رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9-15 محرم 1423هـ الموافق 23 -29 مارس 2002
العدد 1519

طريق الأفيون من أفغانستان عبر إيران إلى العالم المستهلك للمخدرات

·         إيران: الطريق الأنسب بين المنتج (أفغانستان) والمستهلك (أوروبا)

·         تجارة المخدرات في المرتبة الثانية بعد النفط عالميا

تقع ايران على طرق الأفيون بين حقول الخشخاش الافغانية وسوق الهيرويين الاوروبية، وتخوض عند خاصرتها الشرقية حربا حقيقية ضد المهرّبين· فالحدود شاسعة ونظام الرقابة قابل للاختراق خصوصا وأن الارباح الهائلة التي يدرّها الاتجار بالمخدرات يجعل من العبث احتواءها بينما يتسع تعاطي المخدرات في البلاد· اما الحل الوحيد فيقوم على تنمية بديلة في المناطق الريفية الافغانية·

تبدو زاهدان، الضائعة عند طرف الحدود الباكستانية الافغانية، مدينة شرقية مألوفة: سوق تجارية ناشطة، جادات واسعة تشهد زحمة سير وعند اطرافها احياء من الطين لا تنتهي ويتكدس فيها المحرومون· خلف هذه الواجهة تخفي عاصمة مقاطعة سيستان ـ بلوشستان الايرانية وضعها الخاص، اي كونها المرحلة الاخيرة في تجارة المخدرات العالمية· وفي الشوارع المزدانة بصور آية الله الخميني تلتقي شاحنات الجيش وسيارات الدفع الرباعي الخاصة بالمهربين فيتبادل ركّابها النظرات· وعند هبوط الليل يمكن وعلى طول الأرصفة رؤية رجال في سيارات جيب يبيعون الافيون والهيرويين من التجار المحليين· لكن الاعمال الرئيسية تحدث بعيدا عن الانظار، ما وراء زاهدان، في الوديان الجرداء الموحشة وفوق التلال المتآكلة·  ينطلق المهرّبون البلوش ليلا الى افغانستان وهم محمّلون غالونات البنزين التي يمكنهم بيعها بعشرة اضعاف سعرها· يرجعون الى ايران وهم يصطحبون سراً مسافرين افغاناً يكملون ربما طريقهم الى سانغات بعد ان يصبحوا مدينين لمن هرّبهم ويتعرضون للاستغلال في الورش الايرانية وتطاردهم السلطات بسبب دخولهم غير الشرعي· انه اتجار ثانوي بالبشر بالنسبة الى المهرّبين المهتمين اكثر بالاتجار بالمخدرات· ينتج الخشخاش الافغاني في المناطق البشتونية في هلمند الى الجنوب وننغاهار الى الشرق ويصار الى تكرير قسم منه وتحويله الى هيرويين في مختبرات بدائية عند حدود افغانستان وباكستان·

  تدخل المخدرات الى ايران من "طريق الجنوب" بعد عطفة في باكستان عبر دروب يعرفها المهربون منذ قرون· دفق لا ينتهي من المخدرات يجتاز الحدود الايرانية في مختلف وسائط النقل، في السيارات او الدراجات النارية او سيرا على الاقدام او في مواكب من عشرات سيارات الدفع الرباعي مجهزة بالهواتف العاملة عبر الاقمار الصناعية والنواضير الليلية والمدججة بالكلاشينكوفات وقاذفات الصواريخ وحتى صواريخ ستينغر الأمريكية· توجد حتى قوافل جمال مدربة على سلوك الطرق ولا تحتاج الى شخص يرافقها ويمكنها تحميل حتى سبعة اطنان من المخدرات· الجمال نفسها يبلّعها اصحابها الافيون احيانا خلال الاعياد التقليدية من اجل دفعها الى "الرقص"·

قوت ضروري أم إثراء

لا يعرف البلوش الحدود، فالحيز الثقافي لهذا الشعب السني يقع في كل من ايران وافغانستان وباكستان· ويشكل التهريب بين هذه البلدان الثلاثة نشاطا قديما ومربحا لبعض قطاعات هذا المجتمع القبلي الذي يحمل بعض اعضائه ثلاث جنسيات، وتمثل هذه التجارة الحل الاقتصادي الوحيد الممكن بالنسبة الى الكثيرين بسبب الجفاف القاسي الذي يصيب المنطقة منذ سنوات· ويعترف احد كبار المسؤولين الايرانيين عن مكافحة التهريب: "إنهم للأسف أناس عاديون"، عملا بلغة الخشب السائدة حول الموضوع·

  ذلك انه رغم ادانة زعماء البلوش التقليديين لتعاطي المخدرات التي تفتك بقطاعات اخرى من المجتمع الايراني، فانهم حريصون في المقابل على التهريب الذي يشكل مصدر ثراء للوجهاء المحليين· ويبلغ التضامن العشائري في بلوشستان حدا لا يضطر معه المهربون من بينهم لأي عمليات اختطاف من اجل ضمان مساعدة السكان المحليين وذلك خلافا للصوص الافغان الذين يؤمّنون عبور الافيون على "طريق الشمال" في اقليم خراسان·

يتعرض المهرّبون الذين قلما يدركون حجم الاضرار الاجتماعية الناتجة من حمولتهم، لعقوبة الاعدام في حال تجاوز ما يضبط معهم 30 غراما من الهيرويين او خمسة كيلوغرامات من الافيون· وقد اقدمت السلطات على شنق خمسة منهم بينهم امرأة وذلك في احدى ساحات طهران العامة بوساطة ونش، فجر احد ايام شهر مارس 2001· ثمة 900 آخرون قتلوا في العام 2000 وهناك ما بين 80 و170 الف موقوف بتهم مرتبطة بالمخدرات· وتلقي قوات الامن الايرانية القبض سنويا على آلاف المتدرجين في اعمال التهريب الذين يخفون الافيون والهيرويين والحشيشة او المورفين في نعال احذيتهم او في قطع اثاث مفرغة او في انابيب معجون الاسنان والادوات المنزلية واشرطة الفيديو او حتى في الاوراق المالية·   لا يضاهي هذه القدرة على الابتكار سوى الحجم فائق الحد لتجارة المخدرات العالمية· فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد النفط وتؤمّن سنويا عبر العالم مداخيل تصل الى 500 مليار دولار· والارباح تصاعدية حيث يبيع المزارع الافغاني كيلوغرام الافيون بثلاثين دولارا يعطى مقابلها مواد غذائية ويتقاضى المهرّبون عبر الحدود ما بين 15 و30 دولارا تبعا لأهمية دورهم، ليسعَّر هذا الكيلوغرام بمئة دولار لدى وصوله الى زاهدان و600 دولار في طهران و 2400 في تركيا· عند تكريره بوساطة مركب الاسيتيلين يمكن استخراج 100 غرام من الهيرويين من كل كيلوغرام من الافيون· لا يكلف تجهيز المختبر السري اكثر من مئة دولار بينما يصار الى تسويق الغرام الواحد من الهيرويين المكرر بنسبة 65 و 80 في المئة بمبلغ يراوح بين 30 و40 يورو فوق ارصفة المدن الاوروبية· ان نسبة 80 الى 90 في المئة من الهيرويين المستهلك في اوروبا يأتي من حقول الخشخاش الافغانية·

محاربة سوء الحظ الجغرافي

يقول احد ضباط الجيش الايراني متنهدا: "من سوء حظنا ان ايران تمثل الطريق الاقصر بين البلد المنتج، اي افغانستان، والمستهلكين في اوروبا· ازاء تفتت آسيا الوسطى السوفييتية السابقة لم يعد امام المهربين عبر ايران سوى اجتياز حدودين فقط"· وعند دخولها الاراضي الايرانية تجتاز المخدرات المناطق الجبلية من الشمال الى الجنوب وصولا الى الحدود مع تركيا· اما في اتجاه يزد في الوسط فإن المهربين البلوش يسلّمون البضاعة الى آخرين من الأزريين والفرس والاكراد·

  يؤكد السيد انطونيو مازيتلي، ممثل برنامج الامم المتحدة للمكافحة الدولية للمخدرات في طهران: "بعد ثورة 1979 تمكنت ايران وهي بلد عريق في انتاج المخدرات من تحقيق انجاز خلال عام ونصف عام بالقضاء التام على زراعة الخشخاش"· ومنذ ذلك التاريخ تقوم الجمهورية الاسلامية ما في وسعها لاحتواء تدفق المخدرات التي تعبر اراضيها، ويتولى المعسكر الاصلاحي مسؤولية مكافحة المخدرات بعد محاولة فاشلة من القضاء الايراني الذي يسيطر عليه المحافظون الموالون لمرشد الجمهورية علي خامنئي، لوضع يده على هذا القطاع في يناير2001 ·

  على الارض يتم نشر 42 الفاً من الجنود وعناصر الشرطة والميليشيا اي حوالى عشر القوات المسلحة في الجمهورية الاسلامية، على طول الحدود الشرقية بطول 1950 كيلومترا والمزروعة بأكثر من 200 برج مراقبة وعشرات جدران الباطون التي تقفل الممرات الجبلية اضافة الى مئات الكيلومترات من الخنادق والشريط الشائك من الحدود الشمالية وصولا الى المحيط الهندي· اي كلفة تبلغ مليار دولار تضاف اليها نفقات الصيانة· وقد خصص مجلس النواب الايراني ما يوازي 25 مليون دولار في العام 2000 من اجل مزيد من التحصينات الحدودية· منذ 1979، قتل 3140 عنصرا من عناصر الامن بينهم جنرالان خلال مواجهات مع المهربين· اي بمعدل موظف واحد كل ثلاثة ايام· في اكتوبر 1999، في غورناك جنوب زاهدان وخلال مطاردة احدى المافيات المحلية بزعامة الملا كمال صالح زاهي، طوقت عصابة 37 جنديا وعمدت الى تصفيتهم· يترأس علي الفرع المحلي لمنظمة ايرانية غير حكومية تعنى بالوقاية من المخدرات ومساعدة المدمنين، تسمّى "افتاب" اي الشمس· وكان احد اصدقائه من المجندين والمتزوج حديثا قد قتل في مواجهة مع المهرّبين في غورناك· يقول علي: "اذا تغاضت ايران عن عبور المخدرات فستوفر ارواح جنودنا وتخفف من كميات الهيرويين التي تتوقف عندنا· ان الغرب لا يساعدنا كثيرا مع انه المستهلك الرئيسي· ربما لانه لا يكن لنا التقدير"· يشاطر العديد من الايرانيين هذا الرأي وهم مدركون لصورة بلادهم السلبية في الغرب·  اذا وضعنا جانبا اللقاءات الثنائية بين المسؤولين الايرانيين عن مكافحة المخدرات ونظرائهم الآسيويين والاوروبيين، فمن الواضح ان المساعدة الدولية تبقى محدودة· فالمفوضية الاوروبية و14 دولة مانحة تموّل موازنة البرنامج الدولي لمكافحة المخدرات بمعدل 20 مليون يورو سنويا ويقوم البرنامج بإجراءات وقائية بالتعاون مع الحكومة الايرانية· وقدمت فرنسا اربعة كلاب مدربة ضد المخدرات واعطت بريطانيا سترا واقية من الرصاص· ويهمس السيد مازيتلي قائلا: "لقد اضطر البرلمان البريطاني للتصويت على قانون خاص يسمح بإرسال محض ستر واقية من الرصاص· علينا حتى استيراد لقاحات الكلاب المدربة على المخدرات· لماذا؟ لان احد مكوناتها قد تستخدم كما يقولون في تصنيع الاسلحة الكيمائية"·

  قبل ان يقدم الرئيس جورج دبليو بوش لمناسبة خطابه الاخير عن حال الاتحاد في نهاية يناير 2002، على تهديد العراق، احد اطراف "محور الشر" مع كوريا الشمالية وايران، بشن عملية عسكرية، كانت واشنطن تعتبر الجمهورية الاسلامية بمثابة احدى "الدول المارقة" ثم كدولة "مثيرة للقلق" · لتفرض عليها عقوبات من جانـب واحـد· اعيد تأكيدها في يوليو 2001 وكان لها الاثر السلبي في مكافحة الاتجار بالمخدرات، فكانت النتيجة ان المهربين باتوا افضل تجهيزا بالاسلحة من الجيش·

  ان المخدرات المستهلكة في الولايات المتحدة لا تأتي من آسيا الوسطى بل من جنوب شرق آسيا ومن أمريكا اللاتينية، فلا مصلحة أمريكية مباشرة تالياً لمساعدة ايران في حربها على تجارة المخدرات· ومنذ يناير 2002 تجدد التوتر في العلاقات بين طهران والبيت الابيض في صورة مفاجئة اثر القبض على الباخرة "كارين آي" المحمّلة أسلحة والآتية من ايران بحسب اسرائيل والمرسلة الى الانتفاضة الفلسطينية·

تم العثور على اكثر من 250 طنا من المخدرات في الاراضي الايرانية خلال العام 2000· ويعتبر برنامج الامم المتحدة ان الدول تكشف في معدل عالمي عن نسبة 10 الى 20 في المئة من المخدرات· مما يعني ان ما بين الف والفي طن من المخدرات قد تمكنت من العبور من افغانستان الى تركيا· ويكاد المسؤولون عن المكافحة في ايران يقدّمون اعتذاراتهم: "الحدود شاسعة بكل بساطة· صحارى وجبال ومستنقعات··· لا يمكننا مراقبتها كلها" في حين يقول آخر بلهجة حادة: "نقوم بما في وسعنا وشهداؤنا الثلاثة آلاف يشهدون لذلك"·

هذا صحيح، لكن الفجوات في النظام بارزة للعيان عند اي نقطة تفتيش· فعند معبر طيباد الحدودي في خراسان تقف قافلة طويلة من القاطرات الافغانية في صف متراص يقوم سائقوها بنقل الحمولة من شاحنة الى اخرى قبل دخولهم الى الاراضي الايرانية· جنود تحالف الشمال كما حرس الحدود الايرانيون لا يحكمون رقابتهم على ما يجري بل يكتفون بإلقاء نظرة سريعة على اوراق الهوية وعلى الشاحنات وحمولتها· ويمكن للمراقب ان يتأمل في ما يمكن ان تمثله رشوة المهربين بالنسبة الى موظف لا يتقاضى راتبا يكفيه· لم تسجل رسميا اي حالة رشوة والامر يبدو غريبا اذا ما عرفنا ان التجار الصغار في حدائق طهران العامة يشترون طمأنينتهم مقابل 15 دولاراً يوميا يدفعونها الى بعض دوريات الشرطة·

تمثل الحرب على تدفق المخدرات مهمة شاقة اقرب الى مهمة سيزيف وصخرته الميثولوجية· يحلل السيد كاتب دار الوضع قائلا: "وحده اقتلاع الشر من جذوره يضع حدا لتجارة المخدرات· افغانستان هي بلاد اللاشيء (لاشيئستان) سوى الافيون· المطلوب اخراج البلد من حال البؤس التي تتخبط فيها وايجاد بدائل من زراعة الخشخاش امام مزارعيه"· انه سؤال بقي معلقا ابان التدخل الأمريكي· يعلق السيد كاتب دار ساخرا: "لا ادري اذا كانت القنابل الأمريكية قد عالجت مسألة "طالبان" لكنها بالتأكيد لم تجد حلا لمشكلة الافيون"· لا بل ان العكس حصل بحسب السيد مازيتلي، فالهجمات الأمريكية جعلت المسألة اكثر اهمية اذ يعيش من زراعة الخشخاش 3.3 ملايين افغاني·  "بعدما كانت افغانستان تنتج عام 1999 نحواً من 4900 طن من الافيون قررت "طالبان" في يوليو من العام 2000 القضاء كليا على هذه الزراعة· يمكن ان يكون الملا عمر قد اتخذ هذا القرار من أجل إفساح المجال امام التجار لتسويق مخزونهم ورفع الاسعار في السوق· المهم اننا لاحظنا هبوطا قويا جدا في المساحات المزروعة وتراجع الانتاج عام 2001 الى 185 طنا فقط"· في غياب المساعدات غرق المزارعون وعائلاتهم في حال من البؤس· "مع انهيار "طالبان"، استغل المزارعون الفوضى لمواصلة زراعتهم" ويمكن موسم القطاف المقبل ان يكون وفيرا· يصعب في المقابل إلقاء اللوم على المزارعين في سعيهم لتأمين معيشتهم، ويقول السيد مازيتلي آسفا: "ليس لديهم من خيار آخر، فمردود حقل من الخشخاش يبلغ 15 ضعفا مردود زراعة غذائية"·

في منتصف شهر يناير اعلن حامد قرضاي رئيس الحكومة الموقتة قراره القضاء على زراعة الخشخاش وهي خطوة لقيت ترحيبا دوليا وايرانيا· لكن يمكن التساؤل حول قدرة الحكومة الفعلية على بسط سيطرتها على انحاء البلاد مع ما تشهده أخيرا من نزاعات بين امراء الحرب وبالتالي قدرتها على فرض هذا المنع في الأقاليم المنتجة المأهولة بالبشتون الذين لا ينظرون بعين الرضا الى الحكومة الجديدة المنبثقة عن تحالف الشمال الطاجيكي·

إبان مؤتمر طوكيو المنعقد في يناير، حصلت افغانستان على مساعدات دولية تقدر بـ 5.4 مليار دولار· وقدمت ايران 560 مليون دولار على مدى خمس سنوات منها 120 مليون دولار تدفع هذه السنة· يخفف السيد مازيتلي من تأثير المساعدات على زراعة المخدرات كون هذه المساعدات الدولية لا تهدف حاليا الى تمويل مشاريع تنمية بديلة بل الى اعادة بناء بنية البلاد التحتية"· ازاء ما تعانيه افغانستان من حرمان قد لا تحتل الحرب ضد الافيون رأس سلّم الاولويات وذلك ما تستفيد منه المافيات التي تسيطر على هذه التجارة المعولمة والتي تحصل على حساب الاكثر ضعفا من الأرياف الافغانية الى غيتوات أوروبا·

سيدريك غوفرنور

بول ماري دو لا غورس

المصدر: لوموند ديبلوماتيك

النسخة العربية

طباعة  

الزلزال الذي أراده بن لادن من هجمات 11 سبتمبر لم يحدث