لكن هل المقاطعة النفطية هي العامل الأفضل والأنجح في المرحلة الحالية , وما شروط وثمن استخدام النفط في المعركة؟
من الواضح تاريخيا أن اتخاذ قرار منفرد من قبل دولة واحدة في إيقاف الصادرات النفطية، ما عدا المملكة العربية السعودية ذات المنزلة الأولى والأهم في الصادرات العالمية، لن يكون له الانعكاسات الكبيرة على الأسواق العالمية· وهذا ما يحدث فعلا هذه الأيام· فرغم إيقاف الصادرات العراقية، والاضطرابات السياسية والصناعية في فنزويلا التي أربكت الصادرات النفطية من هذا البلد و رغم امتناع دول الأوبك عن زيادة إنتاجها لتعويض النقص في النفط العراقي، إلا أنه رغم كل هذه التطورات بقيت أسعار النفط في المستوى المعقول حتى الآن، أي بحدود 25 دولارا للبرميل الواحد· والسبب بسيط·
فأساسيات سوق النفط اليوم لا تزال ضعيفة الى حد ما، وهناك وفرة من النفط في الأسواق العالمية بالإضافة الى مخزون نفطي استراتيجي لدى الحكومات الغربية ومخزون تجاري لدى شركات النفط يكفي لأشهر عديدة· كما أنه من المعروف، ومن تجربة المقاطعة في عام 1973 فإنه من غير الصحيح القول إنه من الممكن إيقاف النفط عن أمريكا أو الدول الأخرى المؤيدة لإسرائيل· فهذه الدول قد احتاطت للأمر وصرفت المليارات من الدولارات خلال العقدين الماضيين في توفير المخزون الكافي لاستعماله في أثناء الأزمات· ومن ثم، فإن الدول التي ستتضرر هي الدول الصديقة في آسيا وإفريقيا التي لا يوجد لديها المخزون النفطي· كذلك، وفي نهاية المطاف، فإن النفط سلعة دولية تتحكم فيها الشركات العالمية، وكما حدث في عام 1973، قامت الشركات بتوفير النفط للدول الصناعية وذلك على حساب الدول الصغرى·
كما أنه يجب الإشارة هنا الى أن الشرق الأوسط لا يزال حتى اليوم يدفع الثمن الغالي لمقاطعة عام 1973 من تطوير حقول نفطية باهظة الثمن في دول أخرى مستعدة أن تفتح أبوابها أمام الشركات العالمية مدعية أنها توفر شروطا اقتصادية أحسن وإمدادات نفطية آمنة على عكس أقطار الشرق الأوسط، هذا ناهيك عن الأبحاث القائمة على قدم وساق لتطوير بدائل للنفط مثل خلايا الوقود التي من الممكن أن تحل محل البنزين والديزل في تشغيل السيارات· والأمر هذا ليس من باب الخيال، إذ إن هذه التقنية متوافرة فعلا والمطلوب فقط تقليص التكاليف والنفقات لكي تنافس السيارات الجديدة السيارات الحالية· والكلام هنا عن توفير هذه السيارات خلال عقدين ليس أكثر، هذا في الوقت الذي لا تزال فيه جميع الدول النفطية العربية، دون استثناء، تعتمد كليا على الريع النفطي دون توفير بدائل اقتصادية أخرى· ومما لا شك فيه أن السياسيين والصناعيين في الدول الغربية سيستغلون الدعوات الرسمية والشعبية العربية لإيقاف النفط وضعضعة الاقتصاد الغربي من أجل الإسراع في اكتشاف حقول جديدة وتطوير بدائل طاقوية مختلفة لتقليص الاعتماد المستقبلي على النفط العربي· إن قرارا سياسيا خطيرا من هذا النوع لكي يتوافر له النجاح يتطلب العمل الجماعي، وبالذات بعد مؤتمر بيروت حيث تم الاتفاق بالإجماع على مبادرة عربية حازت على تأييد الأصدقاء ووضعت الأعداء في موقع من الصعب عليهم رفضها دون تبيان مواقفهم التوسعية والعدائية· إن العمل الجماعي العربي هذه الأيام، رغم العجز المهين الذي نعيشه، مطلوب للجميع دون استثناء لأنه في الحقيقة وكما يتبين بكل وضوح، وبالذات بعد أحداث سبتمبر، فإن الأمن العربي في خطر محدق وسيادة الدول العربية مهددة جميعها دون استثناء بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا فائدة من المزايدات في هذه الأوقات الحرجة لأن الثمن في النهاية سيدفعه الشعب العربي دون غيره· لا يوجد أي شك أن الأغلبية المطلقة للشعب العربي مستعدة اليوم في تقديم أغلى التضحيات من أجل نصرة الشعب الفلسطيني المناضل· فالشعور الوطني الجياش واضح في كل عائلة وفي كل بيت، ولا أعتقد أنه حصل إجماع عربي شعبي في العقود الأخيرة كما هو حاصل الآن· كما أنه لا يوجد أي شك أن هناك تساؤلات، بل انتقادات حادة عن سبب العجز الذي نحن فيه والأسباب وراء التقصير في الدعم الفعال والعملي للشعب الفلسطيني· إن السؤال الواجب طرحه هو: ماذا بعد طرح المبادرة؟ لقد قبلت الدول العربية جمعاء بمبدأ الأرض والسيادة الفلسطينية مقابل السلام· لكن ماذا إذا رفضت إسرائيل هذه المبادرة أو سوّفت في القبول بها؟ وماذا عن الدول الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة· فهل سترضخ للرفض الإسرائيلي مرة أخرى وتتناسى المبادرة وتغض النظر عنها؟
إن الجواب السلبي يعني بكل وضوح أنه يتوجب على قادة العرب إذا يحترمون أنفسهم وإذا يحترمون رأي شعوبهم وإذا يريدون احترام العالم لهم من الآن فصاعدا، يتوجب عليهم الاجتماع مرة أخرى وإقرار خطة جماعية أخرى لمواجهة الموقف الجديد ألا وهو الدخول في معركة سياسية وعسكرية واقتصادية من أجل البقاء· إن السكوت بعد المجزرة التي حصلت للشعب الفلسطيني وبعد إخفاق المبادرة، في حال فشلها، يعني سقوط النظام العربي بأكمله، ولا فرق هنا بين نظام أو آخر·
إن المواجهة الجديدة تعني العمل الجماعي الجدي والتغاضي عن الخلافات الفئوية التي دمرت البلاد في العقود الماضية واحترام رأي وحقوق الشعب، ومن دون هذا النوع من الإرادة لا منفعة من فتح معركة جديدة، ولا جدوى من توظيف كل ما هو متوافر من أجل كسب معركة الحياة الشريفة، ولا فائدة من هدر الثروة النفطية في مواجهة خاسرة منذ بدايتها·
(ينشر بالتزامن مع جريدة الخليج الإماراتية)