|
· صيف 2000 أنجزت خطة المذبحة وتدمير البنية الأساسية وبانتظار الضوء الأمريكي الأخضر
· أثبت الفلسطينيون أنهم أصلب الشعوب العربية وأشدها مراساً وتمرداً وهزيمتهم تشكل ضربة سيكولوجية قاصمة ستدمر المنطقة
· ما يحدث الآن في فلسطين هو نسخة مكررة لما حدث عام 1982 الأهداف نفسها، والذرائع نفسها، والشركاء في الجريمة أنفسهم
نورمان ج فينكلشتاين
14 أبريل 2002
خلال حرب حزيران - يونيو عام 1967، احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، مكملة الفتح الصهيوني لفلسطين الانتداب البريطاني· ونتيجة للحرب، ناقشت الأمم المتحدة نماذج حلول لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي· كان هناك ما “يقترب من الإجماع” في الجمعية العامة التي انعقدت في الدورة الطارئة الخامسة بعد الحرب مباشرة، على “انسحاب القوات المسلحة من أراضي الدول العربية المجاورة التي احتلت خلال الحرب الأخيرة “لأن” الجميع اتفق على أنه يجب أن لا تكون هناك مكاسب في الأراضي نتيجة لفتح عسكري”·
جاء ذلك في تلخيص الأمين العام يوتانت لمناقشات الجمعية العامة وفي مداولات مجلس الأمن التي جاءت بعد ذلك، وفي قرار مجلس الأمن 242 جرى تدوين مطالبة إسرائيل بالانسحاب الكامل بما يتفق مع مبدأ “رفض قبول الاستحواذ على أراض بوساطة الحرب”، الى جانب حق كل دولة في المنطقة في أن تحترم سيادتها·
وتستخلص دراسة ما زالت سرية لوزارة الخارجية (الأمريكية) أن الولايات المتحدة أيدت فقرة “رفض القبول” في قرار 242 فاتحة المجال أمام تعديلات حدودية “ثانوية” و”متبادلة”· (نينا نورج وولتر سميث فقرة الانسحاب في قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967) وحذر وزير الدفاع الإسرائيلي موشي دايان فيما بعد الوزراء الآخرين بأن لا يقبلوا القرار 242 لأنه “يعني الانسحاب الى حدود 4 يونيو، ولأننا في نزاع مع مجلس الأمن حول هذا القرار”
ومنذ أواسط السبعينات طرح تعديل لقرار الأمم المتحدة 242 لحل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني إنشاء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة حال انسحاب إسرائيل الى حدود حزيران 1967· وما عدا الولايات المتحدة وإسرائيل “وأحيانا دولة عميلة للولايات المتحدة”، هناك إجماع دولي يدعم، وخلال ربع القرن المنصرم، معادلة الانسحاب الشامل والاعتراف الكامل أو ما يسمى تسوية “الدولتين”·
وصوتت الولايات المتحدة وحيدة مستخدمة حق الفيتو في مجلس الأمن لنقض قرارات في 1976، و1980 تدعو الى التسوية بإقامة دولتين وهو ما وافقت عليه منظمة التحرير الفلسطينية ودول المواجهة العربية· ولقد حظي قرار الجمعية العامة في ديسمبر 1989 بموقف مشابه حيث أقر بأغلبية 151 صوتا مقابل رفض 3 أصوات هي إسرائيل والولايات المتحدة والدومينيكان·
ومنذ البداية، عارضت إسرائيل الانسحاب الشامل من الأراضي المحتلة، عارضة على الفلسطينيين بدلا من ذلك “بونتوستانات” على طريقة جنوب إفريقيا· أما منظمة التحرير فلم يعد بالإمكان إهمالها على أساس أنها من معسكر الرفض حيث إنها تمسكت بقرارات الأمم المتحدة، فتصاعد الضغط على إسرائيل لقبول التسوية على أساس مبدأ قيام دولتين· ولهذا السبب غزت إسرائيل لبنان، مقر منظمة التحرير، لتقضي على ما أسماه محلل استراتيجي إسرائيلي “الهجوم السلمي” لمنظمة التحرير الفلسطنية· (يوري أفنيري - “حيرة الأمن”)!!
