بقلم: علي حسين الفيلكاوي
التسلل الى عالم “يوسف رزوقة” هو أشبه بمغامرة تعترضك فجأة وتجنبك من الطرق المتشابكة المتشابهة بالرتابة لتجد نفسك منبهرا بعالم جديد مشدوها بمطالع الفكر الندي مسيرا وراء المعنى مأخوذا بما وراء هذا المعنى، كل ذلك سوف يحدث في أول خطوة أو صفحة وأنت تتساءل بصمت·· كيف·· كيف؟ وتقودنا كيف للبحث، للركض الى ما وراءها··
الإشارات والرموز في مسيرة المعنى
في نص “أزهار ثاني أوكسيد التاريخ” تأسيس شعري لحكاية طويلة تبعث شكلها الخاص مؤكدة على تميز انبثاقها الفني خالقة تواجدها بسرعة قاتلة وسكون متوثب، فهذا البدء أراد “يوسف رزوقة” - أو هكذا تبدى لي - صهر جسد قصيدته الطويلة والمتناثرة على أجزاء وطن الألم العربي في وحدة فنية مغلفة برموز ذات مفاتيح ليست بالخبيئة ولا العصية، وهي في متناول الذهن، فنحن أمام قصة طويلة مدمجة في نص شعري، ونص شعري متتالي اللقطات كفيلم سينمائي، يبصرنا دائما في امتداد أرض (المكان) ذلك المصطلح الخاص الذي يطمنا جميعا بين حنايا أسواره، و·· حين يطلع الكلام تدشن الحكاية ويكبر موج المعنى متدفقا بحنو وقسوة على حدود أجسادنا ودون توقف نلمح “البراق” وهو الشخصية التي سوف تقودنا عبر زمنها الخاص في جهات النص أو في أرض (المكان) وهو المتجسد في دور المخرج بكاميراه المتجولة في عصور الأحداث أما “ياقوت” فهو الشخصية الأثيرة في القصيدة الحكاية وهو الشاهد والمشاهد المروي والرواي، الطالع من زمن النص الهابط من ذهن الشاعر، يسير بنا نحونا، نحو الآخر، نرى أجزاءنا عبر تاريخه تبرق وجوهنا نجهلها ثم نعرفها من خلاله، يمزج رؤيتنا المحفوظة سلفا في رؤية جديدة وسطور وعي آخر، نعبر في قاربه، نطير على رحابته أو نمشي حفاة على خريطته، نشاهده نشاهدنا تطوف خلالنا الرموز الإشارات غائمة·· (العشاء الأخير، الكترا، أزهار بودلير، ماركس لينين والناقصين حنانا، جنة برج إيفل، عو·· عولمة··) تفتح تابوتا مخفيا في أعماقنا وتبعثر سواكن الهواجس وسلام الأفكار المهادن، تؤرق ذهننا النائم دون شك لنفيق على فوضى الحقيقة الراعدة عبر السماء، النابتة بجنون تحت أقدامنا، إذ إن “ياقوت” على ما يبدو والمخرج “البراق” خلف المشهد يبعثران الزمن والمكان، وينثران أدخنة الإيهام في أعيننا ليتساقط من الرموز والإشارات وتدرج تفاعلاتهما، عذوبة سخرية محتقنة، تتدحرج على مهل في مرايا أذهاننا مخلفة على الدوام معناها الخاص··
طلع الكلام
هنا
بعاصمة “المكان”
=وتحت عصف الطائرات وقصفها
ولد المكنى بـ “البراق”
وبعد عنقودين من عنب الزمان
أحس الدنيا تدور
وبالمرايا كلها تدور
فرأى الرحيل
ولم يقل حتى (وداعا) للمكان
تنوع وانسجام، تمدد حتى اللا نهاية
“تدور الكاميرا” ويبدأ عرض النص المتصاعد بالإثارة المشرف من هوة خفية على صرخة الواقع العارية ومن دون ألوان إضافية وبهدوء عميق يرسم وجه القتيل والقاتل، الجرح والخنجر في انطلاقة تختصر الماضي بين سطور اللحظة الآنية لتنطلق أخيرا نحو المستقبل·
إذ يمكننا أن نلحظ ونحن في تصاعد مركبنا الجوال اختلاف وتنوع البحور التي نعبرها فمن “الكامل” الى “المتقارب” الى الطويل ومن اللافت للحس الوجود المتميز للبحر الطويل في النص والذي نادرا ما تكتب قصيدة التفعيلة على وزنه، ولعل ذلك الوجود المميز ما هو إلا تأكيد لأصالة روح الامتداد الزمني لعلمنا أن البحر الطويل هو البحر الشائع الاستخدام في العصر الجاهلي وإضافة لذلك نستطيع أن نتلمس ما يضيفه ذلك التضاد بين الحاضر كزمن ولغة والماضي كخلفية موسيقية من أبعاد مضيئة وشعور مضاعف كالحياة على أرض زمنين مختلفين في آن واحد بينما موج القافية يلتصق في “البحر الطويل” بهدوء ويختفي تدريجيا ليتصاعد مرة أخرى وبشكل لافت بعنف ودوي في مقطع موت الطفل “محمد الدرة” ذلك المشهد الذي لا يحتمل سوى الوجود الفاضح والصرخة التي يجب أن تخرج فوق السطح بوضوح الدم وبلون الحزن·
ماذا أقول
وأنت يا ولدي هنا
تحت الرصاص
تصيح: يا بلدي
ماذا أقول لها:
لأمك؟
ويلها
انهض وعد
أرجوك يا ولدي!
