كتب محرر الشؤون السياسية:
مع اقتراب الفصل التشريعي التاسع لمجلس الأمة من الانتهاء بدأت درجات الحرارة السياسية بالارتفاع المقنن أحيانا والمنفلت أحيانا أخرى حتى وصل درجة الغليان في بعض السجالات التي خرجت عن “اللياقة” بين النواب وبعضهم البعض وبين بعض النواب والوزراء·
ويأتي هذا التسخين في أجواء من الشلل الكامل الذي تعيشه البلاد نتيجة لوضع الوزارة الحالية التي ولدت بشكل توفيقي وعلى أسس لم تكن ملائمة لوزارة يتوقع منها التصدي لكل الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي تمر بها المنطقة· الوزارة، وبغض النظر عن أعضائها وقدراتهم الشخصية وإمكاناتهم، تعد عاجزة عن التصدي لهذه المهام ليس بسبب عدم قدرة أعضائها كأفراد ولكن بسبب التوليفة التي شكلت بناء على اعتبارات خاصة ولظروف خاصة، فبدءاً من الترتيبات الموقتة لتكليف النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد بتشكيل الوزارة واختيار أعضائها وتولي مهام رئيس مجلس الوزراء وهي الترتيبات التي رافقتها حالة من الإرباك كادت أن تودي بالوزارة منذ الأيام الأولى لها· إضافة الى أنها ترتيبات خارجة عن المهام الدستورية الواضحة لرئيس مجلس الوزراء· فالنائب الأول يتولى إدارة الوزارة ولا يتحمل دستوريا أي أعباء عن فشل وزارته التي شكلها هو· وهذا ما يصعب الأمر على مجلس الأمة لمحاسبة رئيس مجلس الوزراء في حالة شعوره بضرورة ذلك· وهو أمر يقلل من قدرة مجلس الأمة على القيام بدوره الرقابي هذا علاوة على أن الطريقة التي تم فيها تشكيل الوزارة عن طريق الحصص والتوليفة التي قد تبررها الرغبة في إرضاء بعض التكتلات السياسية والقبلية في مجلس الأمة من أجل ضمان علاقة أهدأ مع المجلس، إلا أن المطلوب، ومنذ زمن بعيد والآن بشكل لا يحتمل التأجيل، أن تشكل وزارة من ذوي الكفاءات والمشهود لهم بالقدرة على القيام بالمهام التي أناطها الدستور بعضو مجلس الوزراء· هذا هو المطلوب عند تشكيل الوزارة الحالية ومطلوب الآن كذلك· وهو أحد أهم أسباب فشل هذه الوزارة في التصدي لمهامها الدستورية وإنقاذ البلد من حالة الشلل والركود التي طالت جميع جوانب حياته·
فالاستمرار في أسلوب وطريقة التشكيل الوزاري كانت وستبقى سبباً رئيسياً في إحجام الكثير من الكفاءات عن المشاركة في التشكيلات الوزارية المتعاقبة· لهذا مطلوب من القيادة السياسية أن تغير منهجها وأسلوبها في الاختيار وأن تركز على تشكيل حكومة تمارس دورها السياسي لا الإداري كما هو ديدن كثير من الوزراء الحاليين والسابقين· ورغم أن التشكيل الوزاري الأخير وخلال البحث عن بديل لوزير النفط المستقيل لاحظ المراقبون تغيراً في ذلك الأسلوب إلا أن منهجاً وتصوراً واضحاً يجب أن يتوافر ومن خلاله تشكل الوزارات·
الأزمة إذن ذات أبعاد تتعدى النوايا الحسنة وقدرات بعض الوزراء فهي في حاجة إلى ترتيب سياسي يحسم المسؤولية الدستورية لمن يتحمل عبء إدارة البلاد بشكل فعلي، وكما علق حوله كثير من أبناء الأسرة الحاكمة والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء مرارا، متروك لصاحب السمو أمير البلاد· وهو أمر ربما تأخر بسبب العارض الصحي لسمو الأمير والذي تفاءل الناس كثيرا بعد أن عاد سموه الى أرض البلاد سالما معافى خصوصاً عندما تسربت أنباء حول إجراء التغييرات والتعديلات المرتقبة لترتيب أمور البلاد بشكل جذري تحسب فيه مصلحة البلاد والشعب الكويتي أولا وأخيرا·
ولهذا يرى كثير من المراقبين السياسيين أن سخونة الجو السياسي في العلاقة بين السلطتين والتي يُعبَر عنها بالاستجوابات المقدمة والمرتقبة ليست سوى أعراض واضحة للعلة الأساسية·
أما محاسبة وزير هنا وآخر هناك على أمور وإجراءات، على أهميتها، ليست هي السبيل لعلاج الأزمة التي شلت البلاد في وقت تموج المنطقة بأكملها بالتغييرات والأحداث المتسارعة·
ونحن في أمس الحاجة لترتيب أمور بيتنا الداخلي بشكل لا يعطي لأحد مهما ربطتنا به علاقات حميمة فرصة للتدخل في شؤونا الداخلية·
المطلوب إجراءات حاسمة طال انتظارها لترتيب البيت الكويتي لينعكس ذلك على وزارة تشكل ضمن تصور تنموي نهضوي ينظر للمستقبل، والمطلوب كذلك من مجلس الأمة أن يرى الصورة الأكبر وينأى بنفسه، كمؤسسة تشريعية ورقابية، عن صغائر الأمور ويمارس دوره بكل الوسائل التي أتاحها له الدستور وتلك التي تميز بها المجتمع الكويتي من قدرة على استخدام العلاقات الاجتماعية لإيصال رسائل سياسية في غاية الوضوح لأولي الأمر·
هذا هو المطلوب فهل من يستمع ويسعى لإنقاذ الكويت؟