كتب محرر الشؤون السياسية:
يحتفل الكويتيون هذه الأيام بعيد الأضحى المبارك مع جميع المسلمين في أرجاء المعمورة، ويستقبلون حجاج الرحمن وهم يبدؤون احتفالاتهم بالعيد الوطني الثاني والأربعين وعيد التحرير الحادي العشر·
وفي هذه الأعياد المتتالية تتزاحم المشاعر بين الفرح بعيد الأضحى واستقبال الحجاج وذكرى الاستقلال والتحرير من ناحية، والقلق الذي لا ينفك يتغلغل الى أعماق الإنسان الكويتي ويحيل كل فرحة الى وقفة تأمل وخشية ليس مما سيحدث بل مما لا دليل على احتمال حدوثه والناس في أمس الحاجة له· فصمت الناس حديث مدو وحديثهم أبلغ من أن يهمل· الناس بانتظار نقلة نوعية مفصلية تعيد الأمل في قلوبهم وتذهب القلق من صدورهم وتفتح للأجيال القادمة بابا على ما سيخفيه الزمن لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم· فالأعياد تأتي والكويت في وضع ليس له مثيل في تاريخها المعاصر· الأزمات السياسية تتلاحق والوضع الاقتصادي لا يزال معتمدا على النفط كمصدر وحيد لم يعد حتى استمرار تدفقه مأمونا كما كان الناس يظنون لوقت قصير، حتى فوجئوا أن مصدر رزقهم الوحيد لم يكن في مأمن من التخريب والنهب والتدمير المتعمد ناهيك عن التسيب والإهمال· أما الوضع الاجتماعي فلم يمر على الكويت وقت ارتفعت فيه نسب الجرائم بكل أشكالها وأنواعها من القتل والاغتصاب والخطف والمخدرات كما هي الحال الآن· كل هذا يحدث في مجتمعنا والناس لم تعد لهم أدني ثقة بأن البلد يدار كما يجب· فالوزراء ليسوا بالمستوى الذي رسمه لهم الدستور والمنصب الوزاري أصبح عبئا على المخلصين والقادرين ومطلبا للمنتفعين والمتسلقين· بل لم تستقر وزارة واحدة منذ التحرير وحتى الآن لا بسبب مناكفة أعضاء مجلس الأمة - كما يشاع كثيرا - ولكن بسبب عدم تجانس أعضاء الحكومة من جهة، وعدم وضوح آليات الاختيار التي تعتمد دائما إما على نظام الحصص أو على الاختيارات الشخصية التي لا تعتمد على الحد الأدنى من معايير الكفاءة والقدرة والمعرفة، ناهيك طبعا عن آلية العمل في مؤسسة مجلس الوزراء التي لم تعد مؤسسة كما رسم دورها الدستور، كل هذا في إطار من الارتجالية وعدم وجود سياسة تنموية واضحة أو حتى تصور تنموي عام· فمجلس الوزراء ولد معاقا بسبب الترتيبات القيصرية التي واكبت خروجه الى النور ولا يمكن أن يعول عليه إصلاح الحال، فما في النار للظمآن ماء·
ويأتي هذا الشلل العام والناس بانتظار هزة سياسية ممن بيدهم زمام الأمور تضع الأمور في نصابها الصحيح وتنهي هذا التردد والانتظار الذي يجب ألا يطول أكثر من ذلك· فالكويت تستحق ما هو أفضل من هذا بكثير وتستحق من أولي الأمر الذين لم يبخلوا يوما بما احتاجته الكويت منهم مهما كان في الأمر من تضحيات، تستحق منهم قرارا وربما قرارات مصيرية ترتكز على ما ينقذ الدولة والناس من حالة اليأس والإحباط التي طال انتظار زوالها· القرار لن يكون هينا لكن استمرار الوضع الحالي ليس بهين هو الآخر بل إنه أخطر بكثير· فلا يعقل أن تستمر البلاد في حالة شلل تام بانتظار المجهول·
من جهة أخرى يرى كثير من المراقبين السياسيين أن الوضع الحالي لا يخدم الصورة التي طالما تميزت بها الكويت بين جميع الدول العربية وكثير من دول العالم الثالث، بكونها دولة ديمقراطية ذات مؤسسات وزع الدستور الأدوار بينها بشكل يمكن الدولة من الاستقرار ومن تفادي حالات الشلل التي نراها الآن البعض يعلق بالقول إن وضعا كهذا يفتح الباب واسعا للتساؤل حول مدى قدرة هذه المؤسسات على العمل بما أعطاها الدستور من صلاحيات وما أوجب عليها من التزامات· وهنا يتساءل الناس كيف لبلد ديمقراطي تحكمه مؤسسات دستورية أن يصاب بهكذا شلل لم يعرف إلا في الدول الدكتاتورية التي يحكمها أفراد بدساتير صورية؟
المطلوب من مجلس الوزراء القيام بمهامه الدستورية لمعالجة الحالة الكويتية المستعصية وإعادة الأمل في هيبة الدولة وسلطة القانون، ومطلوب من مجلس الوزراء أن يتحمل مسؤوليته الدستورية هذه أو أن يعلن عجزه· والمطلوب من مجلس الأمة وهو المؤسسة التشريعية والرقابية أن يضطلع بدوره في محاسبة الحكومة على استمرار الوضع، وأن لا يقف عند أضعف الإيمان، فهو المؤسسة التي انتخبها الناس لمراقبة الحكومة ومحاسبتها إن هي لم تقم بدورها الدستوري كما يراد منها· المجلس مسؤول أمام الناس أكثر من الحكومة عن حالة الشلل هذه· وما إهمال بعض النواب لدورهم الدستوري وتركيزهم على المصالح الانتخابية الضيقة التي تضمن لهم الأصوات حتى ولو على حساب الوطن، وأولئك النواب الذين يرون ويعلمون مواطن الخلل والتقصير في أداء بعض الوزراء لكن ديدنهم البحث عن مصالحهم الشخصية وتبادل المنفعة مع الوزراء الذين يشترون سكوتهم بالخدمات والتنفيع، ليس ذلك إلا دليلاً على أنهم شركاء في إهمال الحكومة وتقاعسها عن دورها وهم شركاء في ما وصل إليه الناس من فقدان الثقة بمجلس الأمة كمؤسسة تضاءلت لدى كثير من الناس الى مجلس لدى المحظيين من أعضائه صلاحيات لتخليص المعاملات فوق القانون·
المطلوب من مجلس الأمة ومن الأعضاء الذين لم تختل بوصلة الوطن لديهم أن ينظروا الى الصورة الكلية بدلا من التفاصيل الجزئية، ويسعوا الى تشكيل رأي ضاغط باتجاه إصلاح أمور البلاد من خلال ما لديهم من صلاحيات دستورية من جهة، وما يتأمله الناس منهم كأفراد منتخبين وكمؤسسة تشريعية رقابية من جهة أخرى، أيا كانت صعوبة الحل المطلوب، والخيارات محدودة للغاية، فإما أن تنتصر هذه المؤسسة لنفسها وللدستور والوطن والناس وإما أنها تتحمل تبعات خيبة أمل أناس فيها وما يلي ذلك من آثار مدمرة على الإنسان والدولة· فهل يا ترى نحن حالمون؟