حدث ذات أمسية··!
نشمي مهنا
استفزني، هزمتني لكمة سؤاله حينما قال: أنت تكتب بقلمين·· حبر ناشف وآخر رصاص!! اكسر أحدهما كي تتوحد اللوحة، ويستقيم قوام المعنى، وكي تستطيع العين أن تستجلي جمال الحرف وأضاف: “صاحب البالين كذاب” تلك حقيقة تدركها في قرارة نفسك·· أليس كذلك؟
كانت الصالة مليئة بأصدقائي، وبعض أصدقائه، أردت أن أهمس بأذنه حتى استرضيه، أقنعه· أحطت كتفيه بذراعي اليمنى (بحنو كاذب)، مهدئا من غضبي الداخلي، خفت أن يعلو جدالنا أمام الحضور·· فاجأني أن نفض ذراعي بقوة، سحب قلمي الرصاص من جيبي اللصيق على قلبي·· وانفلت الى المنصة·
بدأ بمقدمة قصيرة جدا (لا يحسن البدايات - والشيء الجديد - النهايات أيضا) قرأ بتردد، ألقى، ثم تمكن·· دقات قلبي كانت معه خوف المفاجأة·· حدثت بالفعل إذ تلعثم في قصيدته الأخيرة، الحزينة!
شكر مقدمه على المنصة، نزل مصطنعا التواضع، مزهوا بداخله حد النشوة، صافحته مهنئا ببرود كي يسترد بعض وعيه، وهمست: لا تغادر المكان·· أريدك بعد أن ينفض جمع الأصدقاء·
بعد دقائق، أقبل، قال مستبقا كلامي الذي يتوقعه جيدا: ما رأيك في الحضور/ النخبة؟
- جاؤوا من أجلي·· ألم تر أهل “الرابطة”؟! (قلتها بتحد)
- وأساتذة السياسة والصحافة والبرلمان·· هل حضروا أمسيتك (!) التي شاركت فيها قبل شهر؟ قالها مستهزئا·
- لا تفرح كثيرا بقصائدك البسيطة، والمباشرة جدا، ثلاثة أرباعها تخلو من الشعر· (قلت)·
- لا تأكلك الغيرة (قال)
- بل أرش وجهك بماء الصحو·· قصائدك فعلا بسيطة أو هي بحدها الشعري الأقصى ظريفة· (قلتها بخبث)
- ok·· إنما هي ترجمة لآهات أهلي، لم تبعد عن سماواتهم الملبدة، لم تبعد عن سوداوية عباءة المرأة في بلدي، عن آفاق الحرية التي نريد، عن وصف حراب التعصب· (قال)·
- أنت تقلدني! (قلت)
- أنت تقلدني·· (وأضاف) من كتبها قبل؟
- من فكر فيها قبل؟ (قلت)
- نحن الاثنان لكن··
- قاطعته: ألم تر المرأة في بحري أجمل وأرقى وأكثر بهاء، ألم ترني اتخذت أنثى الأيائل دليلا الى غيابها الحاضر، ألم تر صور التطرف والاستعباد بأكف تهوي بسياط الأديان في “باخوس”، وسجون الخرافات والقلق الوجودي في “ظلال الخوف” و··
- القلق الوجودي؟!·· من يستسيغ هذا الكلام الموغل في الرمزية؟!
- أتستخف··؟! (قلت)
- لا إنما أنبهك فقط·· إنني أقرب للقلوب (قال)·
- لا أحتاج لتنبيهك فأنا الأقرب للعقول وجذوري أبعد عمقا، ألا تعلم أن الجماهيرية تخنق نفَس النص؟
- تبدو لي كمحارب مثالي خارج من رماد الهزيمة·
(قالها دون حياء)
- حتى لا نضيع في تبرير هزائمنا كما تسميها، أو نتبجح بانتصارات وهمية كما تعيش الآن·· دعنا نصل الى نتيجة (قلت بحزم)
- ببساطة·· أكسر قلمك الناشف (قال)
- بل دعني أمحو رصاصك (قلت)
- ما دمنا لا نتفق، إذن لنفترق، اكتب في أوراقك المطوية، المتخثرة في بطون الكتب·· ودع لي فضائي الخاص بي·· (وأردف) لماذا تعشق التوأمة دوما؟ والمشاهد صارمة الوضوح، دعنا نتجول على حواف الألوان··
- أخشى اختلاطها (قلت)
- لا·· اطمئن، لن تختلط ألوان قلمينا ما دمت أنت هناك·· وأنا هنا··
“ما الحيلة مع هذا المشاغب” حدثت نفسي، وخرجت من القاعة··
التفتُ·· وإذ بي وحدي، وسيارتي وحدها مركونة في مواقف جمعية الخريجين!!
nashmi@taleea.com