· سعد الدين وهبة·· كان يُسمى “رجل بألف رجل”
· أحلم بأن أشاهد مسرح الستينيات من جديد
· المسرح هو بيتي ووطني وعشقي الدائم
· المسرح سيظل هو المسرح، ولن تدخل فيه العولمة”
حاورها ملاك نصر:
“سميحة أيوب”·· امرأة تنتمي إليها أي امرأة عربية·· وقد منحوها لقب “سيدة المسرح العربي”·· لكن لكونها فنانة حقيقية، فإن شخصها يتجاوز دائماً الألقاب والأوصاف والنعوت التي تتبدل وتتغير·· فالروح المبُدعة دائماً فوق الوصف والحرف والصرف·· فقط تبقى نبرات صوتها الرنانة الشجية شجن الفن العربي، أفضل توقيع شخصي خاص عن إبداع الروح التي فيها·· وقد تحاورت “الطليعة” مع هذه الشخصية الثرية من الداخل، بمناسبة زيارتها إلى الكويت، لعرض مسرحيتها “الناس اللي في التالت”، فكان لنا معها هذا اللقاء:
· “سميحة أيوب”·· ليس مجرد اسم فنانة، بل هو تاريخ طويل من الإنجاز الفني - بل والوطني أيضاً·· كيف تصف سميحة أيوب نفسها وتاريخها؟ ما تقييمك لذاتك وتاريخك؟
- تقييمي لتاريخي ولذاتي، هو أنني كنت ومازلت مجرد مواطنة مؤمنة بشيء كبير وهو “الإنسان” وبالتالي حبي الشديد له، وكذا حبي للوطن لأن الإنسان والوطن عندي شيئان مندمجان في كيان واحد، فعندما تحب إنساناً ما فأنت تحب كل ما يخصه·· وبالتالي، فأنا أعشق وطني وأعشق الإنسان في وطني ومن أجل ذلك أردت أن أعطيه شيئاً حميماً من نفسي·· وبينما أمشي مسيرتي الفنية هذه أحاول قدر المستطاع أن “أعطي” لهذا الإنسان ولهذا الوطن وهو في الوقت نفسه “يعطيني” أيضاً·· فهو عطاء متبادل بيننا، الجهد والحب من جهتي، والمركز الأدبي والحب من جهته·
· هناك مقولة في الاقتصاد إن “العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة”·· فإلى أي مدى يمكن أن تنطبق هذه المقولة على المناخ الفني بشكل عام·· والمسرح بشكل خاص في يومنا هذا؟!
- كل شيء يمكن أن يُقال عن هذه المقولة، إلا الفن وعملية الإبداع والخلق·· لأنها عملية مرتبطة بالإنسان نفسه في إبداعه·· فعندما أقف على خشبة المسرح، لا أحد يستطيع أن يتحدث بفمي، فأنا من يتكلم، وأنا من أوصل الفكرة·· وكذا الفنان الذي يرسم لوحة مثلاً فهو ذاته الذي يرسمها وليس سواه·
· ولكن·· ما أقصده هنا هو أن هناك بعض الرواد في الفن التمثيلي قد نأوا بأنفسهم عن الوسط الفني المسرحي بتداعياته الخطيرة الآن، فكم من السلبيات أصبحت في هذا الوسط!