في ديسمبر من عام 1987 قام الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة بثورة مدنية سلمية الطبيعة ضد الاحتلال الإسرائيلي (الانتفاضة)· وسحقتها إسرائيل بالقمع الوحشي “القتل من دون محاكمات - الاعتقالات الجماعية، نسف المنازل، التعذيب العشوائي، الترحيل الى غير ذلك”·
لقد عانت منظمة التحرير، بالإضافة الى هزيمة الانتفاضة، من انحدار في مقدراتها بهزيمة وتحطيم العراق، وتفكك الاتحاد السوفييتي، وإيقاف تمويلها من دول الخليج· فاغتنمت الولايات المتحدة وإسرائيل هذه المناسبة لتجنيد قيادة منظمة التحرير التي كانت فاسدة والآن يائسة لتصبح واجهة للسطوة الإسرائيلية·
وهذا هو المعنى الحقيقي لعملية السلام (Peace Process) التي دشنت في أوسلو في سبتمبر 1993، من أجل خلق “بونتوستان” فلسطيني بالتلويح لمنظمة التحرير بإغراءات السلطة والامتيازات·
استمر الاحتلال بعد أوسلو، مثلما لاحظ معلق إسرائيلي مخضرم، “يدار بالتحكم عن بعد، برضى الشعب الفلسطيني، ممثلا بالممثل الوحيد، وهو منظمة التحرير الفلسطينية” ومرة أخرى ودون تسمية الأمور بأسمائها يتم التعاون على أساس ميزان القوى القائم والذي لا يعدو أن يكون احتلالا إسرائيليا دائما في زي تنكري، ويصبح الحكم الذاتي للفلسطينيين مجرد تعبير مهذب عن “البونتوستانية” (ميرون بنفنستي - الأعداء الحميمون)·
بعد سبع سنوات من المباحثات والتوقف وتتابع الاتفاقات التي استطاعت أن تسرق من الفلسطينيين الفتات الذي ألقي من طاولة السيد في أوسلو (تضاعف في هذه الأثناء عدد المستوطنين اليهود في الأراضي المحتلة)، جاءت لحظة الحقيقة في كامب ديفيد في تموز - يوليو عام 2000· ووجه الرئيس كلينتون ورئيس الوزراء باراك إنذارا رسميا للفلسطينيين إما القبول بـ “بونتوستان” أو تحمل المسؤولية الكاملة على انهيار “عملية السلام”، وكما حدث فلقد رفض عرفات·
وعلى عكس الأسطورة التي اختلقها كلينتون - باراك وعممتها وسائل إعلام متواطئة، كتب مستشار خاص لوزارة الخارجية البريطانية إن “باراك عرض مظاهر زينة (Trappings) لسلطة فلسطينية”· “بينما يتواصل إخضاع الفلسطينيين” (الجارديان 10 إبريل 2002)·
لنأخذ في هذا المجال موقف إسرائيل من مبادرة السعودية للسلام· فقد لاحظ معلق إسرائيلي يكتب في صحيفة هآرتس أن المبادرة السعودية “تشبه وبشكل مثير للدهشة مع ما يدعي باراك أنه اقترحه قبل عامين”· فلو كانت إسرائيل عازمة على الانسحاب الكامل في مقابل التطبيع مع العالم العربي، لقابلت المبادرة السعودية التي وافقت عليها جميع الدول في القمة العربية بابتهاج بالغ· لكن ما حدث في الواقع هو أنها قوبلت بصمت أصم· وعلى كل فإن أكذوبة كلينتون وباراك بأن الفلسطينيين قد رفضوا في كامب ديفيد عرضا إسرائيليا شديد الكرم كانت ضرورية كغطاء أخلاقي للفظائع التي ارتكبت فيما بعد·
