· مستشارو بوش: الغضب العربي ليس له حساب فهو كحبة ملح سرعان ما يذوب
· بريجنسكي: الانحياز الأمريكي الفاضح لإسرائيل يهدد الأنظمة الصديقة
كتب محرر الشؤون السياسية:
بصدور “الطليعة” اليوم ربما تكون ملامح مجازر همجية رهيبة في جنين ونابلس وغيرهما قد بدأت تتضح ولو أن كل الدلائل تشير الى أن الخطر على المناطق المنكوبة سيظل ساريا لحين مغادرة السيد المهذب كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة حتى لا يطرأ على بال أحد أن يقترح عليه زيارة جنين لرؤية أعمال الإبادة التي ارتكبت ضد الإنسانية·· فيها، بمباركة مع الأسف الشديد وبمساهمة من الإدارة الأمريكية الحاكمة التي ينتمي إليها السيد باول· لكن السيد باول ربما كان ألقى نظرة على تقرير جريدة نيويورك تايمز الذي كشف لمحة مما جرى حين التقت مراسلتها جويل جرينبرغ ببعض المفرج عنهم من المهجرين الفلسطينيين من جنين ورأت هوياتهم الجديدة التي أصدرها لهم جيش الاحتلال وهي هويات تحمل صورهم وهم عراة عدا سروالا داخلياً حيث كتبت أسماؤهم بالعبرية· لقد ذكروا للمراسلة بعض التفاصيل المرعبة حيث كانوا جزءا من 400 فلسطيني رمتهم سلطات الاحتلال في قرية رمانة، لقد أمضوا أياماً وهم عراة هكذا، تحت الشمس وفي برد الليل القارس وبلا غذاء مربوطي الأيدي معصوبي الأعين مفصولين عن عائلاتهم التي لا يعلمون لها أرضا·
لقد قضوا قبل ذلك أياما مع عائلاتهم محشورين في منازلهم مقطوعين تماما عن العالم والقصف بالهيلوكبترات والدبابات والرشاشات الثقيلة لا يهدأ ومنازل جيرانهم تحترق والجثث تنثر في الشوارع· وحكى بعضهم كيف أن “البلدوزرات” دخلت عليهم في منازلهم تهدم الجدران والأسقف وسط ذعر الأطفال والناس والخطر المحدق·
لكن السيد كولن باول المهذب لم تصدر منه كلمة عزاء واحدة لأطفال فلسطين ونسائها، ولم تصدر منه كلمة إدانة واحدة لجرائم الإبادة ضد الإنسانية التي يرتكبها هذا الكيان الشيطاني السرطاني الذي زرعوه في قلب العرب·
لقد تمادت إدارة الرئيس بوش في التحالف مع اليمين الإسرائيلي المتطرف بقيادة السفاح شارون واحتقرت مشاعر العرب الى أن أشعلت المنطقة عداء لأمريكا وهددت استقرار أكثر من نظام عول على صداقتها·
لقد عبر عن هذا القلق الرئيس حسني مبارك كما يقول مراسل نيويورك تايمز باتريك تايلر في رسالة خاصة سلمت للرئيس بوش قائلا: “بينما يموت الفلسطينيون والإسرائيليون وتبث معاناتهم حول العالم العربي· يتركز الاشمئزاز بحدة عظمى على فشل أنظمة المنطقة والولايات المتحدة في عقد مفاوضات تقود الى السلام”· وكان رسميو إدارة بوش “قد نصحوا الرئيس أن الغضب والتذمر المتصاعد في الشارع العربي يجب أن لا يؤخذ إلا على أنه مثل حبة الملح” سرعان ما تذوب!! (تايلر)·
لقد أثار هذا السلوك العدواني ضد العرب حتى بعض الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين مثل زبيغنيو بريجنسكي - مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي - الذي يقول (هيرالدتربيون 8 أبريل) “إن الانتقام الإسرائيلي ردا على هجمات الانتحاريين لم يكن طيلة الوقت موجها ضد الانتحاريين بل كان مركزا ضد السلطة الفلسطينية لتدميرها وإفشال اتفاق أوسلو وتشجيع انتشار المستعمرات الاستيطانية في الضفة الغربية وغزة”· و”إن ذلك سيؤدي الى مزيد من التطرف من جانب الفلسطينيين ومزيدا منه ضمن اليمين الإسرائيلي في الليكود حيث يدفعون بطرد الفلسطينيين الى الخارج بينما يفجر الانحياز التام لإسرائيل غضب العرب ويهدد الأنظمة الصديقة للولايات المتحدة”· ويضيف: “لقد أصبح هناك رأي عالمي موحد تقريبا من أن سياسة الولايات المتحدة تدعم بثقلها طرفا واحدا وهي أخلاقيا تتسم بالنفاق، بتعبيرها الذي لا لبس فيه لتعاطفها مع الضحايا الإسرائيليين واللامبالاة شبه التامة للضحايا المدنيين الفلسطينيين الذين يفوقون عددهم كثيرا”·
في هذا الإطار تتم زيارة باول، حيث يأتي ومعه نص بيان مدريد الذي صدر في 10 أبريل من قبل أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهو بيان تجميعي بين مواقف الأطراف الأربعة أكد من جانب تركيز الأطراف الثلاثة (عدا أمريكا) على استحالة الحل العسكري وحتمية الحل السياسي معتمدا على “قرارات مجلس الأمن 242 و338 ومبدأ الأرض مقابل السلام الذي كان أساس مؤتمر مدريد” “ونؤكد مجددا تأييدنا للهدف الذي أعرب عنه الرئيس بوش وصدر في قرار مجلس الأمن رقم 1397 بشأن دولتين إسرائيل وفلسطين تعيشان جنبا الى جنب داخل حدود معترف بها” وكان تركيز اسم الرئيس بوش في هذا القرار هي محاولة إلى التذكير بأن الرئيس بوش أيضا يؤيد الشرعية الدولية·· التي نسيت تماما من قاموس هذه الإدارة الأمريكية وهي تتعاطى مع قضية فلسطين· وبينما يأتي باول وبيان مدريد يؤكد على “الطلب من إسرائيل وقف عملياتها العسكرية ووقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيلي فوري من المدن الفلسطينية”·
ويأتي باول الى فلسطين بعد أن رفض شارون طلب بوش أن يوقف العمليات وينسحب “من دون تأخير” ورفضه عندما “أكد بوش ما قاله” و”أنه يقصد ما يعني”· ويستمر شارون - وباول في فلسطين - يعربد ويدمر ويرتكب المجازر والإعدامات للأسرى من دون أي اعتبار مما حدا صحيفة نيويورك تايمز شديدة التأييد لإسرائيل بأن تقول، إن شارون “يهين الولايات المتحدة ويهين رئيسها”·
فهل هذا هو حقيقة الأمر؟!