- أنا أزعم أن ليس هناك من “امتنع” بالكامل عن الفن المسرحي بشكل خاص، بل توقف إلى حين·· ومثال على ذلك فقد توقفت لمدة ست سنوات عن المسرح، وإن كنت قد عملت في روافد فنية أخرى كالتلفزيون·· لكني لا أتناول نصاً لأعمل به إلا إن كنت متأكدة تماماً من فائدته ومعناه بالنسبة إلى الناس·· وهذا ما حدث لي، عندنا جاءني نص مسرحية “الناس اللي في التالت”، فعملت به· وبالتالي، فالرواد لم ينأوا بأنفسهم عن الفن بل يرفضون فقط العمل الفني المتردي، وهذا أمر وارد·· ولذلك فأنت تراهم رواداً حقاً لأنهم “ينتقون” أعمالهم ويحترمون أنفسهم·
· وبهذه المناسبة: هذا النص الجديد الذي تقومين بالبطولة فيه “الناس اللي في التالت” هو نص لمبدع “الأدب التلفزيوني” أسامة أنور عكاشة·· فما هو تحديداً ما جذبك إلى هذا النص ودفعك لأن تتخذي قراراً بتمثيله بعد ست سنوات من الانقطاع عن المسرح؟
- ما دفعني إليه هو القضية التي يحملها·· فأنا لا أعمل أي عمل وحسب، وقضيته هي: عندما يحكم العسكر في العالم الثالت لذا جذبني فكرياً وفنياً·
· “سعد الدين وهبة”·· يعتبر رائداً من رواد التنوير من الجيل الثاني·· فما أهم إنجاز لسعد الدين وهبة في رأي زوجته وشريكة كفاحه وآلامه؟
- في رأيي أن سعد الدين وهبة حقق إنجازات كثيرة ومتعددة ومهمة لدرجة أني أجد صعوبة في حصرها فقد كان يسمى “رجل بألف رجل”·· كان يجتهد ويثري وينير أي مكان أو مسؤولية ثقافية أو فنية يتحملها وبالتالي وعن قناعة أستطيع أن أقول إنه صنع شيئاً مهماً وضخماً للأجيال اللاحقة ابتداءً “بمركز الرواد” الذي أسسه في “قطاع الثقافة الجماهيرية”، ذلك المركز الذي صنع وخرج أجيالاً كثيرة من كبار الشخصيات المسؤولة حالياً والذين أقابلهم اليوم، معترفين بالفضل إلى “الأستاذ” سعد الدين وهبة - على حد تعبيرهم - لذلك فإن صنع “كوادر” أو “صف ثان” من الشخصيات الثقافية والفنية القيادية، أمر في غاية الأهمية·· والدليل أننا اليوم نتلمس ونفتقد كثيراً “الصف الثاني” وهذه أزمة حقيقية لكن هذه كانت رسالة سعد الدين وهبة·· ناهيك عن مسؤوليته عن “الهيئة العامة للكتاب”، و”هيئة السينما” ورئاسته لـ “مهرجان القاهرة السينمائي” وتأسيسه لـ “اتحاد الفنانين العرب” وبالتالي كان له إنجازه على المستوى السياسي ففي يوم الانعقاد الأول لـ “اتحاد الفنانين العرب” رُفعت أعلام اثنتين وعشرين دولة عربية في مصر، برغم تأزم العلاقات فيما بينها خصوصاً بعد اتفاقية كامب ديفيد، وبرغم الموقف الغاضب لدى البعض من مصر آنذاك، لكن سعد الدين وهبة استطاع أن يجمع الكل على هدف واحد· رحمه الله، فقد كان رجلاً عظيماً قل أن يجود الزمان بمثله·
· وبهذه المناسبة: كان لسعد الدين وهبة موقفه السياسي الواضح المُعلن·· وتحديداً موقفه من إسرائيل·· والسؤال هنا: ما دور سميحة أيوب في تكوين هذا الموقف أو المشاركة فيه؟
- دوري وموقفي حتى بعد وفاة سعد الدين وهبة واضح ومفهوم ونحن في خضم الأحداث الخطيرة الحالية وهو الرفض التام لكل ما يخص إسرائيل·· وما أستطيع أن أفعله في هذا الوقت هو توضيح هذا الموقف والتنوير للناس تجاه موقفهم من إسرائيل، برفضهم - مثلاً - لأي تعامل اقتصادي مع إسرائيل كشراء منتجاتها·· وكثيراً ما أتكلم وأرفض وأدين، وهذا كله على المستوى النظري لأنه ليس في يدي قرارات فعلية سياسية أتخذها·· لكن ما في يدي هو الإقناع للناس في هذه القضية·
· جملة أخيرة قالها لك سعد الدين وهبة·· قبل موته··ما هي؟!