“تدور الكاميرا” ومنذ دورتها الأولى ينتزع “يوسف رزوقة” عباءة الزمن يرسمها بمساحة الضوء لترحل خطواتنا مع شخوصه ولنستمع الى أنفاسنا تلهث في الطلوع والهبوط على طرق عوالمه لتمتزج معه في المشاهد المتتالية ذات اللقطات السريعة والبالغة الدقة، كانت تبرق “العولمة الموت الحرية، حرب الخليج، الانتفاضة، الإنسان، الحلم··” وتمطر الأمكنة بالأسئلة، يتسلق العشب فضاء الروح مخلفا أثرا في اتجاه العمق أو نقشا حقيقيا وأصيلا يتخلق مثل نقطة مضيئة صغيرة تكبر لتكشف عن ألم وطن بأكمله بمشهد طويل تفوح فيه رائحة “ثاني أوكسيد التاريخ” باستخدام تقنية نستطيع أن نسميها نقشا سهلا ممتنعا يتصاعد في زمنين دائمين ولغة متماوجة تسبح نحو أجواء القصيدة الحديثة الى حد نثريتها والتوغل في اتجاه العمق والصعود لإيقاع السطح التفصيلي رقصا وغناء على موج القافية، والعودة مرة أخرى لمدار العمق كما تقتضيه حاجة المشهد بتمازج متناغم منسق و·· “تدور الكاميرا”··· “لا قبر هنا/ إلا للأزهار الموقوتة ذات التاريخ المخلوط بثاني أوكسيد الكربون/ لمن يلتفت؟/ للفقراء وقد حرنوا في السفح، بعيدا/ حيث النبع فنعناع القيم العليا/ أم للرسل الجدد الثاوين كما في كل زمان/ لمن يلتفت هذا الهارب من وسخ الدنيا”·
ترتيب أخير للمشاهد الأولى
يختفي الشاعر بإغلاق منافذ النص وإسدال الستائر على جهاته وترتيب أضوائه وإعادة شخوصه المختلفين الى جمودهم الأول، ليتخلص كميت بقرار نهائي من كل تاريخه السابق بأحزانه ومآسيه بحقيقته ووهمه دون محاولة للرجوع الى الوراء ثانية حارقا تركة تاريخية مثقلة بالدم وصراخ الأجساد المعذبة، منزويا بصمت بعد أن قدم شهادته على امتداد عصور الألم العربي برؤية إبداعية عميقة، وقبل اختفائه الأخير لا ينسى أن يطفئ ضوء المشهد فبعد أن (طلع الكلام) في البدء يهبط الكلام، أما (المكان) المختلف فيصبح مجرد مقبرة يدفن في زواياها (البراق) ذلك الذي قادنا خلفه في جهات النص، وفرش لنا زمنه الخاص وعلى قبره شاهد يشبه (ياقوت) حيث لم يتبق من القصيدة الحكاية سوى “الحب” “الحقيقة” و”الوطن”··
هنا
بمقبرة (المكان)
وذات يوم عاصف
دفن المكنى بـ “البراق” المستقيل
بمحض شهوته من التاريخ والمعنى
الفقير الى طفولته
المناضل (سابقا)·· كان الفقيد (···)
تفسخت باقي الحروف
وما نجا منها عدا: الحب
الحقيقة
والوطن”