الهدف الأكيد الذي سعى إليه أسامة بن لادن من هجمات الحادي عشر من سبتمبر على نيويورك وواشنطن هو خلق زلزال سياسي يؤدي إلى الإسقاط أنظمة عربية وإسلامية وتدمير “الكيان الصهيوني” ودفع الولايات المتحدة للانسحاب من الشرق الأوسط خوفا من تعرض قواتها للخطر كما فعلت إثر تفجير مقر قوات المارينز في لبنان عام 1983·
ولكن مثل هذا الزلزال لم يحدث· والإنجاز الوحيد الذي حققه بن لادن منذ 11 سبتمبر هو مقتل الصحافي الأمريكي ريتشار بيرل في باكستان· ويرمز الشريط الذي ظهر فيه بيرل وهو يجبر على القول “اسمي دانيال بيرل وأنا يهودي - أمريكي، والدي يهودي ووالدتي يهودية، وأنا يهودي”، الى مدى صعوبة فك الترابط بين الولايات المتحدة والدولة اليهودية في أذهان بن لادن وعناصر تنظيم القاعدة·
حتى وإن يقع الزلزال، إلا أن الأشهر الستة الماضية منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر شهدت تغيرات جوهرية في الخريطة السياسية للشرق الأوسط من السهل ملاحظتها·
أولا، قدمت الدول العربية والإسلامية مساعدات خفية للحملة الأمريكية ضد الإرهاب، واتخذت بعض الدول خطوات مهمة باتجاه قطع مصادر التمويل للمجموعات الإرهابية، لأن بعض الأنظمة أصبحت تشعر بالخطر على وجودها·
ومن هذه التغيرات أن يتقدم الأمير عبدالله ولي عهد المملكة العربية السعدوية بمبادرة تدعو - للمرة الأولى - الى التطبيع مع إسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي المحتلة· ولا شك أن هذه الخطوة جاءت بعد تعرض المملكة لضغوط كبيرة من جانب إدارة بوش التي أعلنت عدم قبولها بأي موقف وسط بشأن الحرب على الإرهاب·
ثانيا، إن الدائرة بدأت تعود الى صدام حسين الذي تعبر الإدارة الأمريكية عن تصميمها على إسقاطه من السلطة، سواء بالعمل العسكري المباشر أو بوسائل سرية أخرى يتم فيها اللجوء لمساعدة جهات محلية كما حدث في أفغانستان·
نكسات مهينة
ثالثا، شهد الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تصعيدا غير مسبوق، بل ربما وصل الى ذروته، وينظر البعض الى تخلي رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون عن شرطه المتمثل بالتهدئة لمدة أسبوع قبل الدخول في أي مفاوضات، بأنه تراجع مهين له· وجاء هذا التطور لأسباب عدة، أولها تعرض الجيش الإسرائيلي لنكسات مهينة على المستويين العسكري والأخلاقي خلال الأسابيع القليلة الماضية· فقد تمكن المقاتلون الفلسطينيون من تدمير دبابة الميركافا المتطورة جدا، وتمكن مقاتل فلسطيني واحد من قتل مجموعة من الجنود الإسرائيليين عند إحدى نقاط التفتيش في الضفة الغربية وانسحب من المكان بسلام· وتراجعت شعبية أرييل شارون كثيرا في أوساط الرأي العام الإسرائيلي· وبدأ حزب العمل الإسرائيلي، شريك شارون في الائتلاف الحاكم، يدرس إمكانية الانسحاب من الحكومة· وأخيرا، سحبت إدارة بوش تفويضها المفتوح لأرييل شارون في حملته ضد الفلسطينيين، وهي الحملة التي حاول تسويقها للأمريكيين بأنها جزء من الحرب العالمية على الإرهاب· فانتقادات كولين باول، الأسبوع الماضي، لشارون كانت إشارة إلى أن إسرائيل لا يمكنها الاعتماد بعد اليوم، على ضوء أخضر أمريكي لسياسة سحق الفلسطينيين من أجل إجبارهم على الاستسلام·
فالقوة الأمريكية هي عامل الدفع الرئيسي لكل هذه التغيرات الديناميكية· وهي (أي واشنطن) شديدة الانخراط في المنطقة ومن الواضح أنها تنوي رفع عصا كبيرة الآن بدلا من الكلام الناعم·
وبالطبع، فإن ثمة حدودا لقدرة الولايات المتحدة - حتى لو كانت القوة العظمى الوحيدة في العالم - على إعادة تنظيم الشرق الأوسط وفقا لمفاهيمها الخاصة، فالعراق يمثل مشكلة مؤرقة لواشنطن ليس على صعيد استخدام القوة العسكرية لتغيير النظام وحسب، بل أيضا في كيفية خلق مجتمع مدني وحكومة فاعلة بعد سقوط صدام· كما أن استعداد شارون للتفاوض مع الفلسطينيين لا يعني أنه غيّر مواقفه فجأة حيال الانسحاب من الأراضي المحتلة وتفكيك المستوطنات· وعلى العكس من التفكير الحالم للكثير من المتعاطفين مع الفلسطينيين، فإن إدارة بوش ليست قادرة وليست راغبة في ممارسة الضغط على إسرائيل كي تفعل ذلك· ففي إسرائيل، كما في العراق، هناك حدود عملية لاستخدام القوة، حتى لو كانت قوة أمريكية·
وبما أن زلزالا لم يحدث، فإن تحولا مهما على هذه الأصعدة لن يحدث في المنطقة· فقد سجلت اهتزازات على مقياس ريختر السياسي لمنطقة الشرق الأوسط ولكنها لم ترق لدرجة الزلزال·
بيرنارد واسرشتاين
(مؤلف كتاب “القدس المقسمة”)
“ اندبندنت “