- لقد قال لي جملاً كثيرة تتداخل كلها في نفسي منذ وفاته·· لكنه وبينما يرقد على فراش المرض الأخير، وفي حضور “فوزي فهمي” و”نعم الباز” و”حُسن شاه” و”آمال بكير”·· ربت على كتفي بحنان بالغ، وقال لهم: “إن أعطاني الله العمر فسأكتب كتاباً أسميه: المرأة التي احتملتني!” الأمر الذي أدهشني لأن كلانا كان يحيا مع الآخر دون أن يدخر وسعاً في إسعاد الآخر، ودون أن يشعر أنه يبذل مجهوداً يُحسب له في ذلك·· فنحن الاثنان كنا واحداً·· وبرغم أنه كشخصية مفكرة ينبغي التحسب لها داخل البيت، من أجل تهيئة كل الظروف والأجواء لراحتها وإبداعها، مع ضرورة التعامل معه بمرونة شديدة في لحظات غضبه أو ثورته أو فورة إبداعه أو ضرورة امتصاص الضغوط التي يعيشها في العالم الخارجي، ويعود بها إلى البيت·· لقد كان واعياً لكل محاولاتي هذه نحوه في البيت، بينما كنت أعيش هذا كله بكل بساطة، دون حسباني أنها أمور تستحق الشكر أو الامتنان منه·
· وماذا عن دوره فنياً في حياة سميحة أيوب؟
- كل منا لا يعرف تحديداً دور الآخر فنياً في حياته·· فمنذ أن تزوجنا ولكل منا شخصية اعتبارية مكتملة المواهب والاستقلالية·
· ما أقصده هو إن كانت له آراد أو تقييمات لعملك الفني كمفكر وفنان ومبدع؟
- كان محباً بشدة لعملي الفني·· ومعجباً ومُقدراً له·· وقد تزوجني من خلال إعجابه بعملي هذا·
· وما تقييمك لتجربة إعادة مسرحياته الرائعة الرائدة؟
- لدي رغبة لإعادة مسرحياته كلها·· فالأجيال الجديدة لابد وأن تعرف أن هناك كُتَّاباً قدامى لاسيما وأن بعض الكُتَّاب الحاليين على الساحة ليسوا في المستوى المطلوب·· وبالتالي لابد وأن تفهم الأجيال الجديدة أنه كان يوجد في الماضي كُتَّاب عظام أمثال “سعدالدين وهبة” و”يوسف إدريس” و”نعمان عاشور” و”ميخائيل رومان” و”لطفي الخولي” وغيرهم ممن لا أذكرهم حالياً·· ولكن ما استطعت القيام به هو إعادة مسرحية “كوبري الناموس”، وكذا “السبنسة” بشكلها الجديد في المسرح القومي·
· والفنان محمد صبحي خاض التجربة نفسها؟
- نعم·· فقد أعاد “سكة السلامة” بالاتفاق مع سعدالدين وهبة قبل رحيله·· وهي كلها تجارب مهمة، برغم دهشة البعض من إعادة القديم·· ولكن السؤال هنا: لماذا تُعاد أعمال “وليم شكسبير” حتى الآن؟! ولماذا نقبلها؟! هل لأنه خواجة؟! علينا أن نعتبر كل هذه الأعمال تراثاً فنياً وثقافياً، نحافظ عليه وننهل منه فقد لا يتكرر كثيراً فيما بعد·
· وبالمناسبة: هل مازال المسرح هو “أبو الفنون” في عصرنا الحالي؟
- أعتقد أنه الآن “أبوهم” أحياناً، و”جارهم” في أحيان أخرى، و”المشاغب” لهم في أوقات أخرى لكنه يبقى في النهاية “أبا الفنون”·
· ألا يحاول التلفزيون - مثلا- والفضائيات العربية إسدال ستائر المسرح؟
- للمسرح جمهوره··بل مدمنوه! نعم له محبوه إلى حد الإدمان! فلا فضائيات ولا أي فن آخر يستطيع إسدال ستائر المسرح·· فقط من الممكن أن هذه الفنون “تلهي” الجمهور عنه بعض الوقت وبعض الشيء·
· تقولين هذا··برغم الأرقام المتدنية في الحضور والمداخيل بالنسبة إلى المسرح؟!