كانت تلك هي الجزرة، ولقد فشلت سياسة الجزرة، فتناولت إسرائيل عصاها الغليظة· لكن كان هناك شرطان مسبقان يجب تحقيقهما قبل أن تستخدم إسرائيل كامل قوتها العسكرية العاتية: “ضوء أخضر من الولايات المتحدة، وذريعة كافية· ومنذ صيف عام 2000 ذكرت مجموعة مينز للإعلام الرصينة أن إسرائيل قد أتمت تخطيط عملية غزو ضخمة ودموية للأراضي المحتلة· لكن الولايات المتحدة رفضت بحزم الخطة وأوضحت أوروبا موقفها المعارض بشدة· ولكن، بعد 11 سبتمبر انضمت الولايات المتحدة الى المخطط· وفي الواقع، ينسجم هدف شارون في سحق الفلسطينيين مع هدف الإدارة الأمريكية في استغلال فظائع مركز التجارة الدولي لتصفية آخر ما تبقى من المقاومة العربية للهيمنة الأمريكية الكاملة· ورغم فساد القيادة فإن الفلسطينيين قد أثبتوا بإرادتهم شديدة الصلابة أنهم أشد القوى الشعبية في العالم العربي مراسا وتمردا· وتركيعهم سيوجه للمنطقة بأسرها ضربة سيكولوجية مدمرة·
وبوجود ضوء أخضر من الولايات المتحدة، لم يتبق لإسرائيل سوى إيجاد الذريعة· وكما هو متوقع صعدت إسرائيل من اغتيال القادة الفلسطينيين بعد كل فترة هدوء وتوقف للهجمات الإرهابية في المناطق المحتلة·
ولاحظ شلامين ألوني من حزب ميريتز Meretz “أن الفلسطينيين استمروا بضبط أنفسهم بعد تدمير المنازل في رفح والقدس”· “وعلى ما يبدو فإن شارون ووزير دفاعه، وخوفا على ما يبدو من اضطرارهم للعودة الى طاولة المفاوضات، قررا أن يفعلا شيئا واتخذ قرار تصفية رعد كرمي· كانوا يعرفون أنه سيكون هناك رد على ذلك وأننا سندفع الثمن بدماء مواطنينا”· (يدعوت أحرونوت 18 يناير 2002)· في الواقع كان شارون يسعى بشكل مستميت ليحدث ردة فعل دموية· وحالما اجتازت الهجمات الإرهابية الفلسطينية الدرجة المرغوبة، تمكن شارون من إعلان الحرب ومضى ليبيد السكان الفلسطينيين المدنيين المجردين تقريبا من السلاح·
وحده الذي يصر على عماه تفوته ملاحظة أن الغزو الإسرائيلي الحالي للضفة الغربية هو إعادة عرض مطابق لغزو حزيران - يونيو عام 1982 للبنان· فمن أجل سحق الهدف الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة الى جانب إسرائيل - “الهجوم السلمي” لمنظمة التحرير - وضعت إسرائيل خططا في عام 1982 لغزو لبنان· ولكن حتى تباشر الهجوم، كانت بحاجة الى ضوء أخضر من إدارة ريغان وذريعة· ولكن لخيبة أملها، رغم الاستفزازات المتكررة، لم تستطع إسرائيل استدراج هجوم فلسطيني على حدودها الشمالية· ولذلك قامت بتصعيد هجماتها الجوية على جنوب لبنان، وبعد هجوم إجرامي قتل خلاله مئتان من المدنيين (من ضمنهم 60 نزيلا في مستشفى فلسطيني للأطفال)، انتقمت منظمة التحرير بقتل إسرائيلي واحد· وبوجود الذريعة في اليد وإشعال الضوء الأخضر من قبل إدارة ريغان، بدأت عملية الغزو· ومضت إسرائيل مستخدمة الشعار نفسه “اجتثاث الإرهاب الفلسطيني”، ترتكب المجازر ضد السكان العزل، قاتلة نحو 20.000 فلسطيني ولبناني كلهم تقريبا من المدنيين·
إن المشكلة في إدارة بوش، كما يكرر علينا، أنها ليست منشغلة بما يكفي في الشرق الأوسط، وهو فراغ دبلوماسي يفترض أن تشغله مهمة كولن باول· ولكن من الذي أعطى الضوء الأخضر لإسرائيل لترتكب المجازر؟ من زود إسرائيل بطائرات الـ إف 16 وهيلوكوبترات الأباتشي؟ من الذي استخدم حق الفيتو في مجلس الأمن لنقض القرارات التي تطالب بمراقبين دوليين للإشراف على تخفيض العنف؟ ومن الذي عطل اقتراح أكبر رسميي الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان، ماري روبنسون، لمجرد إرسال فريق لتقصي الحقائق في المناطق الفلسطينية؟