يفضح تقرير سابق نشر في نيويورك تايمز (6 أبريل) للصحافي جيمز بنيت يقول “قال ميجر جنرال جيورا ايلاند رئيس تخطيط الجيش الإسرائيلي إن إسرائيل لديها تفاهم مع الولايات المتحدة بأن تسمح للعمليات العسكرية أن تستمر”· “فليس هناك من يتوقع منا أن نترك هذه المواقع كي نشجع الإرهابيين الذين يتسببون بكل هذا الدمار الرهيب”!!
إذاً فإسرائيل لن تترك المواقع ولو أنها انسحبت من داخل المدن· ومهمة كولن باول ستنصب في أخذ تنازلات عربية في إدانة “الإرهاب” “والقضاء على البنية الأساسية للإرهابيين بما في ذلك تمويل الإرهابيين ووقف التحريض على العنف”·
هكذا، لقد طغت لغة أحداث 11 سبتمبر وما تلاها على تفكير بوش البسيط وقليل المعرفة بشؤون العالم وتجاوز حتى مصالح الولايات المتحدة في المنطقة مثلما رسمها الاستراتيجيون الأمريكيون الذين جعلوا إسرائيل حليفا استراتيجيا لأمريكا· تجاوز ذلك الى درجة التفكير الأحادي· وأن الوطن العربي هو أفغانستان أخرى يستطيع أن يستفرد بأي من شعوبه لسحقه بآلة الدمار الأمريكية تحت دعوى القضاء على الإرهاب، وإن لم يتيسر له ذلك بنفسه فبمن ينوب عنه مثل إسرائيل·
لقد استطاع شارون أن يأخذ جورج دبليو بوش من يده ويأتي به ليركب لعينيه منظارا إسرائيليا ليكوديا متطرفا حتى وكأن العرب أصبحوا يستمعون الى شارون يتحدث من البيت الأبيض·
إن هذا الكلام ليس ضربا من الخيال أو تجنيا على رئيس دولة عظمى كما أنه ليس المقصود منه هجوما على الولايات المتحدة ورئيسها المحترم، ولكنه تقرير لواقع لا ينفيه الرئيس بوش ولكن اغتبط بتبيانه·
ولننظر الى ما نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية في عددها الأخير· تتحدث الصحيفة عن زيارة بوش عندما كان حاكما لولاية تكساس لإسرائيل عام 1998 وكيف تأثر من احتكاكه بالتاريخ القديم وحيث وقف على الجبل في المكان الذي وقف فيه المسيح يلقي مواعظه· وتقول “ولقد ضرب صحبة من أرييل شارون الذي كان وزير البنى التحتية الذي أخذ بوش في جولة في البلاد يشرح له “التاريخ” والهواجس الأمنية· وعندما وقف على حدود 1967 والتي كان عمق إسرائيل في موقع منها لا يزيد عن 8 أميال”· قال “في تكساس هناك مداخل المزارع أطول من هذه المسافة!!” واطمأن شارون الى أن بوش فهم القضية·· وحمل بوش في الوقت نفسه كرها لياسر عرفات·
ويجمع المحتكون بجورج بوش على بساطة تفكيره وبأنه لا يحمل أي إرث من المفاهيم الاستراتيجية للشرق الأوسط· وبقدر ما يضايق هذا مستشاريه فإن ريتشار بيرل، وهو أحد الصقور الموالية لإسرائيل ويرأس مجلس إدارة وضع السياسة الدفاعية في البنتاغون، “إن بوش لا يحمل أيا من الحقائق الدبلوماسية لاتفاقية أوسلو عام 1993، والمبنية على أن عرفات يريد في النهاية أن يتوصل الى سلام مع إسرائيل· “إنه لم يمر عبر التعليم المؤسسي المنهجي والذي يمنع الرؤية المباشرة للحقائق البسيطة ويحجب رؤية أن “عرفات” يريد تدمير دولة إسرائيل”·
“لكن ذلك يعني بالنسبة إلى معاونيه “تشيني والآخرين” أن “بوش قد أحكم رباطه بقائد آخر هو شارون، الذي هو أيضا لا يمتلك أي استراتيجية غير الاستخدام المستمر لتكتيكات العنف”·