- ليست هناك أرقام متدنية في المسرح، لاسيما إن قدمت مسرحا جيدا، فسوف يأتي إليك الجمهور·· لقد سئم الناس العري والرقص والطبل على المسرح، سئموا ذلك كله إلى حد “الغثيان” وبالتالي، عليك أن تخاطب عقول الناس ووجدانهم، وسيأتون إليك من كل مكان·
· ولكنك أنت نفسك تمثلين في التلفزيون، فماذا عن أدوارك التلفزيونية؟
- أدواري التلفزيونية، أعتبرها أدوارا جيدة·· أجد فيها متعة فنية من نوع آخر، كما أعتبرها “بدل فاقد” للمسرح!
· إذن بيتك الحقيقي ووطنك الثاني هو المسرح·
- نعم·· فالمسرح هو بيتي ووطني وعشقي الدائم·
· “العولمة” أصبحت مثار الأحاديث والندوات والدراسات وكل المنابر تقريبا·· ببساطة شديدة: ما موقف المسرح العربي من قضية العولمة؟ وكيف يتعامل معها بشكل إيجابي؟
-المسرح سيظل دائما هو المسرح بثقافته وأدبياته وفنه الخالص·· وهو فن يتحدث إلى الإنسان بكل مكوناته كإنسان·· ولن تدخل فيه العولمة·
· بمعنى أوضح: ماذا تقصدين؟
- بمعنى أن المسرح لن ينساق إلى بعض قيم وأفكار العولمة السلبية تجاه الإنسان، فالمسرح فن ثلاثي الأبعاد: إنساني وسياسي واجتماعي، ولا يمكن فصل أحدهم عن الآخر، تماما كما لايمكن فصل الإنسان عن إنسانيته ووطنه ومجتمعه·
· ما رأيك في المسرح الكويتي·· هل ترصدينه؟
- لكي أكون صادقة مع نفسي ومعك، أعترف بأنني لا أرصده بالقدر الكافي، بل أين سأرصده؟ فأنا لا أشاهد مسرحا كويتيا إن لم يكن ثمة مهرجان للمسرح مثلا، أو آتي إلى هنا وأحضر مسرحا، أو إن أتيحت لي الفرصة لذلك·· وبالتالي، فأنا أتمنى أن يحدث ما يمكن أن نسميه تبادلا ثقافيا، بأن تأتي إلى الكويت فرق مسرحية مصرية - كما أتينا اليوم لعرض مسرحية “الناس اللي في التالت” - وأن تزور مصر فرق مسرحية كويتية، وذلك يتم إن أقيم في مصر مهرجان للمسرح التقليدي، غير التجريبي·
وبالتالي سنسعد جدا بالفرق الكويتية والزملاء الكويتيين الذين أثاروا إعجابي الشديد من خلال ما شاهدته على المسرح، أو الفضائيات العربية·
· ألم يتعرض نص مسرحية “الناس اللي في التالت” إلى شيء من الرقابة والتعطيل قبل إنتاجه؟!
- لقد تعطل هذا النص بالفعل رقابياً·· ومثل هذه الأمور تعتمد أولاً وأخيراً على شخصية الرقيب من حيث فكره وثقافته وأخلاقياته·· فإن كان جباناً فسيمنع النص الجريء إلى أن يأتي رقيب آخر مستنير ليفك أسر ذلك النص ويصرح بعرضه فورا، وهذا ما حدث بالنسبة إلى مسرحية “الناس اللي في التالت”·
· إن كانت أجمل الأحلام وأعظمها تلك التي يحملها الإنسان وهو على القمة·· فما أحلامك وطموحاتك الفنية اليوم؟
- أحلامي وطموحاتي هي أن يمنحني الله الصحة لكي أستمر في العطاء وبوعي كامل·· كما أحلم بأن أشاهد مسرح الستينيات من جديد بعبقه وغناه وجماله·
· وهل يمكن أن يعود مسرح الستينات مرة أخرى·· ونحن في الألفية الجديدة؟!
- مسرحية “الناس اللي في التالت” تعتبر نواة لعودة مسرح الستينيات من جديد·