لنفترض هذا السيناريو· ألف وباء شخصان متهمان يحاكمان في قضية قتل· الأدلة تبين أن ألف زود باء بسلاح الجريمة· وألف أعطى باء إشارة أن المكان خال من الشهود، وألف منع المتطفلين من نجدة استغاثات الضحية·
فهل سيكون الحكم أن ألف ليس منشغلا بما يكفي، أم أن ألف مذنب بكل جزئية من جزئيات الجريمة التي يرتكبها باء؟
حث ضابط إسرائيلي كبير الجيش كي يقمع المقاومة الفلسطينية، “بأن يحلل ويخزن في أعماقه دروسا من·· كيف حارب الجيش الألماني في الأحياء الشعبية (غيتو) في وارسو· (هآرتس 25 يناير 2002 - 1 فبراير 2002)· وبالحكم على المذبحة الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية - استهداف سيارات الإسعاف والفرق الطبية، استهداف الصحافيين، قتل الأطفال الفلسطينيين “كرياضة” كريس هيج - نيويورك تايمز) اعتقال، ربط الأيدي، وتعصيب العيون لكل الفلسطينيين الذكور ما بين 15 و50 عاما، وكتابة الأرقام على أرساغهم، والتعذيب العشوائي للمعتقلين، ومنع الماء والكهرباء والمساعدة الطبية عن المدنيين الفلسطينيين، والقصف الجوي العشوائي للأحياء الفلسطينية، واستخدام المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية، وجرف منازل الفلسطينيين وسكانها بها - فإن الجيش الإسرائيلي علـى مـــا يبدو ينفذ نصيحة الضـــابط حـــول وارسو· لكـن إيلي وايسل· الناطـق باســم صناعة المحرقة (الهوليكوست) يرفـض كــل الانتقـادات ويعـطـي كـل الـدعـم لإسرائيل ويؤكــد عـلى “عـظـم المعـاناة والآلام” التي يتحملها جيشها الهـائج· (رويترز - 11 إبريل )·
وفي هذه الأثناء يصف البرتغالي هوزيه سارماغوا حامل جائزة نوبل للآداب بأن الفظائع التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني تستدعي للذكرى فظائع النازية في معسكر اعتقال (اوسشويتز) بينما يقسم برلماني بلجيكي أن إسرائيل تصنع من الضفة الغربية معسكرات اعتقال· (اوبزيرفر 7 أبريل) وتستشيط إسرائيل غضبا بكل ألوان طيفها السياسي لهذه المقارنات· لكن إذا كان الإسرائيليون لا يريدون أن يقفوا متهمين كنازيين عليهم وببساطة أن يتوقفوا عن التصرف كنازيين·
سيرة ذاتية: نورمان فينكلشتاين
حصل نورمان على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة برينستون، لأطروحته حول نظرية الصهيونية· وهو مؤلف الكتب التالية: “صور وواقع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني” (1995 فيرن) صعود وسقوط فلسطين (جامعة ميناسوتا، 1996) بالاشتراك مع روت بتينابيرن”، أمة تحاكم: الأطروحات المذهبية والحقائق التاريخية” (هنري هولت 1998)، “صناعة المحرقة: تأملات حول استغلال المعاناة اليهودية” (فيرسو 2000)· وظهرت كتاباته في مجلات رصينة عدة·
ولد “نورمان فينكلشتاين” في بروكلين، نيويورك عام 1953· وهو ابن “ماريا لاهاستي فينكلشتاين”، الناجية من غيتو وارسو، ومعسكر اعتقال ميدانك، وزاكارياس فينكلشتاين، الناجي من غيتو وارسو ومعسكر اعتقال اوسشويتز· وقد أهدى كتابه الأول الى والديه حيث كتب “حتى لا أغفر أو أنسى ما فعل بهم”· |