تتواصل دائرة الموت بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتحصد العشرات من الأرواح ويتخذ الغرب موقفا لا مباليا منها، وإن صدرت بعض الأصوات الليبرالية التي تعبر عن القلق مما يجري في الأراضي المحتلة·
فمرة أخرى، إنه العنف والعنف المضاد حيث يخوض شعبان تستحكم العداوة بينهما، صراعا طويلا وعمليات قتل متبادلة لا نهاية لها· ويبدو أنه ليس بوسع المراقبين المتحضرين والإنسانيين أن يفعلوا شيئا حيال ما يحدث سوى أن يأملوا، ربما، أن يتمكن أحد الطرفين (الطرف القوي) عاجلا أو آجلا، من إبادة الطرف الآخر (الضعيف)·
والجميل في هذا النهج أنه لا يتطلب أي جهد ثقافي أو تحليل أو عودة للتاريخ· والأهم من كل ذلك أنه لا يستوجب التمييز بين عنف المظلومين وعنف الظالمين· فلا شيء أوضح في الصراع حول فلسطين من أن الإسرائيليين هم الظالمون وأن الفلسطينيين هم المظلومون·
فالمخيمات التي يقوم الجيش الإسرائيلي بغزوها يسكنها أناس تعرض آباؤهم وأجدادهم للطرد من بيوهم وأراضيهم قبل نصف قرن على يد الإسرائيليين الذين احتلوا وصادروا أراضيهم· والسبب الذي جعل القوات الإسرائيلية تتجرأ اليوم على غزو هذه المخيمات هو أن أسلافهم احتلوا الضفة الغربية بالغزو العسكري غير الشرعي تماما وقسموها الى كانتونات أو بانتوستانات وأقاموا عليها “المستوطنات” غير الشرعية·
تزوير للحقائق
فالعنف الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي والشرطة في المناطق المحتلة هو عنف الظالم، والعنف الناتج من الفلسطينيين هو المقاومة التي يقوم بها المظلوم· وكل من يؤيد الاحتلال الإسرائيلي لهذه الأراضي أو إقامة المستوطنات عليها أو من يحرم الفلسطينيين من حق المقاومة العنيفة، إنما يقف بوضوح الى جانب الظالم ضد المظلوم·
إن مساواة عنف المحتلين بالمقاومة التي يقوم بها من يقعون تحت الاحتلال ليست سوى تزوير للحقائق ويغلق الباب أمام أي أفق للحل· فإذا كان الطرفان متساويين في السوء، إذن فإن أي حل للنزاع ليس واردا، لأن كلا الطرفين سيواصلان عمليات القتل ضد بعضهما في كل الأحوال· ومن ناحية أخرى، فإن التقييم العقلاني لأدوار المظلومين والظالمين ينبئنا ليس فقط لماذا يقتل الناس بعضهم، بل أيضا كيف يمكن وقفهم عن القيام بذلك·
فإذا كان سبب العنف هو الاحتلال غير الشرعي للأراضي الفلسطينية، فإن الحل الواضح إذن، هو أن يخرج الإسرائيليون من الأراضي التي يحتلونها وتفكيك المستوطنات· وإذا رفضت الحكومة الإسرائيلية تنفيذ هاتين الخطوتين، فإن الجواب الواضح من الغرب هو فرض العقوبات على إسرائيل، وقف المساعدات الاقتصادية الكبيرة وشحنات الأسلحة التي بنت الاقتصاد الإسرائيلي وآلته العسكرية·
ولنتذكر الضجة الكبرى التي ثارت حول شحنة من الأسلحة كانت متجهة الى الفلسطينيين على ما يبدو· فمن ذا الذي يعترض على شحنات الأسلحة التي تفوق تلك الشحنة مئات المرات التي تصل الى إسرائيل بصورة منتظمة؟ وكل من يعترض على فرض عقوبات على إسرائيل - إذا رفضت الانسحاب - من الأمريكيين أو البريطانيين، فإنه يقف بصورة حاسمة الى جانب الاحتلال غير الشرعي والقهر العسكري والقمع الاقتصادي·
وإنه لمن المثير للشفقة بشكل خاص لأولئك، الذين يبحثون عن المبررات للظلم الإسرائيلي هو الأحاديث الحمقاء عن معاداة السامية· فهذا النوع من الظلم الذي يؤيدونه يشكل البذرة التي أنبتت كل أشكال العنصرية، بما فيها معاداة السامية، إن ثمة حلا للصراع في فلسطين يعتمد على الانسحاب الإسرائيلي وتفكيك المستوطنات· ومثل هذا الحل سهل وفي متناول الدبلوماسية الغربية وسيوقف أعمال القتل·
بول فوت (شقيق اللورد كارينغتون صاحب قرار 242)
“ غارديان “