رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت8-14 صفر 1423هـ الموافق 20-26 ابريل 2002
العدد 1523

وتد

(1) أكثر مما تحتمل القصيدة

نشمي مهنا

كيف للقصيدة أن تسد فوهة المدفع؟!

ولو خفضنا مطالبنا، وقلنا، رحمة بها: كيف لها أن تفضح بشاعة الجريمة؟·· أن تكشف قسوة القاتل، ومأساة الضحية؟ بمعنى آخر·· كيف للقصيدة أن تلتقط مشهد القتل الساخن، وترسم ملامحه الدموية·· وتبقى قصيدة؟!

في بدء الانتفاضة الحالية حينما التقط أحد المصورين (الحداثيين!) مشهد سقوط الطفل محمد الدرة صريعا في حضن خوف أبيه، أرعبتنا تلك “الصورة”، وبثت في قلوبنا الرعب والهلع، وحفرت في أعيننا وذاكرتنا الخوف والمأساة بلا حدود، لقطتئذ كأن “المصور” قد أعلن سقوط “القصيدة”، وكل أشكال التعبير الأخرى، وأعلى من مقام “الصورة”·

جاءت بعد ذلك القصائد خرساء، عيية، تهذي دون معنى، فقد أسقط في يديها، ولم تعد يداها قادرتين - كما كانت في عقود النصف الأول للقرن الماضي - على سحب الكراسي من تحت الحكومات·

لكن المأزق الآن (قد لا يكون مأزقا حقيقيا) لم يعد في مدى التأثير والتغيير أو التصوير لحدث ما، إنما أضيف إلى ذلك كله ضياع الشكل الفني الذي باستطاعته أن يحتوي حرارة الحدث ووضوحه· فالإشكال بدأ منذ أربعينيات القرن الماضي حينما وقع الرواد على منجم “التفعيلة”، فتسرب كثير من الشعراء من بين “عموديات” الشعر التقليدي إلى هذا المنجم الجديد، فتعذر على بعضهم إكمال مسيرة المنبرية، أو تحميل القصيدة الجديدة أثقال القضايا الكبرى، والأحداث السياسية· أما الآن بعد أن بنى رواد الحداثة بيتا زجاجيا (لشفافيته) جديدا، وعلقوا على بابه لافتة “قصيدة النثر”، أدخلوا كل نجوم الرؤيا الخافتة لاستجلاء سموات النفس وتفاصيلها، وأبقوا “الحدث السياسي” خارج هذا البيت، لفظاظته، وفضائح شموسه·

محمود درويش - وهو بكبد المأساة - ما زال يخشى من حرارة شمس الحدث الملتهبة أن تحرق أوراق قصيدته، وتنثر في وجوه قرائه رماد “البيت”!

لكن - شخصيا - أرى نفسي ميالا إلى الرأي القائل بعدم تحميل القصيدة (الشعر)  أكثر مما تحتمل، فقد آن لنا ولها، أن نصافحها ونودعها ونحن على مفترق الطرق، شاكرين خدماتها “المنبرية” و”التقريرية” لقضايانا السياسية، منذ أن علقت في بادئ الأمر على كعبتنا إلى أن تمللت منذ نصف قرن!

(2) نريد “الربط”·· لا نريده!

ثلث جهابذتنا يؤججون غوغائية الشارع العربي، ويتطببون بالانفعال والشتم والاحتراق النفسي، وبالدعوات لـ: فتح الحدود، قطع النفط، حرق الأعلام، تمزيق الصور والمجسمات، وغيرها· ثلثهم الآخر يساير هذه الفوضى كي لا يصطدم بالطوفان، ثلثهم الباقي شيطان أخرس··

لا أحد من هؤلاء الجهابذة يحاول صدم هذه الجموع أو بناء سدود لها، بالتحليل وكشف العلل وبرامج العمل والتثقيف··

حينما شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربها على الإرهاب على أرض أفغانستان بعد حرائق سبتمبر التي جاء بها الشيطان بن لادن، “ربط” بعضنا بين “بطولات”(!) هذا المعتوه الإرهابي، وما يجري من تدمير على أرض فلسطين ولأهلها، وقالوا إن هذا·· انتقام لذاك·

والآن بعدما لعبت الاستخبارات الأمريكية لعبتها الذكية وبتنفيذ من “جزيرتها” فعرضت في هذا الوقت اعترافات أحد رجال عصابة بن لادن انتفضنا، ورفضنا هذا العرض، وهذا التوقيت، الذي يسعى “للربط” بين القضيتين “الإرهاب، والانتفاضة”·

فبين رغبتنا في “الربط” سابقا، وبين رفضنا له حاليا، وقعنا -وفق ما يرى العالم - في شرك التناقض·

فكل ما تريده أمريكا هو التخفيف من ضغوط الرأي العام الأمريكي، والأوروبي والدولي عليها وعلى إسرائيل·· فيجيء مثل هذا “التصريح الإرهابي” ورقة منا وعلينا··

فمضمون الرسالة التلفزيرونية التي نفثها هذا “المدمّغ” الأصولي تقول: أن لا فرق بين الإرهاب العربي / الإسلامي الذي قام بالتفجير على الأراضي الأمريكية، وبين العرب هناك على أرض فلسطين··!

هذا ما أرادت أمريكا، ونفذته “الجزيرة”، وما جنيناه على أنفسنا!!

nashmi@taleea.com

طباعة  

شعر
 
مجلس الشورى المصري يجدد لرؤساء التحرير
 
أصدره المثقفون العمانيون لإخوانهم في فلسطين
إلغاء أمسية قصصية بسبب هذا البيان!

 
مجلات ثقافية
 
معرض العوضي غداً