الوطنية· وبهذا تكون قد أثبتت مرة أخرى أنها تشارك فقط عندما يكون نصيب الأسد تحت تصرف لجانها· ومن جهة أخرى أثارت بعض الفئات المعزولة مجموعة من الإشاعات، بعضها ذهب إلى أن هذه التبرعات ستذهب للسلطة الفلسطينية وأخرى أشارت إلى تحويل التبرعات إلى الجامعة العربية وما إلى ذلك من محاولات لتشتيت أذهان الناس وربما دفعهم لتجنب المشاركة في هذا العمل الإنساني الجليل· هذه الحملات رُدت إلى أصحابها بعد أن تأكد نجاح هذه الحملة الوطنية الرائعة وبعد أن أثبت الكويتيون أنهم جزء أصيل من هذه الأمة لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه·