رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 9-15 محرم 1423هـ الموافق 23 -29 مارس 2002
العدد 1519

من أجل جيل أكثر قدرة على مواجهة التحديات
مطلوب إصلاح أنظمة التعليم في العالم العربي

“ نيويورك تايمز “

بقلم: محمد شارفي *

·         تونس·· نموذج ناجح في فلسفة التعليم العلماني

·         الشباب المسلم يتعلم العداء للآخر ويرى بلاده تتحالف مع الغرب!

منذ الحادي عشر من سبتمبر، بدأ العالم يعرف المزيد عن أنظمة التعليم المعمول بها في الدول الإسلامية اليوم ودور هذه الأنظمة في تعزيز العداء تجاه الغرب، لقد تعرض النظام التعليمي في المملكة العربية السعودية (مسقط رأس أسامة بن لادن) للانتقاد في الغرب وخصوصاً في الولايات المتحدة· وقد أعلنت الحكومة الهندية في شهر ديسمبر الماضي عن خطة لإصلاح المدارس الإسلامية، على الرغم من أن ذلك قد ينطوي على مفارقة لأن هذه الحكومة نفسها، تستخدم المدارس لتعزيز الهندوسية كجزء من برنامجها القومي· وفي باكستان، يسعى الرئيس برويز مشرف لإصلاح النظام التعليمي في بلاده، وهو المشروع الذي سيجد من يراقبه في الدول الإسلامية الأخرى· وقد أخذ موضوع التعليم حيزاً رئيسياً من مفاوضات الرئيس مشرف مع الرئيس الأمريكي جورج بوش في واشنطن الشهر الماضي· وهذا في حد ذاته كان أمراً جديداً·

الدول الإسلامية دخلت في عملية إعادة ولادة وتحديث في القرن التاسع عشر فالاتهامات بالردة واستخدام العقاب الجسدي سقطت، وانتقلت السلطة - بشكل عام - من المجالس والمنابر الإسلامية إلى البرلمانات والمحاكم العلمانية· ولكن هذه التغيرات في كل مكان لم تكتمل وظلت مترددة وهشة، ويعود ذلك بشكل أساسي لأن أُسسها العقائدية لم تلاق القبول إلا على مضض، من قبل الدولة والنخبة، وبدرجة أقل، من جمهور العامة·

صورة الخليفة المثالي

وتجلى ذلك في النهج العام للتعليم· فقد بُذل جهد عظيم لتعليم اللغات الأجنبية والموضوعات العلمية· ولكن في تعليم الدين، والتاريخ والفلسفة والتربية البدنية، ظلت المناهج تقليدية· وشملت المدارس تعليم الشريعة الإسلامية بمضمونها الكلاسيكي، وقدمت التاريخ الإسلامي بطريقة ثيولوجية كما لو أننا كنا لانزال نعيش في العصر الأموي أوالعصر العباسي· لقد تم تعليم الشريعة كموضوع مقدس وقُدمت لنا صورة الخليفة المثالي، وعرضت علينا القرون الأولى للتوسع الإسلامي بعد وفاة النبي ([)، كما لو أنها جنة الله على الأرض·

وكانت تبعات مثل هذا التعليم مدمرة على عقول الشباب في معظم الدول الإسلامية· فالطلبة يتعلمون أنه من أجل أن يكونوا مؤمنين جيدين، يجب أن يعيشوا في ظل الخلافة وأن القانون الإلهي يجعل من الضروري أن نرجم الزاني ونمنع الإقراض بفائدة··· ثم لنكتشف في الشارع مجتمعاً تحكمه حكومة مدنية بقانون عقوبات عصري واقتصاد مؤسس على نظام مصرفي·

فالكثير من الأطفال المسلمين مازالوا يتعلمون في المدرسة، الأيديولوجية القديمة للإمبراطورية الإسلامية الظافرة، أيديولوجية ترى أن كل غير المسلمين على خطأ، ويرون أن مهمتها نشر نور الإسلام في العالم· ومع ذلك يرى الشباب حكوماتهم تعمل للعيش بسلام مع القوى غير الإسلامية، فمثل هذه التعاليم المتضاربة لا تهيئ الأطفال للعيش في عالم متغير·

ويبدو أن أسامة بن لادن والخمسة عشر سعودياً الآخرين الذين شاركوا في العمليات الإجرامية في الحادي عشر من سبتمبر، كانوا نتاج تعليمهم· ففي حين أن المملكة العربية السعودية - رسمياً - هي دولة معتدلة ومتحالفة مع الولايات المتحدة· كما أنها كانت من الأنصار الرئيسيين للأصولية الإسلامية بسبب تمويلها لمدارس تتبع الحركة الوهابية المتشددة· ولعبت المدارس الباكستانية والأفغانية المدعومة من المملكة العربية السعودية، دوراً مهماً في تقوية الإسلام الراديكالي في هاتين الدولتين·

وحتى في دول تكون التعاليم الدينية فيها أقل شأنا، فإن التوجه نحو الوعظ الأصولي لا يختلف في مجمله·

تونس·· نموذجاً

وتعتبر تونس من الاستثناءات النادرة في هذا الشأن· فمنذ عام 89، بدأت عملية إصلاح راديكالية تهدف إلى تحديث النظام التعليمي برمته· وفي المسائل الدينية تؤكد البرامج والمناهج، فكر باحثين تأثروا بأفضل مفكرينا في أواخر العصور الوسطى مثل الرازي وابن سينا· وقد بلور مثل هؤلاء الكتاب قراءات جديدة للقرأن الكريم ومنحوا الإسلام مضموناً يسمح بمناقشة المساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان وتطوير الديمقراطية·

ويتم تدريس تاريخ تونس بشكل يجعل الشاب التونسي يرى بلده بكل أبعاده، من استراتيجية هاينبال إلى فلسفة سانت أوغستين ويشمل منهج العلوم في الصفوف العليا نظرية النشوء لداروين فضلاً عن النظريات الأخرى حول أصل الكون، ولا يتم تدريس أي من هذه الموضوعات وفقاً لبرامج إسلامية تقليدية·

ونأمل أن ينشأ الشباب التونسي من خلال هذا التعليم العلماني، على تقدير حرية الفرد والانفتاح على الآخر· ويساعد هذا النظام التعليمي المتلازم مع تحرير المرأة والتعليم الكوني - التي كانت جميعاً جزءاً من إصلاحات بورقيبة بدءاً من أواخر الخمسينات - في تشكيل مجتمع أكثر حداثة·

الملاذ الأخير للساخطين

ولسوء الحظ، إن الهيكل السياسي لم يواكب هذا التقدم بالوتيرة ذاتها· فالبوليس يتمتع بحضور قوي والصحافة والقضاء يخضعان لسلطة الدولة وأصبحت البلاد رهينة لنظام السلطة الفردية المنبثق من العصور القديمة·

والأصولية هامشية في تونس الآن، لكنها ستعود إذا أصبحت الملاذ الأخير للساخطين·

والآن فإننا نأمل أن يتعلم الرئيس الباكستاني برويز مشرف من أخطاء تونس الأخيرة، مثل الفشل في بلورة نظام سياسي أكثر ديمقراطية، بقدر ما يتعلم من تقدمها في إقامة مدارس تساعد في انفتاح العقول لجيل من الطلبة·

والدول الإسلامية اليوم بعد تجارب الأصولية في إيران وباكستان وأفغانستان والمملكة العربية السعودية ودول أخرى،  في حاجة إلى بدء مرحلة جديدة من الانخراط في العالم·

وإصلاح التعليم في حاجة لأن يكون في قلب هذا الجهد· وتقدم تونس، وإن لم تكن النموذج المتكامل درساً مهماً في كيفية القيام بذلك·

*الرئيس السابق لرابطة حقوق الإنسان التونسية ووزير سابق للتعليم

طباعة  

صراع بين الجنرال والسياسي ورجل الدولة في شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون يشعر أنه كالبقرة التي تُساق إلى المسلخ
 
هجمات 11 سبتمبر خربت القيم الأخلاقية للأمريكيين